الفصل 4 - الملك إيسكا بعد ليل طويل. وطاهر في مسجد النور.
أيها القمر…
انظر إلى البنتلي كيف تنجلي من قلب سحابة الظلام، تنفذ من بين السحب الرقيقة وكأنها مركبة لطالما قُدِّست على مر العصور.
مركبة لمخلوق واحدٍ فقط، ولا تتسع لاثنين في زمن واحد.
إنها مقدرة لذلك الشاب، ذلك الذي يقف ثابتاً في مسرح الكون، رافعاً رأسه، شامخاً، يستمع إلى عزف الرياح ويتراقص معطفه الفروي على إيقاعها.
كان يحرك يديه بالتحام هادئ كأعظم مايسترو في هذا العالم، تنساب من بين أصابعه خيوط الشمس الزاهية، لتُشرق قدسيته الظاهرة -كالعادة- في كل يوم…
نظر إلى الأشعة وهي تتلألأ على البنتلي، وتنساب في جوف مكعباتها الألماسية الناعمة في بروزها… أنزل رأسه حتى طرقت ذقنه ما بين ترقوتيه.
تنفس بارتياح.
تبتعد يداه نحو الأفقين ليصرح بصوته العميق والمثير:
“لقد كان عزفكم مثيراً هذه المرة أيضاً… ولكن من التي لم تطع الأوامر؟!”
رفعت رأسي بصرامة حادة كحد السيف.
صمتت جميع الرياح وأخذت ترتعش فرائسها أمامي بينما أقول داخلي: سأكتشف ذلك بنفسي!
طرقت نظارتي بالوسطى، ونقرت على طرفها الأيمن بالسبابة؛ فظهرت خمسة خطوط أفقية في الهواء، وراحت الأرقام والأحرف تلتف في داخلها… تدور… اختفت، ثم تباينت كأرواح صلبة زرقاء تتدخن أطرافها:
—–
[1423ه]
—–
كورت قبضتي تحت ذقني وثبت سبابتي أسفل أنفي. لقد كنت أشعر بالضيق يخنقني من عنقي منذ قدومي إلى هذا المكان.
الأمر لا يتعلق بهذه الرياح فقط، بل كانت هنالك الكثير من المتغيرات التي لم تحدث في المرة السابقة…
تفحصت ودققت النظر في التاريخ الذي أمامي، حركت سبابتي ولمست الأرقام الباردة كالثلج، ثم أعدت ترتيبه بنقرات سريعة:
—–
[1234ه]
—–
أبعدت يدي قليلاً وأخذت أفكر: ماذا عن رحلة الخلود التي كان رقمها التاريخي (132ه)؟
إن أعدنا الترتيب أيضاً، فستكون أرقامها التاريخية بنفس التنظيم السابق… هذا يعني أن البوابة الهجرية لم تختر الهجرة عبثاً، بل هي تعتمد على نظام محدد يتسق بالأعداد التي تتواجد في داخل القصر… وضعت سبابتي بين شفتيَّ. يدي تهتز دون سبب كما ترى أيها القمر.
ولكن ماذا عن ابنتي هاجر؟
إن كان الأمر كذلك، فيجب أن تصبح الخطوط الرقمية 5 خطوط إضافةً إلى خط الحروف…
وبعد تفكير لحظي، حركت يدي وحاولت إضافة خط آخر للأرقام التي تتَمَوَّج وتتوهج بهدوء. فجأةً، ظهر إشعار أحمر في الأسفل يتبخر ويغلي، يفيد:
—–
إن كان الأمر كذلك، فيجب أن تصبح الخطوط الرقمية 5 خطوط إضافةً إلى خط الحروف…
[خطأ]
—–
فحاولت حذف جميع الخطوط بنقرة ثقيلة متسرعة:
—–
[خطأ]
—–
يا إلهي، أهنالك من يحاول العبث بهذا النظام القديم،
أم أنا الذي يعبث بالقواعد؟!
لا، لا يمكن أن يكون هذا خطئي. ولكن يجب أن أكتشف ذلك قبل فوات الأوان… وبعد تلك الثانية الطويلة من التفكير، حركت قدمي في خطوة ثقيلة للأمام، وأخذت أسير نحو مركبتي. نظرت إلى الطرف الآخر من
البنت-لي.
كانت القارئة والقارئ يقفان بجانبها، ينظران إلى كل خطوة أخطوها، ينظران إلى الملك العظيم اسكوكي!
مهلاً، ألم تلاحظ أيها القمر بأن القارئة تقف بعيداً عن القارئ، وتشد يديها حول عباءتها كأنما تخشاه… ألا تخجل من نفسك أيها القارئ؟!
قلت ذلك في جوفي بينما أعتصر أصابعي في قبضة حتى شعرت ببعض السخونة، ثم رفعتها وصفقت بطرف إصبعيَّ السبابة والإبهام. اختفت الأرقام. حركت يدي ورسمت بالوسطى حلقة زرقاء متوهجة في الهواء، فانبثق من داخلها قفل رمادي يتبخر، مزخرف بالورود.
توقفت خطوة واحدة من البنتلي، ونقرت عليه لينفتح ويتغير لونه للأزرق. دفعته بلطف براحة يدي نحو باب السائق. اصطدم برقة على جسدها… ومض شريط ذهبي في وسطها وكأنه يمتص الأضواء من حوله،
ثم انفتح الباب بصوت يشبه رياحاً هادئة تعبر وادياً سحيقاً.
استرحت على المقعد الناعم، وطرقت على طرف النظارة الأيسر، فانبثقت في الهواء أربعة مثلثات رمادية رأسها نحو الأمام قبالة كل باب.
حركت إصبعي نحو اثنين وأدرتهما، انفتح الباب الخلفي، وانغلق الذي بجانبي.
—– 5
أشرت إلى القارئة بيدي حتى تحتمي في الداخل من هذا المتحرش، لكنها كانت تقف بهدوء وتنظر بعيداً عنه.
لم أعد أعلم ما الذي يجعلني أقف مكتوف الأيدي حتى الآن، لكنني سأحاول التغاضي عن هذا حتى تدخل إلى هنا!
وفور أن فكرت في ذلك، طرق القارئ النافذة الفضية الشفافة التي يعبر من خلالها ضوء أزرق خافت.
استمع إلي في الداخل أيها القمر:
يبدو أنني سأعمل بنصيحتك هذه المرة! اعتدلت قليلاً، وأدخلت يدي في جيبي، تبحث، تمسك، ثم أخرجت لا شيء لأقول له:
“ليست هنالك نقود.”
انحنى قليلاً وحرك شفتيه.
—– 5
لا أعلم ما الذي أراد قوله، لكنني وجهت بصري إلى القارئة دون أن أكترث وقلت لها:
“ألا زلتِ منزعجة؟”
أمالت رأسها ونظرت بعيداً وكأنها لم تعد تثق في هذا العالم… ثم قالت بصوتٍ كالهمس:
“أريد العودة إلى منزلي.”
“تريدين العودة إلى المنزل…” همست وأنا أطلق زفيراً هادئاً وأداعب رأس المكبح الذهبي الثخين المتعرج، وأفكر:
نعم، حتى أنا أريد ذلك أيضاً، ولكن لنختر منزلاً أفضل…
أومأت لها برأسي وابتسمت بشكل طفيف، قائلاً:
“حسناً، كما تشائين!”
أدارت وجهها نحو القارئ الذي كان يحرك يديه ويتحدث معها بصوتٍ كالهمس، لكنها صدت عنه لتستريح في مركبتنا، أنا وهي فقط.
أمسك يدها وأشار نحوي، وقبل أن يقول حرفاً واحداً، دفعت يده بعيداً، صارخةً بصوتها كأنما اختنقت منه:
“لا تلمسني!”
التفت نحوي بصرخة تحاول كبحها:
“هل يمكنه أن يأتي أيضاً؟!”
كانت نبرتها مرتجفة بعض الشيء، وهذا ما جعلني أشعر بالحرارة في عروقي.
حركت يدي الساخنة وضغطت المثلث الذي انقلب وأصبح أزرق اللون؛ فانفتح الباب. ركب القارئ بينما أنظر نحوه في الأسفل، وركبت القارئة قبل أن تقفل الباب.
نظرت إلى الجهة الأخرى بعين تشتعل حقداً، لم أشعر في يوم بهذه الكراهية تجاه بشريٍ مثل هذا القارئ. لقد كان هذا الوغد يحاول منعها من المجيء معي!
كان يحاول تدمير حلمي، إنه يريد… أغغغ! أرأيت ذلك أيها القمر؟! أما لو دفعت يده فقط، ثم دلفت وأقفلت الباب وراءها، لاندفعت لأدهسه بينما هو يهرب. يطلق النار، فيرتطم على الزجاج المضاد للرصاص.
لا يستطيع اصابتي بينما يصيبه الخوف. وبعد تلك الصرخة تحت عجلات المركبة، أدهس المكابح بهدوء،
ثم أنظر إلى الأسفل بخجلٍ لأطلب رقم والدها… تباً!
اعتدلت بعدما أطفأت نار عيني وأدرت المفتاح. انسحب الغطاء الذهبي ببطء من الجزء العلوي، وانبعثت من بين فتحاته الصغيرة رائحة المشمش والورد نحو الرف العلوي، ذلك المصنوع من الألماس الأسود مثل المركبة من ظاهرها.
نظرت من طرف عيني نحو هذا القناص الذي يجلس بجانبي، يتفحص كل شيء بعين تكاد أن تسقط. هذا الأمر ليس مضحكاً أيها القمر.
إنه أمر شديد الخطورة إن أصابها في مقتل!
حركت يدي نحوه وصفقت بسبابتي والوسطى. ارتجف ونظر إلى أصابعي بينما يرتد الباب بهدوء.أمسكت مقود السيارة الأسود اللامع، ثم اتكأت على وسادة حريرية ارتفعت من جانب المقعد، بعد طرقة في الهواء.
راقب يديه جيداً أيها القمر، فأنا لا أستطيع الوثوق بأمثاله. لا تندهش، لأن هذا أمر طبيعي بالنسبة لهم.
—– 5
أولئك الفقراء والمساكين وغيرهم من المتسولين، إنهم يحبون السرقة مثلما يتظاهرون بالتضرع جوعاً. في جميع الأحوال، لا أريد الخوض في أمر هذه التفاهة.
كل ما يزعجني الآن مثل الحذاء الفئري الذي يرتديه… ألا يشعر البعض بالعار عندما يرتدون مثل هذه المخلوقات القذرة؟!
أتعلم ماذا؟ يجب أن يهتم البعض بفراسة الحمير، بعيداً عن هذه البنت.. لي! اهتز صدري بضحكة أحاول قمعها فيما أنظر إلى الأفق، ودهست الوقود براحة نحو رأس الجبل.
في هذه الأثناء، أدرك القارئ أنها المرة الثانية التي يخطئ فيها بالركوب معي.
نظر إلي وكأني قد أندفع نحو الهاوية في أية لحظة…
فقط لو لم تكن القارئة ستتعرض لخطر قاتل، لجعلته يصرخ كالرضع عند الضربة الأولى! أملت رأسي نحوه بابتسامة عريضة وجسدي يهتز… رأيته، كان يحاول تحريك يده المرتعشة نحو بيت حزامه. لذلك، اعتدلت ونظرت إلى الأعلى حيث تقبع شاشة زرقاء كالسماء الصافية، وتتزخرف من حولها حراشف ألماسية تنساب فيها المياه المضيئة في أشكال مختلفة:
ورود ونجوم، أو مظاهر كونية نادرة الوجود.
نظفت حلقي ثم أمرتها بصوت عميق مُتَرَف:
“نجمة المعرفة…”
انبثق على الشاشة شعار رمادي يشبه نجمة كروية. أخذت تلتف فيما تسقط في الهواء أمامي قائلة:
—————–
|أهلاً بسيدي إيسكا!|
—————–
أشرت لها بسبابتي ودهست المكابح بهدوء.
وضع القارئ يده على الرف، والأخرى بجانب حزامه. ينظر إلي بينما أصدر أمري الملكي:
“أظهري مسجد النور على الشاشة، وكبّري الصورة على وجه ذلك الكاذب”.
نبضت النجمة بالضوء الأزرق المتبخر في الهواء، ثم عادت بنبضة أخرى في داخل الشاشة. انبثقت صورة المسجد القابع وسط المنازل.
مسحت بسبابتي على شاشة سوداء ناعمة خلف المكبح؛ فانخفضت المقاعد بهدوء… أصبحنا ننظر إليها كمن يستلقي على أرضٍ حريرية ويتأمل السماء. حركت يدي اليمنى وأشرت إلى الأعلى قائلاً:
“ارفعي الصوت ليستمعا إليه جيداً…”
—–
5
6
7
8
9
—–
تحت سقف السماء وبين جدران المسجد الرمادية أو البيضاء منها، انتهيت من التشهد الثاني، والتفت للتسليمتين:
“السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله.”
وبعدما أديت فرضي كعامة أهل البلدة، أسندت كفي إلى المفرشة الخضراء الداكنة، المتيبسة كالحصير، وتربعت مغمضاً عينيَّ، أذكر الله مثل كل فجر:
“أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله. اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت…”
كان صوتي يندمج مع أصوات الذاكرين التي ترتفع وتنخفض ملتفة من حولي كأمواج هادئة.
وبعدما انتهيت من ذكر الله، فتحت عينيَّ ورفعت رأسي فيما ينهض البعض لأداء النافلة أو لأخذ المصحف من فوق طاولة خشبية ملساء تقبع بجانب الإمام، وقد يخوض البعض في أذكار الصباح مبكراً تماماً مثل ما يفعل الشيخ “شعيب” الذي أمَّنا لصلاة الفجر.
كانت عينيه الحانقتين تحدق إلي دون توقف، حتى عندما يحاول أحد المصلين مصافحته، لا تكاد بؤبؤاه تنصرف عني.
نهضت وضربت ضرباً خفيفاً على مقعدي حتى أنظفه من حبات الرمل، ثم ذهبت نحو المخرج حيث وضعت حذائي في حلقة مخصصة للأحذية.
لماذا ينظر إلي هكذا؟ ارتديته بينما أفكر، ثم نفضته قليلاً بقدمي حتى خلا من الرمل.رفعت رأسي وشرعت في الخروج. ولكن، أوقفتني نظرة لذلك الركن الخلفي للمسجد.
ضيقت عينيَّ تدقيقاً في رجلٍ فيه يجلس للتشهد. أهذا حيدر… ما الذي يفعله هنا؟! ثم تساءلت في نفسي مرة أخرى بينما يسلِّم التسليمة الأولى:
لماذا أتى إلى هذا المكان. لا سيما أن مسجد النور يبعد عن منزله قرابة الكيلومتر. الأهم من ذلك، لِمَ هو يصلي أساساً؟!
لم أكن معترضاً على عبادته… ولكن كما تقول الشائعات في الآونة الأخيرة: إنه لا يقرب بيوت الله لأنه، وكما يتلو عليه البعض دائماً:
“لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى… أيها الفاسق!”
فقط لو كنت أعلم أنه سيتوب من أفعاله اليوم، لكنت ذهبت إلى المسجد الآخر في لحظتها… وبينما كنت أحاول المغادرة، تلاقت أعيننا في تسليمته الثانية ومحاولتي الالتفات.
أشحت بصري نحو المخرج وشددت قدمي في حذائي مغادراً البيت المكرم.
بعد مرور عشر دقائق…
إن كان الأمر كذلك، فيجب أن تصبح الخطوط الرقمية 5 خطوط إضافةً إلى خط الحروف…
كنت أسير على ضفاف شارع الشيخ منصور الرئيسي، أنظر وأستمع إلى أصوات المركبات وأضوائها الصفراء التي تمر من جانبي الأيمن بعد كل مئة خطوة تقريباً… وها قد مرت واحدة خضراء شاحبة، تثير الغبار بشكل طفيف فيما أنظر إلى جبل المزرعة الذي أمامي.
جبلٌ كسورٍ ضخم، أطرافه مترامية حتى أطراف البلدة، وتلامس قمته السحاب بكل بساطة.
ابتسمت بينما تعبر من جانبي حافلةُ طلابِ المرحلةِ الإعدادية، لونها أسود تلمع ببريق خافت، وينظر إليّ الطلاب من خلال زجاجها المترقرق بأعينٍ حيوية أو منطفئة، هذا إن لم تكن حادة أو تركد عليها دموع الشجون.
تساءلت في نفسي بعدما رددت التحية على أحدهم:
ترى، أكانت القصص الشعبية القديمة حول هذا الجبل حقيقية، أو حتى تلك الأساطير التي كانت تخيفني قبل النوم؟
رفعت رأسي حيث ينير القمر قمة الجبل قبل أن يغرب، وأخذت أفكر:
هل يمكن أن تكون أم العباءة تقبع فوق ذلك الجبل حقاً…
مسحت على شعر رأسي وابتسمت بضحكة طفيفة، أتذكر تلك الرجفة كلما قطعت هذه المسافة بقدمي الصغيرتين، قبل أن أركض وأنا أتلفت برأسي حتى لا تسرقني هذه الظلال. همست:
“كم كانت أياماً مخيفة…”
وبينما كنت أسير مبتسماً، ضيقت عينيّ وأملت رأسي قليلاً لأتفحص ذلك الشيء على قمة الجبل. أهو ضوء القمر حقاً؟ يبدو وكأنه ذهبي كأشعة الشمس بهذه الدرجة الفاقعة.
فكرت للحظة، ثم ابتسمت وهززت رأسي قليلاً فيما أقول:
“هل سأحتاج اليوم إلى نظارتين…”
أكملت السير وأنا أتأمل الجبل لكي لا أشعر بالملل، وأخذت أخطو في هذا الهدوء الذي تهمس فيه صراصير الليل، والعصافير الصفراء، حتى بدأت أسير من بين ظلال الجموع من العمال.
كانوا يقفون في مجموعات خلف الخط الأصفر للصعود إلى الحافلة.
البعض ممن يرتدون القميص الأخضر الفضفاض المُرَقَّع والبنطال المماثل، يبدو على وجهه الضجر، والبعض الآخر يحرك يديه داخل ثوبه الأبيض ويهز رأسه الملفوف بقماشٍ أصفر حتى خرج عن كتفيه النحيلين، ليسرد عليهم -من فوقهم- حكايةً شعبيةً لا يزال يكررها بحيوية منذ الطفولة.
أما البقية، الذين يرتدون الثياب البيضاء أو السوداء، فإما منشغلون بذكر الله والتمدد قليلاً، أو الدندنة والهز بهدوء على صوت التصفيقات الخفيفة.
سرت من بينهم حتى توقفت أمام موقف الحافلات تماماً، وعدت بخطواتٍ خلفية فوق الرصيف الرمادي الشاحب. أخذت أتلفت حولي، ثم نظرت إلى الساعة في يدي:
(6:30)
فتساءلت في نفسي: هذا غريب… أيمكن أنه قد ذهب مبكراً؟
في هذه اللحظة، كانت تقترب كاهلة عجوز، تستند على رأس عصا معطوف بحرفية، متين أخضر ومزخرفٍ بورود بيضاء، تطرق الأرض بحديدها الصلب بينما يسير خلفها التوأمان الصغيران مثل كل صباح.
واحد منهما يمسك صندوقاً رمادياً داكناً، والآخر يخرج منه نظارة صغيرة بلاستيكية، لينطلق بها للعمال المتلهفين. كنت أنظر إليهم، ثم أنظر إلى الجهة المقابلة أو من حيث جئت، ولكنه لم يأتِ حتى الآن.
“جدة مريضة… ادعوا لجدة!”
نظرت للأسفل، فإذا بالطفل ذي الشعر البني، يرفع واحدة معينة رمادية اللون وباهتة بين يديه.
ابتسمت ومسحت على رأسه، ثم أخذتها وقلت:
“بارك الله فيك يا بني، ليشفيها الله!”
اندفع الطفل إلى الصندوق وأخذ واحدة أخرى، بينما الجدة تهز رأسها من أمامي وتقول بصوتها المرتجف:
“بارك الله فيك يا بني”.
رفعت يدي اليمنى على صدري ورددت عليها:
“أنتِ أيضاً يا خالة!”
وجهت بصري إلى النظارة وابتسمت قائلاً في داخلي: ترى كيف ستكون ردة فعلها اليوم؟!
أكملت الجدة سيرها فيما الحافلة الزرقاء الشاحبة تقترب، تزميرها المزعج يختلط بصوت المحرك الصاخب.
انحشر العمال كالعادة أمام الباب بينما يقف السائق في المكان المخصص للحافلات. فتح بابها وأشار بيده للجميع قائلاً:
“هيا، أسرعوا.”
بدأوا يصعدون، البعض منحنٍ ظهره من التثاؤب، وآخر يتحدث رفقة صديقه بل ويقسم أنها هناك وقد رآها بأم عينه.
أما البقية فعلى سجيتهم المعتادة، إما يدندنون أو يمارسون الأذكار بصوتٍ صامت.
أطلقت بصري هنا وهناك بحثاً عن وسيم فيما ينظر إليَّ السائق إبراهيم بحدة… وفي آخر المطاف، تقدمت نحو الحافلة بعدما حاربني بيده وصرخاته:
“هيا!”
تحركت بخطواتٍ سريعة ووضعت قدمي على أول درجة قاصداً الصعود، فإذا بأحدهم ينادي من جانبي:
“طاهر…”
تنفست، ثم أملت رأسي لليمين بابتسامة ونظرة عتاب، وهممت أن أتلفظ بكلمةٍ مازحاً: “أنت…”
لكنني عدلت عن ذلك فجأةً، عندما وجدته يبتسم على غير عادته ويقول:
“هل كنت تبحث عني؟”
في هذه اللحظة، ارتفع ضوء الشمس من خلفه رويداً رويداً حتى تباينت ملامحه من تحت ستار الظلام.
ذلك الرجل الحنطي الداكن، الذي تبرز عظام وجنتيه وحنكه عندما يمضغ علكته القرمزية بهدوء… إنه حيدر!
يتبع…
إشترك في عضوية VIP - بدون إعلانات
إشتراكك و دعمك للموقع يساعدنا في إستمرار و بناء تطبيق للهاتف
تخلص من الإعلانات المزعجة واحصل على وصول أسرع للفصول وميزات VIP للتعليقات ووضع التركيز والكثير من المزايا.
إشترك في VIP - بدون إعلانات -ندعم بيبال عملات رقمية و فيزا وكل الوسائل
اشتراك في العضوية VIP في Patreonبالفيزا أو الماستر كارت
اشترك في العضوية و إدعمنا VIP عبر Ko-fiعند اشتراكك أو دعمك للموقع لا تنس أن ترسل لنا اسم حسابك لتفعيل VIP.
التعليقات
Comments for chapter "الفصل 4"
MANGA DISCUSSION