الفصل 17 - الغناء الفاحش تحت عربة الموت.
في شدة خيوط الشمس الحارقة وعزف الرياح اللاسعة، كانت المزرعة حيوية بنشاط المزارعين الذين يغنون بلهجة عامية وشعبية:
“يليلي يا ليلي مالي ومال الأماني،
مجروحة عيني يعيني زايغة يعيني…”
كانو يبتسمون بشغف بينما يقطفون الأعشاب الجافة من الأرض، ليغرسوا محلها رقعاً ملونة ومعقودة، تُرَسُّ فيها السماد والأماني.
من خلف تلك الرؤوس القاحلة المتبخرة، والأيدي المجتهدة، حيدر يهز رأسه والمنجل من فوق كتفيه، ثم يخطو بخفةٍ على أنغام كلماته:
“…آه موجوع قلبي يقلبي سهر الليالي، مجنون لني عاشق لي أميرة…”
وكما تشاهدان أولئك المزارعين، كانوا لا يتوقفون عن زرع تلك الأقمشة المتروسة، حتى فرغت تلك الأماني من السطول البالية.
أسقطوها أرضاً وانطلقوا يصفقون بتناغم حول حيدر…
كان يلف عصاته بين السبابة والوسطى ليده اليمنى، ويدور حول نفسه برقصة متجانسة مع غنائه:
“يا ساقيَ العشق لا تروي جنوني، أرجوك روح خليني في حالي…”
حرك أصابع يده اليسرى كأنه سيرتدي دبلةً بينما صوت الصلاة يُرفع من كل مكان، لكنه لم يأبه بتاتاً،
ولم يهتم من معه بذلك أيضاً، ليس هذا فحسب، بل انضموا إليه بالرقص والتصفير، ودموعهم الضاحكة تنزلق من بين لحاهم الحمراء.
في هذه اللحظات، ركض واحد من بينهم ويبدو أنه أضخمهم بنية. أخذ سطلاً من الأرض وجره خلفه، ثم قفز وغمره بطينه داخل البئر.
البئر الذي يطفح بماء داكن، وتتموج في أعماقه السماء بلون الليل.
ركض نحوهم مجدداً وهو يدفع المياه في الهواء
بيده العميقة، قائلاً:
“يليله ليلي يا ليالي المال مالي من حلالي. مالي ومال الحال يشكي النصب عذرو لنو الغالي مراه…”
توقفوا جميعاً بينما يخرج ذلك المزارع الضخم يده المبتلة بالماء، ليشر نحو حفرة في الأرض:
“والله ما أخليه، والا الطمرِ يعلاااا…”
بالتزامن مع ارتفاع صوته الأجش عادو يصفقون ويرقصون بالتحام.
ابتسم ذلك الضخم من خلف دموعه وأخذ يمطرهم بالماء.
هذا لم يجعلهم يشعرون بالانتعاش فقط، بل كان يرطب تلك الأماني المغروسة تحت أقدامهم الراقصة على كلماتٍ مختارة، كلماتٍ يختارها كل واحد منهم ليغنيها عندما يحين دوره.
“ولكن… أصليت أيها القارئ؟”
لنرى ما سيقوله هذا المنافق، هل سيحاول المراوغة.
|القارئ صامت: “…”|
“حسناً، توقف عن إضاعة الوقت وإلا ستفوتك ركعة بالفعل… ما الذي تنتظره؟”
|القارئ ينظر إلى السيد إيسكا بوجه بارد، ثم يجيبه بصوتٍ مفرط في الجدية: “ماذا عنك؟”|
انظر إلى عديم الثقة هذا، أينتظر مني المبادرة ليتمكن من غسل قدميه ويصلي؟! ما هذا الجيل المتوحد!
“لن أصلي”.
|القارئ ينظر إلى السيد إسكا للحظة، يلتفت ليقول للقارئة: “أيتها القارئة، ألن تصلي؟”|
|أجابته القارئة بينما تضع يدها على باب البنتلي:
“لا يمكنني فعل ذلك، لأسبابي الخاصة…”|
مثير للشفقة، أتحسب أني لا أعلم ما الذي يدور في رأسك؟! انظر إلى القمطة فقط وهو يغادر مركبتي.
ما هذا العار؟! لماذا لا يرتدي سرواله الد…؟!
لا يمكنني وصف مشاعري بعد الآن.
“أيتها القارئة، أنا سعيد للغاية لأننا سنشاهد طاهر الآن… أنا وأنتِ فقط!”
|القارئة تقول: “أكمل السرد من فضلك.”|
“حسناً…”
داخل (بوابة عالم الغيبيات…)
تحت السماء المكتظة بالغيوم المظلمة، انبثقت أشعة الشمس الزرقاء الباردة فوق عربة رمادية.
كانت تبدو كأنها ميزان ضخم بمكيالين.
واحدة في المقدمة، يجلس في داخلها على المقعد الرمادي بكي وفري، يمسك كل واحد منهم بطرف لجام إيلٍ نشط، له اثنا عشر قرناً يضيئون بنور رمادي ساطع.
أما في الجزء الآخر المنخفض، كان طاهر يستريح فيه على مقعد من قطن متكدس، يكسوه رداء أحمر ناعم…
نظر إلى الشمس الزرقاء وهي تشرق عبر نافذته ذات الإطار الأسود بينما يفكر: لقد ورث أبي هذا الحمل من الجد الأول إذاً، وها أنا اليوم أحمله عنه رغماً عني…
مات والديَّ منذ فترة طويلة بشكل طبيعي، ولكن، يبدو أنني كنت معمياً عن الحقيقة طوال الوقت.
نظر إلى يديه المتشابكتين فوق فخذيه فيما ينخفض بظهره قليلاً. احتدت مفاصل أصابعه وراحت ذراعاه تهتز بغضب.
“لا أعلم، ولا أريد أن أعلم. لكن إن علمت من السبب وراء موتها أيضاً… لأجعلنَّه عبرة خالدة لكل معتبر!”
همس بينما يتدفق الدخان الأحمر المضيء من خلال النافذة.
ومضت الظلال بهدوء…
اندفعت موجة هوائية تصفر، وتمازج لون بحر السماء المزرق بسواد حالك، بينما الأرض أسفل العربة تنغمر في حمار فاقع، وأصوات الطبول لا تتوقف عن التردد فيها.
تحرك بؤبؤا طاهر نحو الخارج حيث أخذت ترتفع أصوات النساء الفاحشة، وكأن هناك نادي عهر يقبع تحت قدميه.
نهض على قدميه وراح نحو النافذة، رفع يده وأغلقها، ثم عاد وهبط بهدوء فوق المقعد.
حرك رأسه على ظهره الناعم تشوبه خشونة طفيفة، ونظر إلى الجهة الأخرى حيث ينبعث ضوء ذهبي من خلف جبال مربعة…
في هذا الوقت، أخذت الأعمدة العملاقة تتركز ظلالها صوب بوابة القصر، وأصبحت تلك الأصوات الفاحشة تصدح بغناءٍ يتسم بالبذاءة والدناءة، والغرابة الممزوجة باللطف.
لم يبدُ طاهر أي مشاعر تجاه تلك الأصوات، بل نهض من مكانه على هبوط العربة الهادئ لتسير على الجسر الفضي.
رفع ستار المخرج الأحمر وأخذ يسير على المسار الخشبي الثقيل، المتدلي بين قطعتي العربة.
تمسك بحبله النحاسي الداكن، وأخذ يسير بمهل بينما ينظر إلى قدميه كلما تعدى خشبة، شعر وكأن هنالك ظلالاً حمراء تنظر إليه من بين الشقوق الفاصلة في المسار.
في هذه اللحظة، التفت الخادمان فري وبكي لينظرا إليه وهو يتقدم على هبوب الهواء.
“سيدي، هذا خ…”
قال لهما طاهر قبل أن يكملا الحديث:
“أوقف العربة”.
نظرا إلى بعضهما، ثم قال بكي: “لكن هذا مخ…” خطى طاهر إلى الداخل. ذهب نحو لجام الإيل.
جره بيديه من عند طرف بكي. لوى عنق الإيل،
تمزق فوهته فتخبطت خطواته.
صاح الإيل بسعار.
نزع لجاماً واحداً. قفز ليعلو، فارتفعت العربة من الطرف المتصل باللجام الآخر.
ضربت حوافره في الأرض الصلبة، بينما يثور رأسه محاولاً قضم اللجام بأسنانه المتطارقة ببعضها.
“سيدي، توقف”.
لم يكن طاهر يكترث بهما بتاتاً. كان ينظر إلى الخلف، اشتدت قبضتاه. في هذه اللحظة، أخذ الإيل العربة في انعطافة جانبية حادة.
انقطع اللجام.
والتفتت العربة، التوت عجلتاها الخشبيتان، تكاد تسقط، أسند طاهر يده إلى المنفذ فيما يسقط الخادمان. رفع رأسه ونظر إلى الإيل وهو يعلو في الهواء بينما تلتف العربة لتتقلب. سقطت على جانبها، اصطدم جانب رأسه، تمسك بطرف النافذة بينما العربة تتطاير أجزاؤها هنا وهناك…
وبعد بضعة التحامات على أطرافها، اصطدمت العربة بجانبها على أحد الأعمدة الذهبية…
الدخان المحترق يلتف منها، والشرار يتطاير من حولها.
أصوات الغناء راحت تنخفض حتى أصبحت كالهمس، وكأنها تترقب حدوث شيء ما. وهذا ما حدث في تلك اللحظة.
ارتفعت يد من داخل العربة المتحطمة.
وبدأ الحطام المنكب على ظهره يعلو حتى انسكب.
خرج طاهر من خلف الستار الأحمر الممزق، يمسك بكتفه الذي ينزف.
من بين شعره الملتصق بوجهه وسيل الدماء، فتح عينيه المنطفئتين.
كان يحرك قدميه بثقل ويلهث باضطراب. نظر من بين الأعمدة ليلمع ذلك الإيل يذهب نحو الضوء الذهبي…
ومن خلفه، كان الخادمان أسود وأبيض مغطيين بالدماء البيضاء أو السوداء تحت ركام العربة.
وكما تشاهدين في الخارج، كان طاهر يسير نحو البوابة التي تتكثف عليها الظلال دون أن يلتفت للخلف، هناك، أخذت النار الزرقاء تلتهم أطراف العربة…
كل خطوة، كانت تترك أثر دماء، وكل حركة، كانت تخلف مئات الأسئلة في رأسه. توقف أمام البوابة الهائلة كجبل شاهق.
رفع رأسه، نظر إلى المعدن الأزرق الداكن المزخرف عليه صورة قمر داكن، فوق رأسه تاج من حلقتين، وبين أيديه العشرة دبلة ألماسية أو إسورة.
إضافة إلى ذلك، كانت هنالك كرة زجاجية بيضاء تلمع وسط تلك الأذرع، ويصدر منها صوت كوني متذبذب.
نظر طاهر إليه بعينين ثاقبتين ببرود فيما يفكر:
هناك عروق حمراء تهتز داخل الكرة…
في تلك اللحظة، التفتت الكرة البيضاء. تدور… ثم توقفت. برز بؤبؤ زهري داكن في منتصفها. نظر
إلى الأسفل فيما يتبخر منه لونه للأعلى.
“ما الذي تنتظره!”
تحرك البؤبؤ في كل زاوية، ثم أخذت العين تلتف حتى بدأ المعدن من حوله يضيء من الاحتكاك.
ارتفعت البوابة لتلتصق بالسقف، ثم سُحبت في
المسار المظلم وكأنها ترشده نحو قاعة القصر.
خطى طاهر بعدها وهو يسند يده الدامية إلى الحائط…
أخذ طاهر يسير ويهمس لنفسه:
“هذا ليس صحيحاً بالتأكيد، إنها مجرد كذب، لا يمكن حدوث شيء مثل ذلك…”
ضحك طويلاً بصوت خافت فيما تتلاحم أصابعه في الجدار، ويتمزق الجلد منها…
بعد مرور بضع دقائق، رُفعت البوابة إلى الأعلى بشكل عمودي، بينما تتموج خيوط الضوء الدخاني الأزرق في الهواء.
نظر طاهر إلى يده التي تنزلق عنها الدماء، ثم راح يقول في داخله: “هذا مستحيل، هذا…”
في تلك اللحظة
“لم يأذن الملك لك بالقدوم، لماذا جئت دون أمر؟!”
قاطعه صوت في المقدمة.
رفع طاهر بؤبؤه، فإذا بڤالكور من فوق الإيل النحيل يشير إليه برأسه المظلم أن يتحدث. تحركت قدماه بينما ڤالكور يتقدم بالعربة ويكرر:
“تحدث أيها الب…”
صمت ڤالكور فجأةً عندما سار طاهر من جانبه. انقشع الظلام من على نصف جسده العلوي بغتة دون أن يشعر.
كانت عيناه بارزتين وكأنه نظر إلى شيطان، أو أنه سقط في جحيم ينضج بصمت. توقف طاهر خطوة من العربة. شد حارس الظل ڤالكور اللجام وتصلب ينظر إلى المقدمة.
“أنت مذنب”.
قالها طاهر وهو ينظر إلى يديه،
لكن ڤالكور شعر بها تنخر في عظامه. تلك الغريزة التي جعلته ينجو حتى هذه اللحظة من ظلمات الغيبيات، هي من تجعل عظم فكيه يرتعش أمام سؤال واحد، قد يحدد مستقبله من حاضره.
“لا… لا بالطبع، أنا لست مذنباً… ما الذي تعنيه؟!”
في تلك اللحظة التي كان يحاول فيها ڤالكور التحدث بجدية قدر الإمكان، كان طاهر قد ذهب بالفعل بينما هو يبرر موقفه ويشرح في الهواء بيديه المرتجفتين…
دهس طاهر بقدمه على اللوح النجمي، وأخذ يقترب من المصباح الذهبي في وسطه. في تلك الثانية، تباين وجه الملك من بين الظلال والنور ليقول بصوت لطيف وحاد:
“مرحباً… ابني العزيز!”
يتبع…
إشترك في عضوية VIP - بدون إعلانات
إشتراكك و دعمك للموقع يساعدنا في إستمرار و بناء تطبيق للهاتف
تخلص من الإعلانات المزعجة واحصل على وصول أسرع للفصول وميزات VIP للتعليقات ووضع التركيز والكثير من المزايا.
إشترك في VIP - بدون إعلانات -ندعم بيبال عملات رقمية و فيزا وكل الوسائل
اشتراك في العضوية VIP في Patreonبالفيزا أو الماستر كارت
اشترك في العضوية و إدعمنا VIP عبر Ko-fiعند اشتراكك أو دعمك للموقع لا تنس أن ترسل لنا اسم حسابك لتفعيل VIP.
التعليقات
Comments for chapter "الفصل 17"
MANGA DISCUSSION