الفصل 5 - التوجه نحو سوق مكة رفقة حيدر وعصابته...
——————
|في الفصل السابق:|
——————
في هذه اللحظة، ارتفع ضوء الشمس من خلفه رويداً رويداً حتى تباينت ملامحه من تحت ستار الظلام.
ذلك الرجل الحنطي الداكن، الذي تبرز عظام وجنتيه وحنكه عندما يمضغ علكته القرمزية بهدوء… إنه حيدر!
البداية
لوح لي بيده وسط مجموعة مزارعين يرتدون قمصاناً خضراء مرقعة، إن نظرت إليهم لن تقول إنهم ذاهبون لقطف دوار الشمس، بل إنهم يخططون لجريمة ما.
أسرعت إلى داخل الحافلة بينما السائق يصرخ:
“أيهيأ لك أنك قد اشتريتني البارحة؟!”
أبعدت رأسي عنه قليلاً، وذهبت لأجلس على مقعدي فيما أصوات المدندنين ترتفع من الخلف
“يا حبايب، شرفتمونا…”
مع تصفيق متزامن. نظرت حولي وأنا أفكر: فقط لو كنت أستطيع الجلوس في مكان آخر!
كان العائق الوحيد هو هذا السائق إبراهيم. لن يؤجر لك سوى مقعد واحد لمدة شهر كامل، ولا يمكن تبديله حتى تنتهي مدة استئجاره من قبل نفس العميل، أو مبلغ أفضل.
تنفست بهدوء ونظرت للخارج من خلال الزُّجاج المتصدع… أنظر إلى قصر وسيم الأبيض، بينما يمر وقع أقدامهم بهدوء ثقيل من جانبي.
إنهم يتعمدون دائماً السير كعصابة تعلن سيطرتها على هذه الناقلة، والمنطقة، والبشر.
ولكنهم حتى الآن لم يشيروا إلى أحدنا بمعادنهم الثقيلة تلك ليقوم بمسؤولياتهم الشاقة، وهذا هو الأمر الوحيد الذي عجزت عن فهمه. فجأةً، شعرت بجسد يهبط على المقعد القابع خلفي.
لذلك أخذت أدقق في أشجار النخيل، الرمل المتطاير، وكذلك التمر المتساقط داخل القصر، عسى أن ينشغل عني بنفسه، ولكن هذا كان أمراً محتماً.
قطع صوت من ورائي خيوط أفكاري التي تعبت في نسجها وراح يقول:
“أيها الخياط، ما الذي يشغل بالك اليوم… أيمكنني المساعدة؟”
أسند منجله خلفي بعدما تجاهلته، وأخذ يهمهم فيما يجذب حقيبته الخلفية بين ساقيه يبحث في داخلها.
وبعد لحظات من صوت خشخشة الأقمشة، توقفت يداه لينبثق صوته من بين الزجاج والمقعد:
“يالّيل… هل أنت بخير؟”
أملت رأسي نحوه وأومأت بينما هو يغلق الحقيبة، ويرتدي قفازيه الرماديين من بعد بياض، مردفاً:
“تبدو لي غير ذلك…”
احتضن المقعد المجاور لي وثبت حنكه عليه، ثم رفع يده ليفرك شاربه بأطراف أصابعه، وأضاف:
“كيف كانت إجازتك… أكانت كما تمنيت أم أنها لم تناسب ذوقك؟”
رفعت حاجبي قليلاً وتساءلت في داخلي: ما الذي يهذي به هذا؟
تحرك بؤبؤاي على وجهه المنعكس في زجاج الحافلة، وشيء حارق يتصاعد داخلي.
“من فض…”
قاطعني وهو ينظر إلى شعرة في يده:
“إنها مليئة بالتعاسة، وقد تكون غير عاقلة في بعض الأوقات!”
حركت جسدي نحوه قليلاً فيما يعبث بملامح وجهه وكأنه حزين، وقلت:
“ما الذي تعنيه؟”
ضغط عينيه وابتسم من جهة واحدة، ثم قرب وجهه من وجهي بحيث لا يمكن لأحد غيري أن يسمعه، وقال:
“يبدو أن عسل الشهر كان مراً، وتزداد مرارته بعد كل لعقة… أليس هذا مقلقاً بعض الشيء؟”.
انضغط فكاي حتى ارتعشت مؤخرة رأسي وأخذت تلك العصارة تموج في داخلي من الغضب. كان قلبي يغلي للحظة، بينما صوت أميرة يتردد في رأسي: حيدر حيدر…
كورت قبضتي وكدت أن أخترق وجهه بها، لكنني توقفت فور أن اختلط صوتها بشهيق أمي. نظرت نحو الخارج وحررت قبضتي، ثم قلت بينما أشعر وكأني أختنق:
“لا تتجاوز حدودك!”
في هذه الأثناء، كانت الأصوات داخل الحافلة قد هدأت من أصوات الدندنة والتصفيق، إلا أصوات الذكر
“أستغفر الله…”
بدأت تنخفض بسبب أعين العصابة الثاقبة.
ثم فجأةً، انطلقت الهمسات تتنقل من حولنا فيما صمت حيدر للحظات يفرك تلك الشعرة، ثم نظر إلي وهو يقول:
“دع عنك هذا…”
رمى الشعرة الرمادية من يده وأكمل:
“أتعلم أن صديق العمر كله- قد وقع في شباك فتاة صغيرة؟!”
هززت رأسي “هذا شأنه”.
تضخمت نبرة صوتي دون أن أشعر، مما زاد من تنقل الهمسات كالذباب، وانعكس بغتةً ضوء خافت من مرآة السائق.
“شش…”
رفع حيدر سبابته عند شفتيه، وأدار بصره بعينيه الضيقتين اللتين احتدتا. طار الضوء، وهربت بعض الأعين نحو الزجاج الآخر تدندن بهدوء.
أعاد نظره إلي وهو يقول:
” ياليل… أنت ساذج للغاية” لوح بيده نحوي وأكمل:
“أظننت أن تلك العطلة كانت من أجلك؟!”
أرجع يده اليسرى وأمسك المنجل بينما ينجذب جسدي للأمام، ثم أردف:
“ستذهب إلى قصره اليوم… أليس كذلك؟!” وبينما كان يبتسم بحاجب مرتفع، توقفت الحافلة، ثم انبثق صوت السائق عبر المكبر الصدئ:
“وسيم، طاهر، هيا، لقد وصلنا إلى السوق!”
نهضتُ بينما هو يطرق الأرض بمنجله، والسائق يتلفت للخلف بحثاً عن وسيم بين المقاعد. سرتُ عبر الممر وأملتُ جسدي قليلاً.
كان أعضاء العصابة ينظرون إليَّ مبتسمين وأعينهم تضيق وكأنها ستنطبق على نوايا مدسوسة، لم يجرؤ أحد منهم على التلفظ بها في وجوده.
وقبل أن أغادر، سألني السائق إبراهيم:
“أين صديقك؟!”
“لا أعلم.” ثم استدرتُ وغادرتُ الحافلة بينما هو يغمز ويلف أصابعه إليَّ… خطوتُ بضع خطوات على الرصيف حتى توقفت عند بوابة السوق.
بوابة من حديد رقيق يطليه اللون الأصفر الشاحب من الصدأ، وقد تخترقها لكمة قوية.
تنفستُ عميقاً وأغمضتُ عينيَّ بينما أحاول قدر الإمكان تبريد الحرارة التي بداخلي…
أخذتُ أنصتُ إلى صرير الأبواب الثقيلة الصادر من أحضان الحجارة المتصدعة الرمادية، وأصوات الباعة المفعمين بالحيوية.
ثم رفعتُ رأسي لأستنشق رائحة البهارات والبطيخ تغمر المكان بينما أفكر: لقد مرت مدة طويلة… فتحتُ عينيَّ لأنظر إلى تلك اللوحة في الأعلى وأطلتُ النظر:
(سوق مكة)
كنتُ أشعر وأنا أراها وكأني عدتُ إلى حضن أرضٍ كانت أمي التي لم تلدني. عندما أُطرد من بيت والدي، وتطردني أمي التي أرضعتني، كان هذا المكان هو الملجأ الوحيد لنا.
عدلتُ رأسي وبدأتُ أسير حتى توقفت أمام البوابة.
سحبتها للخارج فانقلبت كغلاف كتاب قديم كشف عن ذلك السوق الشعبي الشاسع…
عربة خشبية ممتلئة بالبطيخ تزحف أمامي.. كان صوت صريرها ينم عن صمود طويل فيما ترتجف عجلاتها الخشبية الأربع على الرمال الصفراء. وجهتُ بصري نحو الحمار البني الذي يجر جميع هذه المسؤولية خلفه، بل وفوقه أيضاً.
————————————————-|كل هذه الحمولة له وحده؟! كيف ستتوقع منه أن يكون غير حمار. لقد ورث ذلك عن جده الحمار أيضاً، ومن قبله لا يمكنك أن تتصور حتى ما كانوا عليه من حَميَرَة، أليس كذلك؟!|
———————————————–
كان يمتطيه رجلٌ منتفخٌ مسمرٌّ من أشعة الشمس، يرتدي جلباباً واسعاً، عنقه مبتلٌّ بعصارة حمراء، ويده المتكئة على طرف العربة تشد اللجام بلا مبالاة بينما الحمار يندفع بخطوات مرتجفة ونهيق مسموع.
“هيا أيها الحمار… أسرع وإلا جلدتك جلداً مبرحاً!”
دخلتُ إلى الداخل بينما يصرخ صاحب العربة ويجلد الهواء بالسوط في اليد الأخرى عند أذن الحمار، وأخذتُ أسير بهدوء وأنا أتفحص الحُجَر المكعبة والمصطفة على جانبي الطريق.
كانت أبوابها الخشبية أو الصلبة تطل على نفس الشارع، إلا باباً واحداً خشبياً أخضر على جانب زقاق ضيق.
التفتُّ نحوه، فإذا بالعم حمزة اليماني يرش الخضار بماء سطله المصنوع من طلاء شجرة.
“السلام عليكم أيها العم حمزة!”
ألقيتُ عليه التحية، فوضع السطل فوق الطاولة التي في الركن المظلم ثم استدار ولوح لي بيده بينما ينظم ثوبه الأبيض وعمامته الصفراء، وذلك الحزام الجلدي الأسود الذي يحمل الخنجر قبل أن يقول:
“وعليكم السلام…”
كان المحل ممتلئاً بالفواكه والخضار، وبضعة قوارير صغيرة من لبن الماعز.
غمز لي بصوت قطة، ثم قال:
“أتخاف أيها الولد؟!”
ابتسمتُ وأدرتُ رأسي مشيراً له بسبابتي للخلف، قائلاً:
“عندما كنت صغيراً!”
رمى ذراعه وراء قفاه وكأنه لا يصدق، ثم راح ليأخذ سطل الماء من خلفه ويتعمق داخل المحل.
أكملتُ السير وأنا أنظر إلى العربات المتعاكسة في سيرها، أو العمال الذين يتجمعون لتحميل البضائع بمبلغ زهيد، وحتى الآخرين الذين يجتهدون في تفريغ العربات قبل قدوم الزبائن…
التفتُّ للجهة الأخرى، فإذا بالجد علي الهوساوي يتحرك بروح الشباب كالعادة في داخل محله
-الذي كان مجلساً لشباب الحارة وقد يكون مأوى-
كان يحضر مجلسه بالأرائك الحمراء التي أصبح لونها كالبن، ويحمل براد الشاي الفضي أو الأسود من الكرم الذي أفضاه…
وبينما كان يحاول إشعال النار بالخشب والقوس، رفع رأسه صوبي، ارتفعت ابتسامة بوجنتيه السوداوين.
نهض وعلق يده اليسرى أعلى الباب الأزرق الشاحب، يلوح لي بيده الأخرى فيما يقول بصوت مرتفع غير صاخب:
“أنرت السوق يا طاهر!”
رفعتُ له يدي أيضاً، وقلتُ له:
“هذا نوركم أيها الجد علي”.
ربتَ على صدره متكلماً:
“فلتعد لزيارتنا عندما تسنح لك الفرصة، لدينا الكثير لنتناوله ولا سيما شاي الجد علي…”
هززتُ رأسي بابتسامة: “إن شاء الله أيها الجد…”
قلتُ ذلك ثم لوحتُ له بيدي مغادراً… استمررتُ بالتسليم بابتسامة أو ضحكة طفيفة كلما مررتُ على بسطة أو محل، بينما يرد الجميع بترحاب وابتسامة أعرض.
وبعد خطوات بسيطة، تباطأت قدماي أمام محل على الجهة اليسرى. كان يبدو كمكعب من حجارة رمادية أيضاً، يحتضن باباً من حديد خام.
اقتربتُ منه هامساً: “لقد افتقدتك!” وأدخلتُ أصابع يدي بين الإطار المعدني في شق اللبنة الخرسانية الضيقة، وسحبتُ المفتاح بطرف أنمليَّ بعد عدة محاولات.
نظرتُ إليه للحظات وقد تغير لونه الرصاصي إلى الفضي الداكن… فتحتُ الباب… سحبتُه حتى تطابق بجانب الجدار، واعتدلتُ فيما تنبعث رائحة الأقمشة الممزقة والزيت القديم.
تنفستُها بهدوء حتى شعرتُ وكأن جوفي يصبح فارغاً من الدفء، وتغمره برودة لطيفة فيما أفكر:
كم كنت أهوى حب هذه الرائحة الجميلة! خطوتُ إلى الداخل بهدوء، كانت الأرضية الرمادية تزحف عليها الخيوط ببطء، وتنتصب في ركنها الأيمن طاولتي البنية المتصدعة.
تلك الطاولة الثابتة بعزيمة وإصرار رغم خدوش الزمن التي جرحت قواعدها المكعبة، ما زالت حتى هذه اللحظة تتحمل مسؤولياتها دون كلل أو ملل.
ماكينة الخياطة الفضية الشاحبة تقبع في منتصفها، وبجانبها الأيسر صندوق الأدوات الباهت من بعد بياض.
مسحتُ على ظهر ماكينة الخياطة الخشن بابتسامة طفيفة لثوانٍ، ثم نظرتُ إلى طاولة وسيم التي تقبع في أحد الركنين القريبين من الباب، مكسوةً بلون أخضر زيتي. تُرى أين ذهب؟
فكرتُ في ذلك قبل أن أخطو نحو المقعد المختبئ تحت ظل الطاولة. سحبتُه واسترحتُ عليه، ثم وضعتُ يدي فوق الخشب الصلب أمامي وأكملتُ التفكير:
من هي تلك الفتاة التي تحدث عنها حيدر… وما علاقتها بوسيم؟! عقدتُ أصابعي خلف رأسي وجذبتُ ساقيَّ بجانب بعضهما، أنظر إلى السقف الذي غزته خيوط العناكب المتقطعة بينما تترابط خيوط قديمة في رأسي.
أكانت العطلة مجرد عذر ليتمكن من ملاقاتها؟
ولكن لماذا قد يفعل ذلك؟! على الرغم من أن أحاديثه لا تخلو من النساء، إلا أن ذلك لن يجعله يتسكع مع فتاة صغيرة في السن، وحتى لو كانت ناضجة!
هززت رأسي وأكملت في داخلي: لا لا، لا يمكن أن يفعل شيئاً مثل هذا، فأنا أعرفه جيداً…
نظرت إلى الجدول المعلق خلفي ثم انسحبت قليلاً على الكرسي وأغمضت عينيَّ. يبدو أن حيدراً لم يكن على علاقة جيدة معه في الآونة الأخيرة، وهذا ما جعله يحاول الافتراء عليه وإفساد علاقتي به… ولكن، أين سيذهب في يوم كهذا؟!
فجأةً، قطع خيوط أفكاري صوت إحدى الزبائن:
“سلام عليكم…”
كانت تقف على نحو متر من الطاولة، ترتدي عباءة سوداء وخماراً أبيض.
نهضت من مكاني قائلاً:
“وعليكم السلام، كيف يمكنني خدمتك؟”
فالتفتت نحو الطاولة الأخرى بعدما كانت تنظر إلى يديها المتداعبتين في الأسفل، تحت فستان أزرق، ثم أدارت رأسها وقالت بصوتٍ منخفض:
“لدي قماش.. أريدك أن تقوم بهذا…”
رفعت الفستان الأزرق بينما تدخل امرأة أخرى، وهذه تشير إلى تمزق في جيب الفستان المختبئ في طياته المنتفخة.
“لن يأخذ وقتاً طويلاً، يمكنكِ القدوم بعد صلاة العصر.“
أنزلت رأسها وضمت يديها، تتشابكان. وبعد بضع محاولات قالت بصوت منخفض كالهمس:
“كـ كم السعر… هل وسـ…”
“لا بأس، سيكون السعر زهيداً.”
أخبرتها بذلك بينما أضع الفستان في الدرج. تقدمت المرأة الأخرى بعدما غادرت صاحبة الفستان بخطوات خفيفة وتباعد ظلها في الزقاق الضيق قبالي. “سلام عليكم، من فضلك…”
وهكذا بدأ يومي الأول، وهكذا سيستمر الزبائن بالتدفق ذهاباً وإياباً..
يتبع…
إشترك في عضوية VIP - بدون إعلانات
إشتراكك و دعمك للموقع يساعدنا في إستمرار و بناء تطبيق للهاتف
تخلص من الإعلانات المزعجة واحصل على وصول أسرع للفصول وميزات VIP للتعليقات ووضع التركيز والكثير من المزايا.
إشترك في VIP - بدون إعلانات -ندعم بيبال عملات رقمية و فيزا وكل الوسائل
اشتراك في العضوية VIP في Patreonبالفيزا أو الماستر كارت
اشترك في العضوية و إدعمنا VIP عبر Ko-fiعند اشتراكك أو دعمك للموقع لا تنس أن ترسل لنا اسم حسابك لتفعيل VIP.
التعليقات
Comments for chapter "الفصل 5"
MANGA DISCUSSION