الفصل 246
الفصل 246
*****
قبض على الزر بقوة وانحنى بجسده فوق المكتب.
ينسكب شيء ما فوق الأنقاض التي تداعت إلى أقصى حد.
ولم يستغرق الأمر وقتا طويلا ليدرك أن ذلك الشيء هو روحه المدمرة تماما.
التفت مترنحا وهو يشعر بنفسه تتفتت دون ترك أي أثر.
ثم أخرج شيئا من درج المكتب وغادر غرفة النوم.
شعر بالخدم المصطفين على جانب الممر ينظرون إليه بأعين متفاجئة.
وجه باركاس إليهم التعليمات بنبرة هادئة.
“سأعود قريبا فلا تتبعوني.”
تحركت شفاه الخدم وكأنهم يحاولون منعه من الذهاب، لكنهم جفلوا أمام نظرته الحادة وخفضوا رؤوسهم جميعا في وقت واحد.
مر عبر الممر بمسافة منتظمة ونزل السلالم.
كان المطر لا يزال يهطل في الحديقة الخلفية.
شق باركاس طريقه عبر قطرات المطر التي أصبحت خفيفة نسبيا، وعبر الممشى متجها مباشرة نحو مبنى المصلى.
لم يشعر بأي أثر لوجود بشر، ربما لأن الوقت كان في الفجر الباكر.
عبر باركاس القاعة الرئيسية التي خيم عليها ظلام دامس، ثم مر عبر الباب الخلفي وخطا إلى الحديقة الخلفية.
وسرعان ما ظهرت في مدى رؤيته مقبرة تضم ضريحين.
توقفت عينا باركاس الخاليتان من التركيز أمامها، وانزلقتا فوق الرخام الذي يتلقى المطر.
كانت زوجته تنام بجوار طفلهما، وسط أكوام لا تحصى من الزهور.
مسح باركاس بيده بهدوء قطرات المطر المتراكمة فوقه، ثم أخرج خنجرا كان يخفيه داخل كمه.
وتبللت الشفرة البيضاء الناصعة بماء المطر.
بينما كان يقربها ببطء من رقبته، سمع صوت خشخشة من مكان ما.
أدار باركاس رأسه ببطء، فوقعت عيناه على ذئب ضخم ذي مظهر هصيل.
كان هزيلا وبائسا وكأنه يتضور جوعا منذ فترة طويلة، لكنه استطاع التعرف على هذا الحيوان بنظرة واحدة.
إنه ذئبها الذي تركه في مكان ما بغابة أرموند في خريف العام الماضي، بعد أن عجز عن إزهاق روحه.
خرج الحيوان الذي كان واقفا بضعف وكأنه سينهار في أي لحظة، وهو يمشي ببطء من بين الشجيرات الكثيفة.
راقب باركاس ذلك المنظر بصمت.
تذبذبت عينا الحيوان وهي تحمل اليأس والحزن والألم.
وخفض باركاس الشفرة التي كان يضعها على رقبته بعد أن قرأ في عيني الذئب كراهية يائسة موجهة نحوه.
وبعد فترة وجيزة، تشوه فم الذئب وظهرت أنيابه الحادة.
وفي الوقت نفسه، طار جسد الحيوان الضخم نحوه.
شعر بأنيابه الطويلة والمدببة تغرس عميقا في رقبته، فاستلقى بجسده وكأنه ينهار في الماء الموحل.
تردد صدى صوت فم ذئب الـ “داير وولف” الضخم وهو يسحق عظام رقبته بوضوح في أذنيه.
وبذلك الصوت، اختفت كل الأصوات الأخرى كآخر شيء يسمعه.
نظر إلى السماء شديدة السواد بعينين تنطفئ أضواؤهما.
وكان ماء المطر البارد يبلل جنبات عينيه بلا توقف.
أراد مسحه، لكن ذراعه لم تتحرك أبدا وكأن أعصابه قد انقطعت بالفعل.
وشعر بالدم الذي تجاوز حلقه يبلل جنبات فمه، فزفر أنفاسه الأخيرة زفيرا طويلا.
في تلك اللحظة، رفع الذئب رأسه ونظر إلى عينيه.
وبدت العينان الزرقاوان الكئيبتان وكأنهما تناشدانه بشيء ما بلهفة.
نظر بهدوء إلى هاتين العينين الغارقتين في الحزن، ثم اعتصر آخر ما تبقى له من قوة ونقل نظره إلى قبرها.
لكن رؤيته أظلمت بسرعة قبل أن تتسع شبكيته لاستيعاب اسمها.
حاول مد يده نحو شواهد قبرها بيأس.
لكن ذراعه التي فقدت الإحساس بالفعل لم تتحرك حتى حركة خفيفة.
رسم وجهها بيأس في عقله الذي يتلاشى تدريجيا.
وحتى ذلك الوجه سرعان ما أصبح باهتا.
والآن، لم يعد هناك شيء يمكنه إدراكه سوى البرد القارس الذي يتغلغل في العظام.
وتوقف القلب الذي كان يضخ الدم بغزارة من رقبته الممزقة عن الحركة أخيرا.
وسرعان ما اندفع ظلام بارد كالثلج.
شعر بوعيه يغرق بلا نهاية داخل مستنقع عميق وسحيق.
‘هل هذا هو الموت؟’
بينما كان يفكر في ذلك بذهول، جرفه نهر تدفق من مكان ما.
وانحرف الجسد الذي فارقته الحياة عن مساره الأصلي في لمح البصر، وبدأ يطفو كالعشب العائم على طول مجرى الماء الأحمر.
تدفق مجرى نهر الدم ببطء شاقا الظلام، دون أن يعرف أين هي نهايته وأين هي بدايته.
بعد فترة لا يعلم مدتها من الطفو دون وجهة محددة على طول التيار البطيء لزمن سحيق، انتشله شيء ما من رقبته.
سُحب إلى مكان ما كالعشب البحري العالق في شبكة.
وبعد فترة، لامس ملمس الأرض الخشنة والجافة خده.
وعندما رفع جفنيه الثقيلين كأنهما يزنان ألف رطل، رأى بشكل غامض الكيان المجهول الذي انتشله.
وقع جسد الحيوان الضخم المليء بآثار السكاكين في كامل جسده داخل مدى رؤيته أولا.
ثم رأى عدة أزواج من الأعين الحمراء.
كان يعرف هذا الحيوان.
إنه الحيوان الذي قطعه بيديه قبل وقت طويل جدا.
‘هل جاء ليتنقم لما حدث في الماضي؟’
بينما كان يفكر في ذلك بذهول، هبط الرأس الضخم نحوه.
وسمع صوت مضغ لحمه وعظامه.
التوى بجسده بعنف إثر ألم يذهب العقل.
لكن لم يتبق له فم ليطلق منه صرخة.
وكذلك لم تتحرك أطرافه أبدا، وكأنها ذابت جزئيا في ماء الدم.
وكان كل ما يمكنه فعله هو مراقبة التهام جسده بلا حيلة.
التهمت الرؤوس المختلفة أطرافه في لمح البصر، وبدأت تمزق جسده.
واستمر ذلك الألم الحي حتى التهم رأسه بالمضغ.
شعر باركاس، الذي تدفق إلى بطن الوحش بعد أن هُرس قطعا قطعا دون ترك أي شكل له، بوجوده يذوب ببطء داخل جسد الوحش الكاسر.
وغرق في الظلام مجددا بعد ذلك الإحساس الغريب والمخيف كآخر شيء يشعر به.
ولم يطفو وعيه فوق السطح مجددا إلا بعد مرور زمن سحيق.
شعر بشيء دافئ يحيط به.
وتردد صدى صوت ضربات قلب بطيئة ومنتظمة وصوت أنفاس خفيفة بهدوء في الظلام.
لكن تلك اللحظة الآمنة لم تدم طويلا.
إذ ومض شيء كالوميض، ثم انتشله شيء ضخم.
ظل يهتز هنا وهناك وهو محبوس في مساحة ضيقة ومظلمة، لا يعرف فيها أين هي السماء وأين هي الأرض.
وبعد فترة، ضربت صدمة ثقيلة كامل جسده.
دون أن يجد وقتا للاستجابة للألم الشديد الذي جعل ما بين عينيه يصبغ باللون الأبيض، هبطت يد ضخمة هذه المرة وبدأت تخرج الكائنات الحية التي كانت معه في نفس المساحة واحدا تلو الآخر.
وفي الوقت نفسه، تردد صدى صوت بكاء مرير ورائحة دم وصراخ شرس.
لم يستطع فهم ما يحدث على الإطلاق.
وكل ما في الأمر أن تخمينًا غامضا بأنه قد سقط في المطهر مر بجانب من وعيه.
انتظر دوره بلا حيلة وسط ارتباك يشعر به لأول مرة في حياته.
ولم يمر وقت طويل حتى انتشلت يد عنيفة قفاه.
وفتح فمه واسعا بغريزته.
وحينها، اخترقت طبلة أذنيه صرخة غريبة لا يمكن تصديق أنها خرجت من فمه.
فتح عينيه الباهتتين وكأن الصقيع يغطيهما، ونظر حوله في كل اتجاه.
ودخلت ظلال العمالقة الذين يرتدون دروعا حديدية بشكل غامض داخل مدى رؤيته الذي اتسع بشكل غريب.
ولم يدم ذهوله أمام ذلك المشهد غير الواقعي إلا لحظة، حتى ضغطت شفرة باردة على رقبته.
وانفجرت منه صرخة حادة غريبة تلقائيا إثر ألم يخنق الأنفاس.
لكن الضغط الذي يضغط على الرقبة أصبح أشد.
وفي النهاية، تخلى عن المقاومة وخفض جفنيه.
في ذلك الوقت، سُمع صوت خطوات مستعجلة، واختفت القوة التي كانت تضغط عليه.
عندما فتح عينيه اللتين أغلقهما فجأة، التقطت رؤيته المتسعة يمينا ويسارا مظهر العملاق الساقط.
وصرخ الرجل الضخم الذي يرتدي درعا حديدية بصوت عال نحو شخص ما.
لكنه لم يستطع فهم ما يقوله.
واختلطت عدة أصوات طنين بشكل مربك وسط صوت المطر الصاخب.
وأراد سد أذنيه حالا، لكن جسده لم يستجب لأوامره.
تلوى بأطرافه الرخوة بيأس وهو منبطح في الماء الموحل.
وفي تلك اللحظة، شعر بشيء دافئ وناعم يلف جسده.
توقف عن التنفس فجأة.
واندفعت موجة ذهبية مبهرة داخل مدى رؤيته الذي كان مليئا باللون الرمادي.
ورأى قطرات المطر التي تتدفق بخفة تنهمر بغزارة وهي تبلل رموشها الطويلة وخدها الشاحب.
وعندما صعد على طول مجرى ذلك الماء، رأى عالما عميقا وأزرق بلا نهاية.
تضرع في داخله وهو ينظر إلى ذلك الضوء الصافي والشفاف.
‘يا إلهي.’
‘إذا كان هذا حلما، فأرجوك…’
وقبل أن يكتمل دعاؤه، أحاطت به رائحة الجنة.
وهمست المرأة التي جذبته إلى حضنها الناعم والدافئ بصوت كأنه يحلم.
“سيكون اسمك ‘كان’ من الآن فصاعدا.”
وتلألأ البؤبؤان الأزرقان الداكنان المبللان بالمطر والدموع ببريق فرح حزين.
بينما كان ينظر إلى ذلك المنظر دون أن يرمش حتى بعينيه، لامس خدها البارد المتجمد رقبته.
وهمست المرأة التي تحمل على فمها ابتسامة تبدو مفعمة بالسعادة بصوت صغير.
“لنكن معا دائما في المستقبل.”
******
معكم المترجمة مروة ♡
اظن اول مرة بحياتي اكتب رأيي بعد فصل…؟
بس انصرعت ؟؟؟؟؟😭😭
الفصل مو طبيعي كيف الأبطال الاثنين ودعوا مع بعض طب وش نهاية باركاس و ايش قصدوا بقفلة الفصل؟
اتركلكم حرية التخيل لأنه مهما حاولت اطلع بتحليل للأحداث تقوم المؤلفة تدعس كل آمالي 🥹🙏🙏
إشترك في عضوية VIP - بدون إعلانات
إشتراكك و دعمك للموقع يساعدنا في إستمرار و بناء تطبيق للهاتف
تخلص من الإعلانات المزعجة واحصل على وصول أسرع للفصول وميزات VIP للتعليقات ووضع التركيز والكثير من المزايا.
إشترك في VIP - بدون إعلانات -ندعم بيبال عملات رقمية و فيزا وكل الوسائل
اشتراك في العضوية VIP في Patreonبالفيزا أو الماستر كارت
اشترك في العضوية و إدعمنا VIP عبر Ko-fiعند اشتراكك أو دعمك للموقع لا تنس أن ترسل لنا اسم حسابك لتفعيل VIP.
التعليقات
Comments for chapter "الفصل 246"
MANGA DISCUSSION