الفصل 3 - في موسم الربيع تغرس الآلام؛ لتنبت ألماً لا يمحى، بل لا يطاق، ولا يمكن اقتلاعه.
عدتُ إلى حجرتي وأقفلتُ الباب من خلفي.
ثم ذهبتُ وانطويتُ على نفسي فوق الفِراش، متسائلاً في جوفي بحيرةٍ: لماذا قبلتِ بي إذاً؟
تفحصتُ الخاتم الذهبي في قَبضتِي لبرهةٍ، ثم النحاسي، ومن ثم همستُ ومرارتي ترتفع:
“أهذا من أجل ابنك الوحيد منه، هو؟!”
أخذتُ نفساً عميقاً وحاولتُ دفع الحرارة في جوفي، ثم أغمضتُ عينيَّ في رمشةٍ مطولة وقلتُ في داخلي: ماذا عني، ماذا عن ملاكي الصغيرة…
فتحتُ عينيَّ على حفيف طير يقترب، ووجهتُ بصري نحوه، فإذا بها بومة سوداء ترفرف بجوار النافذة، تحاول الوقوف على إطارها المصنوع من الحديد.
ضيقتُ عينيَّ على تدفق الهواء من عندها للداخل برائحة مألوفة.
ما هذه الرائحة؟
كانت تبدو وكأنها رائحة ورود حقل القرية…وبينما كنتُ أفكر، شعرتُ وكأن العصارة الحارقة داخلي تصبح سائلاً بارداً.
أطلقتُ زفيراً ثقيلاً، ثم نهضتُ من مكاني.
اندفعت البومة من فوق الإطار الصلب، وهبطت بهدوء على جذع النخلة المتآكلة بجانب المنزل. أرحتُ ذراعَيَّ على حافة النافذة الباردة، بينما البومة تنظف جسدها وتلتفت نحوي بين الحين والآخر.
تساءلتُ في نفسي: ترى، أكانت تلك الرائحة تصدر منها؟
في تلك اللحظة، تلاعبت الرياح على وجهي، ثم ذهبت نحو الأعلى حيث سرب الطيور الداكنة يهفت… بعضه يسبح بين الغيوم الرمادية، والبعض الآخر يهوي بهدوء إلى الأسفلِ مما جعل أقول بداخلي:
ما بالها تعود في هذا الوقت المبكر؟! أكانت الهجرة غير مثمرة هذه المرة؟ في العادة، كانت الطيور تعود عندما تتوسط الشمس السماء… هذا غريب.
فجأةً، عادت الرياح وزحفت من بين الأعشاب الصغيرة. بدأت رائحة بئيسة تنبعث في الهواء…
هززتُ رأسي وتنفستُ بهدوء.
ثم أغمضتُ عينيَّ وأرحتُ جسدي العلوي على إطار النافذة بجفون ترتعش…
ما زال نسيم الفجر يرفرف في الأرجاء بصوت هادئ، ولم يتوقف حتى تسلل إلى داخلي بسؤال واحد فقط:
كم تكره هذا الفصل المقبل؟ ماذا لو لم يأتِ أبداً…
تفتحت عيناي على صوت نشيجي بينما العشب الجاف يطير في الهواء.
رائحته القديمة حملت الذكرى المشؤومة كما كانت تفعل في كل سنة، وطرقت في جوفي مرةً:
(بوابة الماضي)
في يومٍ لن يفنى ما حييت أبداً…
عندما كنت في العاشرة من عمري، داخل حديقتنا الخلفية الصغيرة.
كنت واقفاً تحت ضوء الشمس وجسدي يرتعش بشدةٍ وكأني أقف تحت شلالٍ شديد البرودة. أنظر إلى وجه أمي، وجهها الذي يسيل منه الدماء ويروي به أعشاب الربيع الخضراء.
“أين المال!”
صرخ والدي من أعماق قلبه وقبضته تهوي عليها بزمجرة، يطلب إجابة، فلا يسمع إلا أنيناً خافتاً يتسرب من بين شفتيها.
وهذا ما جعل غضبه يشتد ويزداد مرارةً فوق مرارته؛ فعاد يلكمها بكل ما يملك ويصرخ بصوته الغليظ:
“فلتجيبي!”حتى خارت قواه تماماً، ثم أخذ يلهث كالوحش.
بل هو الوحش ليس سواه… وحش متعب من جرح فريسته التي أبت الخضوع لصرخاته، فراح ينظر إلى صغيرها بعينه الحادة طباعها.
كان يحدق في عينيَّ وكأني السبب في كل شيء، كل شيء حدث في حياته، وحتى من قبل ذلك… شهقت باختناق ونظرت للأسفل فيما أفكر: أحان دوري الآن، أسيقوم بتمزيقي أيضاً؟!
وبينما تدور في رأسي عدة مواقف مشابهة، لمحت أمي وهي تنظر نحوي برعشةٍ وكأنها لا تستطيع تمييز مكاني بدقة.
كان بؤبؤاها الرماديان يغوصان في دموعها الحزينة، وينزلق بعضها من بين جراحها رفقة الدم.
ابتسمت، ويا ليتها لم تفعل.
فعلى الرغم من دفء تلك الابتسامة الصادقة على وجهها، إلا أنها كثيراً ما أغرقتني في بحرٍ من الذنب أصارعه حتى الآن:
هل أخبره بالحقيقة، أم أطيع أمي؟!
كانت هاتان الموجتان تندفعان نحوي وأنا أقاوم الغرق بكل ما أستطيع، وأحاول جاهداً التفكير في طريقة واحدة للنجاة.
في تلك اللحظة، لمحت خيط أملٍ يرتعش على سطح الماء.
سبحت خلفه وتمسكت بطرفه، حتى وجدته يُحاك في حروفٍ صامتةٍ بين شفتيها المشققتين. تصلبت عندها ولم أقل شيئاً.
فقط، انهمرت دموعي على خدَّيَّ واشتدت شفتاي بغصة في حلقي. نعم، أنا لم أسمع شيئاً يذكر، لكنني فهمت كل شيء.
إنها تسأل إبنها الوحيد منه:
“هل شبعت؟”
شددتُ فمي ونظرتُ للأسفل عند قدميَّ، ثم هززتُ رأسي بثقل وحركتُ شفتيَّ المرتجفتين بنفس الخيط، فراحت خدودها النحيلة ترتفع بانشراح.
وبالطبع، أبي الذي بدت على وجهه ملامح السخط والذهول المغلف بـ “أعرف كل شيء، ولكن، ما الذي يحدث هنا؟” لم يكن يفهم شيئاً مما يحدث أمامه.
أخذ ينظر إلينا بنفس الصمت الذي ننسج به حُروفَنا.
حروفاً نحيك بها مشاعرنا وكلماتنا المقموعة في حضرته.
ذلك الملك المزمجر كلما دخل إلى قصره… لماذا يكره صمتنا كالحاشية والخدم؟!
لماذا هذا الرجل لا يمكن إصلاحه كرِدائه الممزق حتى رقعه… أحتى الصمت الذي نحظى به الآن أصبح جريمة يعاقب عليها قانونه الملكي؟!
كنت أفكر بينما والدي يلكم أمي بشدة، يلكمها كما لو لم يفعل، ويصيح فيما يهز رأسه من الغضب:
“أما زلتِ تعاندين… أتريدين تدمير هذا المنزل؟!”
كانت عيناي تلتقطان كل شيء وتشعلان به قلبي الملتهب مسبقاً. أمي تحاول رفع يدها المصابة بعدما اشتد الألم، وأنا لا أستطيع فعل أي شيء سوى أني أغمضتُ عينيَّ بشدة… أفكر والدموع تنبثق من بين جفوني:
أهذا فقط من أجل المال؟ إن كان الأمر كذلك، فلتقم ببيعي فحسب!
لماذا تراهن على كل شيء، أحتى حياتنا التعيسة هذه مجرد قطعة غير مهمة تحركها متى ما شعرت بالتهديد؟!
فتحت عينيَّ فانهمرت دموعي مرة أخرى.
أنظر إلى والدي الذي يضغط فكيه دون أن يهتم لوجودي، متسائلاً:
لماذا تفعل هذا بزوجتك التي أنجبت ابنك الوحيد؟
لماذا لا تهتم بي، أنا الذي خلقتُ تلك النظرات الحادة على وجهك منذ ولادتي… أهذا ما يملأ الفراغ في داخلك؟!
كنت أحدق إليه بحقد دفين فيما يصرخ ويشد ذراعيه المرتعشتين حول عنقها، قائلاً:
“تعلمين… أن فعلتك هذه ستكلفنا الكثير..!”
أما أمي، فكانت تمسك ذراعه بيدها الشاحبة والمرتجفة، تحاول رفع رأسها بصعوبة بينما شفتاها تتحركان دون صوت. إنها تحاول طلب النجدة… ولكن ما الذي يجب أن أفعله؟
إن لم أقل الحقيقة فقد تموت، وإن قلتها فقد عصيت أمرها، ولو قلت غير ذلك فقد علمتني ألا أكذب أبداً…
ما الذي يجب أن أفعله الآن؟!
لم تتحملني قدماي من ثقل الحمل على كاهلي وسقطت على الأرض. عندها، أدركت أن همسات الجيران أصبحت تطوف من حولنا، من خلف السور الخشبي:
“لقد أخبرتك يا بني أن تلك المرأة المنافقة لا تناسبك… انظر كيف حماك السامي عندما أطعت أمك…”
“أبي… العمة!”
“أعوذ بالله من عدم الحياء…”
“هذا ليس من شيم ديننا وعاداتنا… أخرجوا هذه العائلة المتخلفة من قريتنا!”
كانت الهمسات تلتف من حولي وترتفع بينما أحشر أصابعي في أذني.
لم يكن الأمر خوفاً فقط، بل حتى تلك الحقارة التي تجدها تجاه ذاتك، ثم عائلتك التي ما كان ينبغي لها أن تدنو أكثر مما هي عليه… وقد تكون كما يقولون.
فتلك الفكرة التي تحاول دائماً تجنبها، كانت تدور في رأسي: هذا كذب، عائلتي هي الأفضل… أنتم فقط تكرهوننا لأننا نختلف عنكم!
لو لم أجُع فقط، لما وقعت أمي تحت قبضاته اللئيمة وهذه الكلمات القاسية!
كانت الأفكار تحاربني من كل حدب وصوبٍ بينما أحارب نفسي في الداخل أيضاً.
في تلك اللحظة، شعرت وكأن هناك خيطاً يتحرك في رأسي، ثم اشتممت من بعده رائحة غريبة تغمر رئتيَّ.
رائحة كالياسمين يفوح من جمرة حمراء.
رفعت رأسي ببطء فيما يضرب حضور هائل الأرض من خلفي، ويتموج الفراغ من خطواته، كأنما كان هناك بحر خفي داكن يطفو على السطح، ذلك السطح الذي كنت أراه سماءً زرقاء وعشباً أخضر.
تجمد بدني تماماً، لم أستطع أن أحرك أصغر أصابعي، ولا حتى أن أدرك ما الذي حل بي الآن.
توقفت فجأةً تلك الخطوات خلفي بكل هدوء، وأخذت يد صغيرة دافئة تمسح كتفيَّ برقة.
يدان سوداوان، لا تكاد تلمح في هذا السواد، ولم أرَ مثلها في حياتي إلا في حكايات أمي القديمة. اقتربت أنفاسها الساخنة من أذني، ثم انساب صوتها الذي بدا مألوفاً لي:
“طاهر…”
من أنتِ؟!
تساءلت للحظة بينما أحاول النظر للوراء بأي طريقة. فجأةً، شعرت بقشعريرة خانقة سرت في عمودي الفقري.
أناملها الناعمة تطرق فقرات ظهري، وكأنها تعزف على قطع بيانو بينما تردد من خلف أذني كلمات لم أفهم مقصدها:
“الوعد دين والدين وعد…”
بغتةً، انتصب جسدي من تلقاء نفسه، وأخذ المشهد يتسارع من حولي، ثم تباطأ على صوتها فيما أرى أمي تضع يدها على يدي والدي وشفاهها متباعدة.
كانت الصورة داكنة، واقفة كلياً، إلا صوت تلك الطفلة يقول:
“سأكون بانتظارك!”
حينها، شعرت وكأن هنالك كرة هوائية ترتفع من بطني، ثم صدري، ومن خلال عنقي تنحشر حتى صرخت دون ارادتي:
“دعها…”
هذا كل ما علمته قبل أن أسقط في ظلامٍ دامسٍ فتحت فيه:
(بوابة الحاضر)
نهضتُ لا إرادياً وأغلقتُ النَّافذة مسنداً ظهري إليها.
دموعي تتساقط في حجري فيما يرتفع صوت الإقامة من بعيد.
رفعت يديَّ المثقلتين بخيوط الماضي، أنظر إليهما بعين ضيقة، كأنما دماء أمي تسيل من بين أصابعي المرتجفة.
ما الذي فعلته؟!
هذا ما كان يدور داخلي بينما أشد قبضتيَّ المنتفضتين وتنبثق فيهما العروق. أنا لا أستحق ذلك الوعد، أنا لا أستحق أي شيء!
توقفت عن التفكير وحجبت وجهي بيديَّ، يهتز كتفاي وينخفض جزئي العلوي من شهيقي المختنق.
كانت صورة والدي وهو يضرب أمي تحرق قلبي كلما شعرت بالغضب، وحتى عندما أذرف الدموع، لا ينتهي هذا العذاب حتى أتوقف عن ذلك.
أمسكت رأسي بصعوبة وشددت أصابعي حوله، أحاول تبديد تلك الأفكار بينما أهمس بصوتي المرتجف:
“توقف… دعها… أرجوك!”
أنا لا أريد أن أصبح مثل والدي، لا أريد أن أراه، ولا أريد اسمه! – فقط من أجل عائلتي… كل شيء من أجل ملاك وأميرة، كل شيء من أجل ابنتي! لا تستسلم أرجوك…
وبينما أفكر وتوخز رأسي الذكريات وكأنها إبر مدببة، طُرق الباب بهدوء:
“طرق، طرق”.
جذبت قميصي من عند خصري وحركت وجهي بسرعة على قماشه المشعر، ثم نظفت حلقي بينما يتبدد ذلك المشهد، وقلت: “أهلاً… من؟”.
وقع صمتٌ للحظةٍ وأنا أحاول التنفس بهدوء، ثم ظهر صوت طفيف: “الإفطار جاهز”.
كنت أعلم أنها زوجتي ملاك حتى قبل أن تتحدث، فلا أحد في هذا المنزل قد يهتم بطرق الباب بلطف، أو حتى طرقه. أجبتُها بصوتٍ منخفضٍ قبل أن تبتعد خطواتها خفيفة الوزن:
“حسناً.”
بعد مرور لحظات، خرجت إلى الردهة وجلستُ على المقعد الخشبي أمام الطاولة التي تشبه صندوقاً حديدياً.
كان يقف فوقها المصباح المتهالك في منتصفها تحديداً، وتتطاير منه ذرات زرقاء في الهواء لترشد الظلال نحو الأركان المعتمة.
كنت أنظر إلى أحدها في شرود، أتأمل شعاعها اللطيف وتلك النواة المنيرة بداخلها. رفعت سبابتي وحاولت أن ألمسها.
في تلك الأثناء، أقبلت ملاك ترتدي ثوبها الأحمر. لمحتها من فوق كتفي الأيمن.
كانت تمسك في يدها طبقين لم أستطع تمييزهما حتى جاءت وانحنت أمامي، ثم دفعتهما فوق الطاولة نحوي.
كان أحدهما طبقاً نحاسياً يحتوي بيضاً مسلوقاً يتبخر، عليه القليل من المتبلات والملح، والذي بجانبه جُبنةُ ماعزٍ مهروسة، تسيل عصارتها كالدموع للأطراف المتخندقة.
مسحت وجهي بعدما ذهبت نحو المطبخ مرة أخرى، ونظرت إليها بنصف عين حتى خطت في داخله.
كانت هناك شمعة قزمة في وسطه تساعدها على الرؤية.
حملت طبق خبز شامي بين يديها من فوق الموقد الأزرق الصغير، ثم خرجت من داخل المطبخ فيما اعتدلتُ برأسي.
كان صوت حذائها الشبيه بمضغ العلكة يقترب، حتى وقفت أمامي ووضعت طبق الخبز بين الطبقين.
رفعت بؤبؤيَّ بثقل وابتسامة مرتجفة، قائلاً لها:
“طابت يداكِ!”
إنها لا تقول شيئاً، إنها تنظر إلي… أليس كذلك؟
هذا ما كنت أقوله في داخلي وهي تأخذ قطعة من الخبز وتسير بخطوات متعجلة نحو حجرتها.
نظرت إليها بابتسامة دافئة حتى توقفت أمام مدخل الحجرة؛ فأبعدت نظري إلى طبق الجبن وأخذت أفكر:
أكانت تريد أن تقول شيئاً ما؟
ضممت يديَّ فيما تتقلص الابتسامة، وتساءلت للمرة التاسعة والعشرين:
إنها مختلفة كثيراً عن السابق.
الخيط الذي كان يحيك ابتسامتي عند كل لمسة لرأسها أصبح ينفلت كلما حاولت الإمساك به. وجهت بصري إلى السقف الذي تتشابك فيه أعمدة الحديد المعجون في الإسمنت بعضها ببعض، والبعض الآخر يتدلى وسطه في الهواء.
إن تحدثت، كانت كلماتها ترتدي لهجة رسمية، وإن خطت من جانبي، ذهبت كأنها لا تشعر بوجودي تماماً… لماذا كل شيء يصبح مؤلماً في حياتي، لماذا ملاكي أيضاً…
أيجب أن تصبحي كذلك حقاً؟!
نظرت إليها ثم أكملت في داخلي وأنا أعتدل: على الرغم من ذلك، أنتِ لم تتوانَيْ يوماً في الاهتمام بي، ولم تتركيني يوماً أشعر بعدم وجودك.
ولكن، فلتقرري… يجب أن أكون قريباً منك أو بعيداً عنكِ.
أنا أشعر وكأنني مكبل في داخلي.
لا أستطيع إلا طلب النجدة وأنتِ لا تنظرين نحوي… لماذا؟!
وبينما مَلاك تُنادِي ابنتَنا الصغيرة من عند فاه الحجرة، كان صوتها الخافت يتجه تارة نحوي، وتارة يعتم في جوفها.
كنت أشعر ببعض الغرابة في تلك اللحظة، إضافة إلى شعوري بذلك الصمت في قلبي، قادني كل ذلك إلى أن أقول بتلعثم طفيف: “كـ كيف حالك؟” توقفت ملاك بعدما همت بنداء غلاك مرة أخرى، والتفتت نحوي وكأنها لم تتوقع ذلك.
ثم تحرك بؤبؤا عينيها نحو البلاط الباهت لبرهة، وقالت:
“حسناً، أنا بخير…”
أومأت برأسي ولم أستطع إلا أن ألفظ على مرارة في عنقي: “أتمنى ذلك.” بعدها، عاد ذلك الجو الغريب. لم أقل شيئاً، لأنني لا أعلم ما الذي سأقوله تالياً، ولم أخطط لذلك أبداً.
فأخذت أعد ذرات النور المتطايرة، وأنا أشعر بها من طرف عيني تنظر إلي، وكأنها تنتظر مني شيئاً آخر.
في آخر المطاف، التفتُّ نحو مدخل الحجرة وعادت تنادي: “غلاك، إن الإفطار جاهز.”
أما أنا، فكنت أفكر وأفكر، حتى نظرت إلى باب الحجرة الخشبي المغلق خلفي. تتشابك أصابعي
فيما أقول: “ألن تأتي اليوم أيضاً؟”
صمتت ملاك للحظة تنظر في جوف الحجرة، ثم نظرت إلي بعينين مرتعشتين وأطالت النظر، حتى شعرت بعرق بارد ينزلق على ظهري. أقلت شيئاً سيئاً؟! ما الذي يجب علي قوله الآن…
وبينما كانت الأفكار تركض في رأسي، قالت:
“طاهر…”
كان صوتها هادئاً لكنه ثقيل الحمل على أذنيَّ… لماذا تناديني باسمي؟!
حركت رأسي قليلاً واشتد بصري نحوها ولا زلت أفكر، وقلبي ينبض ببطء في تلك الثانية الطويلة. لم أكن أعلم ما الذي تريد قوله، لكنني أيضاً لم أرد أن أسمع ذلك.
ولحسن حظي… قطعت صرخة ابنتي غلاك من داخل الحجرة خيوط تلك الكلمات التي كادت أن تُحاك:
“ماما…!”
تَنفستُ بعمقٍ فيما تستدير ملاك نحو وقع أقدام غلاك المتسارعة نحوها… خرجت ابنتي وحشرت وجهها في حجر زوجتي، وكأنَّها لم ترَها لمدة سنة كاملة.
“ماما~!”
صرخت وهي تمسح وجهها في حضنها، بينما ملاك تحرك يديها حولها بابتسامة طفيفة، وتهمس:
“أهلاً بماما!” ثم قبلت رأسها.
كنت أنظر إليهما بعين تضيق بدفء وكأنهما ابنتاي في لحظة عناق بعد فراق طويل.
في تلك الثانية، التفتت ملاك نحوي بنظرة حنونة وابتسامة عريضة، تتمدد على وجهها، وحركت شفتيها حتى تلفظ بكلمة أزاحت عن قلبي القيود لثانية…
لكنها توقفت فجأة وحبستها خلف شفتيها، فور أن رأتني أبتسم بتلهف. أبعدت وجهها نحو كَتفِ غلاك بينما أنظر إليها وأشعر كأن شفرات حادة تخترق جراح قلبي النازف.
ثم مسحت وجهها بوجه ابنتي وقالت:
“ما الذي كنتِ تفعلينه؟”
فأجابتها غلاك: “كنت أقرأ قصةً جميلةً ماما!”
هممتُ طويلاً وألصقتُ كفيَّ المرتعشتين عند رأسي، ثم قلتُ بقدر ما أملك من لطف: “أستظلان هناك؟”
ربتت ملاك على رأس غلاك وكأنَّها لم تسمع شيئاً، بينما تحاول ابنتي النظر إليَّ من خلال ذراعيها، وقالت لها:
“حسناً…” ثم اعتدلت في وقفتها لتجيب عن سؤالي كأنما تهمس: “لستُ جائعةً…”
حاولتُ أن أسألها مرَّةً أخرى مازحاً، لكنَّها غادرت إلى حُجرتها دون أن تلتفت إليَّ. في هذه اللحظة، كانت غلاك تنظر نحوي تارةً، وتارةً تنظر حيث ذهبت أمها. ارتعشت يدايَ على جبيني وكذلك شفتاي، ثم همستُ بيني وبين نفسي:
“يمكنكِ أن تذهبي، استريحي قليلاً”.
مع أن الأمر كان مختلفاً في جوفي، كنتُ أريدها أن تظل معي ولو للحظة أخرى، أن تجلس بجانبي مثل السابق ولكن… أخذتُ أفكر حتى أصبحتُ أتمتم دون أن أشعر:
“لماذا كل شيء في حياتي أصبح كأنه فعلٌ لا روح فيه، أو عادةٌ قديمةٌ تخلو من الود، هذا إن لم يُنزع عن بكرة أبيه! أشعر وكأنكِ تخدمينني فقط من أجل نفسكِ، من أجل العائلة، من أجل المجتمع، ليس لأنكِ زوجتي، وليس لأنني أكثر من ذلك؟!”
كانت هذه الأفكار تعصر صدري حتى ضربت غلاك الأرض بقدمها في جانبي. أبعدتُ يديَّ بهدوء بعدما أطلقتُ ابتسامةً صلبةً:
“مرحباً بكِ يا غلاك!”
إنها غلاي بعد كل شيء، القطعة الوحيدة التي تجعلني أحاول أن أقف ثابتاً في هذه الحياة، والقطعة التي لا أريدها أن تلقى نفس المصير الذي يلحق بي حتى اللحظة.
“بابا! هيا… لنأكل سويًّا!”
قالت ذلك وهي تقترب حتى أصبحت أنفاسها الدافئة تتصادم على وجهي. كانت عيناها الخضراوان تتوسعان بابتسامة عريضةٍ بينما تغضب بشكل طفولي، وكأنها تريدني أن أفعل ذلك.
ابتسمتُ حتى بانت نواجذي، ثم قبلتها على جبينها وربتُّ على رأسها كما عهدتُ فعل ذلك. شددتُ قبضتي الأخرى على فخذي، وقلتُ: “هيا، فلتجلسي…”
خطت خطوتين ووقعت بسرعة على المقعد المرادف، فاندفعتُ نحوها عندما رأيته يترنح لجهةٍ على أخرى، ورفعتُ يديَّ على كتفيها لأثبتها فيما يرتفع صوتي المختنق:
“غلاك؟!”
تصلبت مكانها تبصرني بدهشة. ثم ارتعشت ضاحكةً والتقطت قطعة خبز لتقسمها قطعتين. بعدها، نظرت إلي برأس مائل وابتسامة عريضة، قائلةً:
“أنا بخيرٍ يا بابا! خُذ، هذه لك!”
أبعدت يدي عنها وأخذت قطعة الخبز وأنا أقهقه بينما أرتجف قلقاً. حزمت هريسة الجبن تلك التي أمامي، فأوقفتها قائلاً: “بسم الله.”
ضربت الطاولة بيدها الصغيرة، ثم همست بفم ممتلئ: “بشم.. الله!” اهتز صدري بضحكة طفيفة فيما أدفع صحن الخبز بهدوء نحوها قليلاً، ثم ضحكت وأنا أرى تلك الخدود تنتفخ وتنتفخ بالطعام، ثم تنفقع فجأةً.
كم أنتما متشابهتان! قلت ذلك في داخلي بينما أحرك يدي، أُشعث شعرها الأحمر المتموج بلطف، وهي تنظر إلي بعينٍ مشاكسة تختبئ فيها الكثير من الأسئلة.
كانت تلك نفس نوع العين التي امتلكتها ملاك منذ شهورٍ قليلة، أما الآن… شددت قبضتي الأخرى حتى اشتد ساعدي، ثم تنهدت بدون أن أشعر.
في تلك اللحظة، توقفت غلاك وكأنها اصطدمت بحاجز زمني من ثانية، قبل أن تأخذ قطعة خبز دون أن تنظر إلي.
أبعدت يدي عن رأسها، وحزمت لقمة بالخبز والبيض، ثم وضعتها في فمي وأنا أنظر إليها دون أن تنطفئ ابتسامتي… ومع مرور الوقت، لم تتبق سوى قطعة صغيرة في يدها.
وقبل أن تضعها في فمها، ثبتُّ قطعةَ خبزي أمامها، قائلاً: “هذه لك!” فرفعت بصرها نحوي بابتسامةٍ ممتلئة بالطعام: “هممم!”.
ثم استمرَّت في الأكل حتى لمحتها تتفحصني بنظرات خفية. عندها، وضعت بقية الخبز على الطبق وقالت فوراً:
“بابا، هل أنت بخيرٍ أيضاً…”
قلت لها قبل أن تضيف كلمة أخرى:
“ألم يُعجبكِ الطَّعام؟ إنه لذيذ!”
أخذت قطعة خبز وحشرت لقمةً أخرى في فمها، قائلةً: “نعم، طهي ماما لذيذ… همم، هممم!”
هذا ما فهمته قبل أن يختفي صوتها وسط مضغ الطعام. بعد ذلك، مسحت فمَها بيدها الأخرى، ثم أكملت:
“… أنت لست بخير يا بابا، حزين جداً بقدوم العمة أميرة يا بابا!”. نظرت إلى عينيها الجادتين وارتعش جسدي، ثم وجهت بصري إلى الركن وحاولتُ أن أقول:
“غِلاك، هذا غير صحيح، أنا فقط…”
ضربت الطاولة وانتصبت، ثم ركضت وهي تحشر إصبعيها في أذنيها بينما تصرخ:
“أنا أكرهُها!”.
مددت يدي اليسرى قائلاً: “غلاك!”
لكنها هربت إلى حجرة أمها في لمح البصر.
تنفست ووضعت يدي على رأسي، أفكر: هل أخبرتها ملاك بذلك؟ لا يمكن أن تخبرها بهذا… إذاً، كيف علمت بذلك؟!
نهضت وجمعت الأطباق بين يدي، ثم أخذتُها إلى المطبخ… وبعدما وضعتُها في داخل صحنٍ كبيرٍ للغسيل، ذهبت إلى سطل المياه على طرف الجدار لأغسل يديَّ.
ثم هممت بعد ذلك بالتوجه إليها حتى نتحدث قليلاً، لكنني توقفت متفاجئاً عندما رأيتها تقف عند مدخل المطبخ، تحملُ ثيابي البيضاء بين يديها، وتنظر إلى الحائط بفمٍ ممتلئٍ بالغضب:
“لقد حضرت ماما ثيابك أيضاً، همف!”
ارتفعت ابتسامتي دون أن أشعر، ثم أخذتُ الثياب وداعبت رأسها: “شكراً لها، ولكِ أيضاً يا غلاك!” وما إن قلت ذلك، حتى ركضت في الممر إلى حجرة أمها.
أما أنا، فخرجت أسير نحو حجرتي بابتسامة، أتفحص ثيابي وأتحسس قماشها الناشف كالورق المقوى. فتحت باب حجرتي فاندفع الهواء من خلالي.
تنفست للحظة ثم حاولت أن أدخل إليها، عندها، صرخت غلاك من عند حجرة أميرة:
“أمّي تقول اعتنِ بنفسك يا بابا~”.
ثم ركضت إلى الحجرة وأغلقت الباب. نظرت إليها من فوق كتفي وهمست: “أنتِ أيضاً!”
أغلقت الباب وتوجهت نحو الفراش، وانحنيت لأخرج الساعة من تحته. في هذه اللحظة، نودي للصلاة من المسجد القابع خلف المنزل بخطوات.
نهضت بسرعة وذهبت لأنزع ملابسي في الركن الأسود.
ارتديت البيجامة والفنيلة، ثم انحشرت قليلاً في الثوب الأبيض وأخذت أسير كأنما أهرول، كأنما هنالك ملك ينتظر قدومي… ارتديت الساعة فيما أفتح باب المنزل.
كدت أخرج، لامست قدمي التربة الباردة، فتذكرت قطعة الحذاء الأخرى.
حركت رأسي لأبحث عنها قليلاً؛ فوجدتها واقعة بين باب حجرة ملاك وأميرة. عدت بخطوات سريعة والتقطتها بقدمي اليسرى، ثم رجعت لأرتديها
بينما أغادر… في الخارج، حيث الظلام البارد بلطف، كنت أركض قائلاً:
“أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق” حصنت نفسي لأذهب إلى المسجد… الذي سأنطلق منه إلى العمل…
فلتَتَتَبعَاه…
إشترك في عضوية VIP - بدون إعلانات
إشتراكك و دعمك للموقع يساعدنا في إستمرار و بناء تطبيق للهاتف
تخلص من الإعلانات المزعجة واحصل على وصول أسرع للفصول وميزات VIP للتعليقات ووضع التركيز والكثير من المزايا.
إشترك في VIP - بدون إعلانات -ندعم بيبال عملات رقمية و فيزا وكل الوسائل
اشتراك في العضوية VIP في Patreonبالفيزا أو الماستر كارت
اشترك في العضوية و إدعمنا VIP عبر Ko-fiعند اشتراكك أو دعمك للموقع لا تنس أن ترسل لنا اسم حسابك لتفعيل VIP.
التعليقات
Comments for chapter "الفصل 3"
MANGA DISCUSSION