الفصل 16 - الشارب الشائك والناسك سول.
|في (بوابة ماضي) الناسك سول.. يسرد…|
كان الملك البشري الأزرق يجلس أمامي على المائدة، يرتدي التاج الذي لا يختلف عن لونه، ويفترش على مقعده عباءته الزرقاء الداكنة.
إنه يحدق في عيني بحدة كما لو أنه يريد أن يحرقني من الغضب الذي يثور في جوفه.
حركت إصبع الملاك الأبيض داخل الجوهرة، ووضعته فوق المثلث الأزرق: (V2).
ثم اعتدلت وأنا أمرر إصبعي على إطار اللوح الذهبي الداكن، قائلاً:
“أنفق نجمة بيضاء لخطوة واحدة…”
دفع يده وقدم إصبع الشيطان الأحمر خطوة داخل الجوهرة، فوق المثلث الأزرق المقابل: (X2).
ثم صرخ وهو يشير إلي بتهديد:
“لا يمكنك تنفيذ أي مهارة داخل الجوهرة بما أن لك إصبعاً واحداً أيضاً!”
أخذت إصبعاً آخر ووضعته في المعين الرمادي: (O5) في الركن الأيسر بجانبي، قائلاً:
“الجنية البيضاء، إنفاق ثلاث نجوم سوداء، دون تفعيل المهارة”.
حرك الملك يده وهو يهز رأسه:
“سيئ للغاية، سيئ للغاية؟!”
قال ذلك وهو يحرك إصبع الجوكر خطوة في المعين الأحمر: (X4) ثم أردف وهو ينتقل إلى المعين الأحمر: (O4):
“أنفق نجمتين بيضاء لخطوة الانتقال الآني، وثلاث نجوم سوداء لعزل الجنية الزرقاء عن محيطها…”
ضحك وهو يرفع إصبعه إلى صوف شعره المترامي على كتفيه، وأردف: “لمدة دقيقة واحدة…”
وهكذا استمرت اللعبة حتى خسرت مرة أخرى، بعدما فعل مهارة الشيطان الأحمر، وقضى على إصبعي الأخير، الملاك الأبيض…
على الرغم من ذلك، كنت أشعر بالراحة كلما انتصب وصدح بنشوة الفوز، ثم يسقط على مقعده صارخاً يستشيط غضباً:
“أتهزأ بي؟!”
قلت له فيما أعيد ترتيب الأصابع على أطراف اللوح: “الأمر ليس كذلك…” رفع إصبعه وصرخ:
“إذاً ما الذي يجعلك تدعي الصلابة أمامي وأنت لا تجيد حتى تحريك يديك كما ينبغي؟!”
“الصلابة لا تعني القوة، بل احتواء المشاعر…”
قلت ذلك وأنا أضع الإصبع الرمادي فوق الخلية الذهبية: (O10) وسط الجوهرة، ثم رفعت سبابتي وأردفت:
“وليس الفوز بالنسبة لي، إلا خسارة ضمنية لمبادئي”.
هز رأسه بضحكة كالزئير في حجره، ثم رفع رأسه بهدوء فيما يقول بصوت منخفض:
“ما هذا الجنون الذي تدعي أنه حكمة الآن ها؟!”
فرددت الوسطى وأشرت إلى أصابع اللوح النجمي: “يجب عليك النظر إلى هذه الأصابع وكأنها تلعب أيضاً…”
وفي آخر الحديث، مددت كفي إليه، وشددت قبضتي كأنما أخبئ فيها جوهرة ثمينة، ثم فتحتها أمام عينيه ببطء بينما أخبره:
“اختر من أنت، وليس من سيفوز”.
صمت للحظة، ثم انفجر بالضحك حتى سقطت ذراعاه على المائدة، أحنى رأسه وأخذ يهزه بثقل:
“أنت لا تمتلك شيئاً لتخسره، لذا… قد تبدو المبادئ بالنسبة لك أثمن من الفوز!”
في هذه اللحظة أخذ الميزان يهبط بهدوء حتى اتزن مرة أخرى. وهذا ما جعلني أصمت لبرهة وأنصت إليه:
“أنت الذي يلعب بالأصابع، والأصابع تتلاعب به، أما أنا…”
رفع رأسه واقترب من وجهي ببؤبؤين رماديين مظلمين وأكمل:
“أضع روحي في كل حركة، وهذا ما قد يجعل لغتي غير مفهومة بالنسبة لك…”
لم أقل شيئاً بعد ذلك، لكنني فكرت في قوله لمدة قرن كامل.
وفي يوم من الأيام البعيدة في الزمن، كنت أحتسي الشاي في ليلة مظلمة… وجهت وجهي إلى أبيض وأسود بجانب بوابة القصر، بعدما التقطت صوت خطوات تقترب، وأخبرتهما:
“لقد أتى المختار الحادي عشر”. ارتشفت من الكوب، ثم أكملت بينما وقع أقدامه المضطربة يقترب أكثر:
“خذوه إلى الحجرة في الأعلى”.
ومثل ما يحدث مع جميع المختارين من قبله، أخذ أسود وأبيض ذلك الرجل الذي تنزف قدمه إلى الحجرة العلوية… وفي آخر ساعة من الليل، استدعيته إلى هنا أيضاً…
بينما كنا نلعب، توقف هذا الشاب للحظات.
كانت عيناه خاويتين من الحياة كأنما يغرق في أعماق أفكاره ويتمتم بكلمات غير مفهومة دون أن يشعر.
أشرت إليه بسبابتي المقلوبة، وقلت: “أنت، فلتلعب”.
رفع رأسه ونظر إلي.. عيناه الرماديتان حادتان ببرود، بشرته قمحية خلافاً عن أنداده السابقين، أصلع الرأس، وذو شارب شائك.
حرك يده، وبعد مرور أربع جولات خسرتها كلها.
بدأ يحرك الأصابع بوقع لا يمكن التنبؤ به، في وقت وجيز.
“أهذه المرة مرتك الثانية؟”
“لا تزعجني!”
أخذت قطعة الروح الزرقاء خطوة إلى المثلث الأبيض: (Y3) قائلاً:
“تفعيل المهارة، أنفق ثلاث نجوم سوداء لدعم الإصبع الأبيض حتى تنتهي الدقيقة”.
حرك الرجل ذو الشارب الشائك إصبع الملك الذهبي، قائلاً: “تفعيل المهارة، أنفق ثلاث نجوم لصنع درع حول الشيطان الأحمر لمدة دقيقة”.
رفعت رأسي نحوه وقلت:
“لماذا تحمي الشيطان أيها البشري؟”
نظر إلي للحظة بينما ينادي أحد الجنود من خلف بوابة القصر:
“حان موعد الجولة الثالثة”.
ثم نهض وسار بقدمه النازفة:
“يمكنك أن تحمي ما تريد عندما تفقد يداك”.
قال ذلك وهو ينظر إلى الأسفل.
“أهذا ما تؤمن به؟”
توقف ونظر نحوي من فوق كتفه المائل، ثم قال بابتسامة طفيفة:
“عندما يصبح الحكيم كالدمية التي فقدت صانعها لتسلي الآخرين…”
أكمل السير بينما الجنود يصرخون من خلف القصر، وأردف: “يجب أن أؤمن بيديَّ أيضاً”.
كانت هذه الجملة كالزلزال في داخلي لثانية طويلة، قبل أن أسأله: “هل لديك ابن؟”
لم يقل الشارب الشائك شيئاً حتى فتح بكي وفري البوابة له. توقف عندها قبل أن يخطو الخطوة الأخيرة وقال:
“ستعلم ذلك بطبيعة الحال… ولكن، هناك جوهرة ستأتي قريباً، فلتحفظها آمنة من أجلي…”
|بوابة الحاضر.. يسرد فيها طاهر…|
كانت تلك القصة تدور في رأسي بينما أحرك القطع في نسيج واحد، وأنا بالفراغ بين ضلوعي.
كل شيء أملكه في صغري، لا قيمة له أمام هذه بعد الآن.
ما الذي كان يحدث بحق الله يا أبي؟!!
رفعت رأسي بعدما فكرت في ذلك، ونظرت إلى إصبع الملاك الأسود، ثم قلت بصوت منخفض:
“أيها الناسك، أمات والدي؟”
صمت لوهلة، ثم قال وهو ينهض من المقعد الذي أخذ ينخفض: “طاهر، أليس كذلك؟”
ارتعش جسدي ونظرت إليه دون أن أتحدث. صفق، ثم شبك يديه خلف ظهره، وقال: “عندما كان والدك نائماً، كان ينادي إسك كثيراً”.
اقترب خطوة نحونا وتباين من بين الظلال أسود وأبيض. “نعم يا سيدي”.
“خذاه إلى القصر الملكي”.
ثم أمال بجسده نحوي فيما يقول فري وبكي سوياً:
“أيها المختار، تفضل معنا من فضلك”.
نهضت وأخذت أسير، ثم توقفت ونظرت إليه:
“ما هي تلك الجوهرة؟”
فقال وهو يضم يديه بهدوء أمام صدره: “ستعلم ذلك، إن أتيت إلى هنا مجدداً، ولكن…” في هذه اللحظة عم صمت ثقيل وكأني تحت تهديد ووعيد.
أردف بصوته الهادئ:
“لا أريد أن أرى غلاك تأتي إلى هنا…”
اشتدت قبضتاي حتى شعرت بأني أريد تمزيق فمه.
التفت وأكملت سيري رفقة فري وبكي حتى كدنا نخرج من القصر بينما أفكر: عندما أخرج ملاك من هنا، فلن تراني مرة أخرى!
التفت نحو الدرج “انتظراني قليلاً.” توجهت إلى الحجرة بينما ينحني الخادمان ويقولان: “حسناً”.
بدأت أصعد على الدرج وأتساءل في جوفي:
أيمكن أن والديَّ قد ماتا إثر هذه اللعبة، ولم يكن موتهما طبيعياً؟!
ما الذي كانت تريد قوله يا أبي؟!
ظللت أفكر حتى وصلت. طرقت باب الحجرة، ثم دخلت. صعدت على الدرج حتى رأيت ملاك تغوص في نوم عميق فوق ذلك اللحاف الأحمر.
كنت كفراشة تستريح على وردة جوري حمراء، وتنتظر شروق الشمس. تفوح منها رائحة مريحة ليست مثلما أجده في هذا المكان.
إنها كالمسك، تحمل شيئاً من الوقار والسكينة.
نزلت بهدوء على الأرضية وأخذت أسير بخطوات خفيفة. خرجت من الحجرة وأقفلت الباب، ثم عدت أدراجي وأنا أقول في جوفي:
لن ينسى الله امرأة وصلته في أحلك الظروف، ولن أنسى وعدي لكِ ما دام دمي يسري في عروقي…
عدت إلى الخادمان وقد فتح كل واحد منهما طرفاً من البوابة: “تفضل أيها المختار”.
|عاد السيد إيسكا ليروي الآن…|
“وهذا ما كان يحدث كما تريان، دعوني أغير المشهد…”
ما بال هذا القارئ يدقق في يدي، ما الذي يدور في رأسه ماذا بحقك؟! لولا وجود القارئة هنا، لجعلته يدرك معنى الانتحار… الانتحار؟!
|القارئ يتحدث: “أيها السيد إيسكا…”|
“اصمت!”
يا له من مزعج، لماذا لا يتوقف عن السؤال طوال الوقت؟! ولكن هذا لا يهمني الآن، كل ما يهمني هو: ما الذي يشعره المنتحرون غالباً. هل الأمر يقتصر على الألم فحسب؟
على سبيل المثال: عند السقوط من قمة جبل مرتفعة، فسيصطدم الجسد بشيء صلب، صلب للغاية يا ويلي!
إن تخيل ذلك فقط، يجعلني أشعر بضحكة تنبثق عبر أنفي. لماذا يعشق البعض ممارسة الانتحار بدلاً عن ممارسة الجنس؟! أيمكن أنهم لا يملكون المال لفعل ذلك؟ انتظر، إذاً، أيمكن القول أن المنتحرين هم غالباً من العزاب والمطلقات، أو حتى الأرامل… يبدو منطقياً!.
ولكن، ما الذي يجعلهم يلجؤون إلى مثل هذه الطرق المؤلمة، فالاصطدام قد يولد صدمة موجعة للجسد، مؤلمة لدرجة لا يمكن تخيلها إلا عند التجربة. وبما أن الجسد قد هلك حتماً، فلا يمكن للروح أن تبقى هناك.
ولكن، كيف يمكن أن تخرج قطناً رقيقاً من داخل كومة لحم وعظم متشابك. ستتمزق الروح بالتأكيد قبل أن تنفذ منه إلى الخارج.
كيف ستكون تلك الآلام أيضاً؟!
بل أين سيكون صاحب الجسد عندما ينفصلان…؟ حسناً سيكون الجسد ميتاً عندها، يجب أن يكون وعيه رفقة روحه لا العقل.
وبطبيعة الحال، جميع ما سبق، سيقودك إلى رحلة نحو بوابة واحدة…
(بوابة الموت)
عندما يلج المرء داخلها، ترى، ما الذي سيحدث بعد ذلك؟ ما الذي سيحدث عندما يعبث مؤتمن بملكية المبدع.
كيف يمكن أن يقابله! أيكون هنالك عقاب أو…
“اخرس أيها القارئ الل…!”
|سيد إيسكا، إنها القارئة…|
“ماذا، القارئة؟”
|القارئة تعيد: “أيها السيد إيسكا، أيمكننا مشاهدة أميرة؟ إنني قلقة عليها.”|
“حسناً بما أنك تريدين ذلك، فلنشاهد الآن ما يحدث مع أميرة، وكيف ستروي هذا المشهد…”
خالد، هو ابني الوحيد الذي لم أره منذ انفصالي عن حيدر. يوم ويومين، حتى انقضى الشهر، ولم أعد أشعر بنفسي دونه.
الجميع من حولي يبتعد عني، وكلما أريده هي نظرة متفهمة. في هذه اللحظة، أجابني صوت بداخلي:
أنتِ تعرفين السبب في كل هذه الآلام، لماذا لا تحلين عقدة الشر عن رقبتك؟! قلت له وأنا أشعر بقلبي يحرقني:
لا، لا، لن أفعل… أنا لا أحبه، ولكنه يمتلك عائلة، إنه يمتلك غلاك، كما أمتلك خالد!
فراح يقول: ماذا عن ملاك، لماذا لا تحاولين التخلص منها، هي السبب في كل ما حدث لغلاك، حتى أنها لم تهتم بها عندما سقطت على الأرض.
قبضت على يدي وأجبته: لماذا تأمرني أن أفعل هذا، بل من أنت؟!
في هذه اللحظة تحدثت أختي الكبرى رحمة وهي تقود السيارة: “استمعي إلي جيداً…” نظرت في المرآة العلوية نحوي وأكملت:
“إن علمت مرة أخرى أنك قد تحدثتِ إلى حيدر، فسأقوم بإخبار بابا؟!”
ارتعش جسدي وكدت أختنق فيما ذلك الصوت يصرخ داخلي: ما الذي تقوله أختك ماذا بحقك، أخبريها أن هذا ليس من شأنها الآن!
“هذا.. هذا ليس من شأنك!”
وبدون أن أشعر، قلتها لأختي.
التفت نحوي، كبحت المكابح حتى كدت أصطدم بمقعدها.
“ما الذي قلتِه؟!”
في هذه اللحظة، لم أستطع إلا أن أصرخ بينما أعتدل:
“أنا لا أعلم… أنتِ تكرهينني، أنتِ من أخبر بابا أن يزوجني إلى طاهر، لقد دمرتِ حياتي!”
حاولت فتح الباب. اندفعت يدها وضغطت زراً أسود لينغلق الباب الذي بجانبي. نظرت إلي من خلف كتف المقعد، تقول:
“أميرة، استمعي إلي جيداً. لقد كنت قلقة عل…”
قاطعتها بصرخة: “لماذا لا تقلقين لنفسك، لقد بلغتِ الثامنة والثلاثين بالفعل…” ضربت مقعدها وأنا أبكي:
“توقفي عن محاضرتي واهتمي بشؤونك فقط…!”
في هذه اللحظة، لم أكن أدرك ما كنت أقوله بالفعل.
كانت كلماتي تنطلق من فمي نحوها، ولم أتوقف، حتى عندما كانت عيناها تذرفان الدموع.
وبعدما أخرجت ما بداخلي، أدرت رأسي بشهيق نحو النافذة، بينما هي تنظر إلي بعين ممتلئة بالدموع…
التفت وفتحت قفل بابي، وبدأت تقود السيارة حتى باب منزل طاهر. فتحت الباب وخرجت من السيارة، ثم دفعته وسرت لأذهب إلى المنزل…
في الداخل، جلست فوق السرير، ونزعت الطرحة والنقاب ورميتهما جانباً. انكب شعري على وجهي وظهري، بينما تجري دموعي على وجنتي.
حجبت وجهي بيديَّ وأنا أهمس:
“رحمة، أنا آسفة… هذا من أجل مصلحتي ومصلحتك!”
وبينما ينبثق ذلك الصوت العميق في داخلي ويضحك… صرخت وأنا أنظر إلى حجري:
“أصمت! أنت السبب في كل شيء، ابتعد عني لا أريدك، ابتعد…!”
|صوت السيد إيسكا… يروي…|
في نفس الوقت الذي كانت تصرخ فيه أميرة داخل الحجرة، كان حيدر بين الأعشاب الجافة الطويلة، يلصق أذنه بجحر في الأرض فيما تقف خطوة أحد المزارعين بجانبه. نظر إليه وابتسم، قائلاً:
“حان الوقت للزراعة…!”
يتبع…
إشترك في عضوية VIP - بدون إعلانات
إشتراكك و دعمك للموقع يساعدنا في إستمرار و بناء تطبيق للهاتف
تخلص من الإعلانات المزعجة واحصل على وصول أسرع للفصول وميزات VIP للتعليقات ووضع التركيز والكثير من المزايا.
إشترك في VIP - بدون إعلانات -ندعم بيبال عملات رقمية و فيزا وكل الوسائل
اشتراك في العضوية VIP في Patreonبالفيزا أو الماستر كارت
اشترك في العضوية و إدعمنا VIP عبر Ko-fiعند اشتراكك أو دعمك للموقع لا تنس أن ترسل لنا اسم حسابك لتفعيل VIP.
التعليقات
Comments for chapter "الفصل 16"
MANGA DISCUSSION