الفصل 03 - لا بد من القتل()
—
«أيها الضعيف.»
كانت هذه أشد الإهانات التي استطاع أبي سيباستيان أن يوجّهها.
الضعف. كان يُبغض كلَّ ما هو رخو وهزيل، ويُبجلّ كلَّ ما هو صلب وقوي.
وقد أخفقتُ جليًّا في بلوغ ما يرتقبه مني أبي.
لم أكن يومًا إنسانًا صُلبًا. كنتُ ممن ينحني ولا ينكسر، ولم يكن في نفسي أيُّ رغبة في إخضاع الآخرين أو السيطرة عليهم بقوة قناعاتي.
تلك كانت حقيقتي.
━ جائع. أحتاج إلى أكل قلبٍ طازج لاستعادة المانا. كلّما كان الطفل أصغرَ سنًّا وأنقى روحًا كان أفضل. قوّةُ حياته ضرورة.━
━ستُختار فارسًا للإمبراطورية، لذا سنتولّى إمدادك بالطعام متى احتجتَه. ستأتيك ليكسي قريبًا. اتّبع تعليماتها.━
غير أنّ هذه الهمسات لم تكن بشريةً بأيّ حال.
كما قال إيدمون، أيمكن أن يكون قد اختلط بيننا نحن البشرَ نوعٌ فرعي من الشياطين؟ أأصبح الوقت الذي أشغل فيه نفسي بـ«ذاتي» قد مضى؟
منذ متى وهم هنا، ومن أين أتوا؟
بيد أنّ التساؤلات حول وجودهم ذاته يجب أن تُؤجَّل إلى حين.
فثمّة الآن تهديد يواجهني.
هل يجب أن أقتله بيدي؟
……يبدو أنه لا حاجة إلى ذلك.
إذ يكفي بموجب قانون الإمبراطورية أنّ طالبًا في الأكاديمية العسكرية قد خلّف وراءه هذه الشيفرة الخيانية لتكون جريمتُه مُوجبةً للإعدام، والحكمُ فوريًّا.
نعم، لست بحاجة على الأقلّ إلى قتله الآن.
في اللحظة المناسبة، دخل المتدرّبون. جلستُ على المكتب وتفحّصتُهم واحدًا واحدًا. توقّف بصري عند الفتى ذي الشعر القصير.
منذ قليل، لم يكن ما في داخلي من الشظيّة السوداء قد تفاعل إلّا مع هذا الشخص بالذات.
«اسمك جاكوب، أليس كذلك؟»
«نـ… نعم! أنا جاكوب!»
أجاب الفتى ذو الشعر القصير مذعورًا.
خمسة عشر عامًا، وفي خدّيه لا يزال بقايا نعومة الطفولة.
«الجميع يخرجون، ما عداك.»
«……ماذا؟»
«اخرجوا.»
بدت الحيرة على وجوههم جميعًا، ثمّ خرجوا. حتّى أستاذ علم المانا الذي دخل متأخرًا صُرف هو الآخر.
لم يبقَ في القاعة غيري وغير جاكوب.
«جاكوب.»
«نعم؟»
أمسكتُ بالكتاب. ارتجفت حدقتاه لوهلة قلقًا.
«تعرف ما الذي أودّ قوله، أليس كذلك؟»
فتحتُ الكتاب وتلوتُ الشيفرات المكتوبة في صفحاته.
«لنواصل التواصل بهذه الطريقة. أبلغ رفاقك بفعل الشيء ذاته. لا أظنّنا سنتمكّن من العودة في السنوات الخمس المقبلة.»
«أ… آه……»
اتّسعت عيون جاكوب، ثم أنزل رأسه سريعًا. انبثق منّي ضحكٌ فارغ.
ما أيسر ما بدوتُ له حتّى يجرؤ على إحضار شيء كهذا إلى هنا. هذا المكان الذي يمكن تسميته قلبَ نبلاء الدم النقي بلا مبالغة.
«لستَ مواطنًا إمبراطوريًّا، أليس كذلك؟»
لم أعد أستطيع الادّعاء بأنّ عرق الإيزنهايم وحده هو الشيطاني. فمنذ البداية، طريقة التصنيف العرقي في الإمبراطورية بالغةُ الذاتية وعديمةُ العلمية، والسمات الخارجية لعرق الإيزنهايم طفيفة لا تكاد تختلف عن بقية الأعراق.
أجدى وسيلة للتمييز بين الأجناس البشرية هي القتل وتشريح الجثّة.
وحتّى ذلك مستحيل على الإنسان العادي. إذ تنبثق الفوارق العرقية الحقيقية من بنية دوائر المانا وخصائص القلب الدقيقة.
فكلّ عرق يُبدي استجابات مانا فريدة وأنماط دوائر مميّزة في عملية استقبال المانا وتدويرها خلال الجسم.
كان هذا في ما مضى أكبر دليل على أنّ البشر ينقسمون إلى أقسام كالجنّيّين والأقزام وذوي الطباع البهيمية وأمثالهم، وهو المنطق الذي اعتمدته الإمبراطورية في اعتبارهم أعراقًا دنيا.
«لو كنتَ إمبراطوريًّا حقًّا، لما أقدمتَ على تداول شيفرات كهذه.»
تكمن المشكلة في هذه الشيفرات الآثمة. إنّه عالم يُعرِّضك فيه مجرّد امتلاك كتاب مثير للفتنة كهذا للتعذيب سنين طويلة.
ولو نُبش في ماضي جاكوب، فسيتكشّف قريبًا أنّه ليس إمبراطوريًّا نقيّ الدم.
«مكتب الاستخبارات سيحقّق على الأرجح في ماضيك كلّه.»
حاول إخفاء مشاعره، لكنّ وجهه كان قد اصفرّ شحوبًا.
سألتُه:
«في أيّ جانب أنت؟ هل أنت من الإيزنهايم؟»
لم يجبْ. غير أنّ الشظيّة السوداء في جسدي أثبتت هويّته.
إنّها تتفاعل مع «أقارب الإيزنهايم».
«تكلّم. وإلّا ستُعتقل وتُعدم.»
«…….»
ظلّت شفتا جاكوب منطبقتين بإحكام.
فجأةً، تسلّل إلى ذهني شكٌّ مقلق.
هل هذا الموقف حقيقي فعلًا؟
أيمكن أن تكون الشظيّة السوداء في داخلي، ولغة الإيزنهايم الغريبة التي سمعتُها للتوّ، وحتّى الارتداد الزمني الذي عشتُه، أيمكن أن يكون كلّ ذلك مجرّد وهم؟ ضربًا من الوهم الذهاني؟
كان يجب أن أعرف.
هل هذا الشخص حقًّا من «أولئك»، أم مجرّد نتاج خيالي.
«هل يمتلك الإيزنهايم هواية أكل قلوب الأطفال؟»
──تبدّل الهواء في الحال.
ارتجفت كتفا جاكوب. لاحظتُ التغيّر، لكنّه لا يزال يقع ضمن ردود الأفعال الاعتيادية.
«من هي “ليكسي” هذه التي يُقال إنّها ستأتيك بالقلب؟»
في طرفة عين، رفع جاكوب رأسه بسرعة. وفي تلك اللحظة أيقنتُ.
هذا واقع.
قفز جاكوب خطوةً واحدة وقبض على لياقتي . تفتّحت حدقتاه بشكل مشوَّه مقيت. وتدفّق منهما موجٌ يشبه الدموع الدامية.
[كيف تجرؤ على سرقة لغتنا؟ سأمزّق قلبك إربًا وألتهمه.]
كان في تلك الصرخة كلامٌ له معنى، وقد فسّرتُه بوضوح تام.
طقطق.
انفتح فم جاكوب انفتاحًا واسعًا. وهو لا يزال في هيئته البشرية، لكن زوايا فمه تشقّقت نحو أذنيه.
تق… تق.
دقّات صدى، تتردّد من أعماق قلبي.
تباطأ الزمن. حركة الكائن وهو يندفع نحوي بأنيابه باتت بطيئةً لا نهاية لها.
لا أعرف السبب. هذا ما حدث فحسب.
لم يكن ثمّة وقت للتفكير. ركّزتُ وعيي. وببطء، حرّكتُ جسدي.
كان الأمر خرقًا كأنّني أتحرّك تحت الماء، لكنّني ركلتُه بقوة في بطنه . ومن خلال ردّ الفعل، أدرتُ جسدي واخترتُ السيف الموضوع على المكتب.
أطلقتُ السيف في حركة صاعدة نحو عنق الكائن المتراجع.
تق… تق.
الدقّة الثانية.
عاد العالم المتباطئ إلى طبيعته.
شاق!
شقّت النصل عنقه. طارت رأسه نحو السقف. تدفّق الدم من الجذع المقطوع، مغمورًا جسدي.
سقط ما كان جاكوب بلا حول.
مات الإيزنهايم كما يموت سواه.
«هاه… هاه…….»
دوران… دوران.
ثمّ، شيء يتلوّى قرب ترقوتي. كانت تلك الشظيّة السوداء ذاتها.
دوران… دوران.
زحفت على أوردة ذراعي حتّى بلغت راحتي.
«!»
اندفعت بي بعنف نحو جثّة جاكوب.
غرق… غرق… غرق! كانت راحتي تمتصّ بشراهة الدمَ النازف من جاكوب.
«ما… ما هذا الشيء المقيت.»
دُمدُم.
في هذه الأثناء، تدحرجت رأس جاكوب عبر الأرضية. حدّقتُ في عينيه.
وقفتُ فوق الدم المنتشر على الأرض، وفكّرت.
دوران… دوران.
هذا الفيروس الأسود الحيّ المتحرّك داخل جسدي. رغم أنّه لا يفعل شيئًا سوى الالتهام، فإنّ هذا الشيء كان دليلًا.
دليلًا على أنّ ما فعلتُه للتوّ كان «صوابًا».
دوووم!
في تلك اللحظة، انفتح باب القاعة بعنف.
«وواااه!»
صرخة اخترقت الهواء. كان رفاق جاكوب. ودوّى صوت خطوات الحرّاس مندفعةً نحوي.
«هاه…….»
أخذتُ نفسًا عميقًا.
لقد قتلتُ إيزنهايميًّا في الخامسة عشرة من عمره.
الجريمة جرّاء ذلك──الحقيقة أنّها لن تعنيني في شيء.
فأنا الوريث الشرعي الوحيد لعائلة إيبنهولتز، وابن القائد الأعلى للإمبراطورية ماكسيميليان فون إيبنهولتز.
أحد أرفع نبلاء الإمبراطورية مرتبةً، ودمٌ نقي من سلالة امتدّت نصف ألفية.
مما يعني أنّ قتل فردٍ من أقلّية كهذه لن يُشكّل مشكلةً بأيّ حال لشخص في مقامي.
إشترك في عضوية VIP - بدون إعلانات
إشتراكك و دعمك للموقع يساعدنا في إستمرار و بناء تطبيق للهاتف
تخلص من الإعلانات المزعجة واحصل على وصول أسرع للفصول وميزات VIP للتعليقات ووضع التركيز والكثير من المزايا.
إشترك في VIP - بدون إعلانات -ندعم بيبال عملات رقمية و فيزا وكل الوسائل
اشتراك في العضوية VIP في Patreonبالفيزا أو الماستر كارت
اشترك في العضوية و إدعمنا VIP عبر Ko-fiعند اشتراكك أو دعمك للموقع لا تنس أن ترسل لنا اسم حسابك لتفعيل VIP.
التعليقات
Comments for chapter "الفصل 03"
MANGA DISCUSSION