الفصل 15 - رملة البحر.
في مشفى النور الذي سكنه الهدوء…
كان الأطباء ذوو الثياب البيضاء يسيرون بخطوات متعجلة نحو الردهة من كلا الممرين، لا يتخلى أحد
منهم عن نظرة سريعة لحيدر أو أميرة.
كانا يجلسان بجوار بعضهما على ذلك المقعد الصلب في صمت طويل. همهم حيدر بصوت مسموع فيما ينظر إلى الأطباء وهم يجتمعون خلف الباب يهمس بعضهم إلى بعض: “لقد مر وقت طويل…”
قال ذلك وهو يعتدل على ظهر المقعد وهو ينظر نحوها من ركن عينيه، وأردف:
“أليس كذلك؟” كانت أميرة تنظر إليه ويدها متشابكتان بين قدميها.
تحاول أن تقول شيئاً يصعب عليها لفظه.
وضع حيدر ذراعه على طرف المقعد، ثم حرك سبابة يده اليسرى بـ”لا” قبل أن يقول: “لا يمكنك رؤيته.”
رفعت أميرة رأسها بعد سماع تلك الكلمة، ونظرت إليه من خلف دموعها بينما يكمل:
“لقد ذهب لزيارة جده. وعند عودته سيخلد إلى النوم قبل أن يذهب إلى المدرسة.”
قالت له حبيبتي أميرة والغصة تخنقها من عنقها:
“أيمكنني أن أذهب إلى بيت والدي إذاً قبل أن يعود؟”
لوح حيدر الملعون هذا بسبابة يده اليسرى مرة أخرى فيما يداعب طرف شاربه القذر باليد الثانية، دون أن تهتم عيناه إلا بمركبة البنت.. لي.
نظرت أميرة إلى قبضتيها المرتعشتين بصوت:
“لقد اشتقت…”
قاطع حيدر صوتها المتخبط: “يكفي”.
نهض بينما هي تنظر إليه وقد خطّت الدموع على طرفي نقابها.
“لم آتِ إلى هنا من أجل هذا. ابني خالد قد أصبح رجلاً. إنه يستطيع رعاية غلاك في بيته.”
أمال رأسه نحوها وقد احتدت عيناه بابتسامة طفيفة:
“وبما أنها قد غدت يتيمة الآن… ألا ترين أن هذا الأمر هو الخيار الأمثل؟”
نهضت أميرة وقالت بصوت يحتد: “غلاك ليس بخير…” أدخل سبابته في أذنه وأخذ ينظف بينما أميرة تتكلم وصوتها تقطعه العبرة:
“أيمكنني.. رؤيته بعد ذلك؟”
التف حيدر نحوها بغضب:
“لا يريد رؤيتك، ألا تفهمين؟!”
رفع سبابته القذرة وهو ينقرها نحوها.
” أنتِ من قمتِ بتركه أولاً، والآن تريدين العودة إليه”.
كان يقول ذلك بكل حقد وكأنه لا يشير إلى طفل، بل إلى شخص بالغ. اقتربت أميرة منه وهي تهز رأسها بـ: “لا” حتى وقفت أمامه على نحو شبرين، وقالت:
“أقسم لك، أنا فقط كنت..”
في هذه اللحظة دفعت امرأة باب المشفى الخشبي الثقيل، وأخذت تسير كأنما تهرول من بين الأطباء المبتعدين عنها بانحناءة طفيفة أو ابتسامة وترحيب.
خمارها الأسود يتطاير على الأرض من حولها، وعيناها العاطفيتان مصوبتان نحو هدف واحد. ذلك الحقير الذي تصيح أمامه أميرة وتقول بصوتها المجروح:
“أرجوك، لا يمكنني العيش من دونه، سأفعل…”
في تلك اللحظة، ارتسمت ابتسامة من طرف واحد على وجهه، وعلى ذلك الطرف بالتحديد، أمالت برأسه صفعة.
صفعة دوى صوتها في المكان داخل المشفى.
سقط ذاك اللعين على الأرض. ينظر إلى ذات الخمار في جمود.
كان يبدو وكأنه قد نسي حليب أمه، بل تساءل للحظة:
من أنا. ويوهاهاهاها نعم! ابتسم أيها القارئ، فأبناء جنسك من يصنعون الكثير من هذا…
تباً لقد نسيت شيئاً مهماً.
إن تدخل القارئة في هذا المشهد سيغير الكثير من الأحداث.
بدأ الأمر يصبح غير مريح بالنسبة لي.
على كل حال.
بعدما زال تأثير الصفعة عن وجهه، يريد أن ينهض، ليبصر أميرة من بين طبيبتين تمسكانها من ذراعيها، وهي تحاول التهجم على ذات الخمار التي تركض.
“تعالي إلى هنا!” كانت أميرة تصرخ بينما الطبيب من داخل حجرة عمليات غلاك يفتح الباب ويخرج، ثم تبعته الطبيبة أم عامر وهي تقول:
“لا حول ولا قوة إلا بالله”.
لقد أحسنت القارئة فعلاً. إنها تستحق… أين دبلتي الذهبية.
احم، يبدو أنني قد تحمست قليلاً، لا تقلق أيها القارئ.. حسناً، دع ذلك الشيء جانباً من فضلك.
أيضاً، استمع إلي جيداً، عندما تعود القارئة، اسرد لها الأحداث التالية بكل دقة. على الرغم أنك غير مؤهل لهذا الأمر، إلا أنني مضطر لذلك.
أيضاً، يمكنك أن تضيف بعض البهارات إن أصبح طعمها مراً، اجعل من الجثة لذيذة قدر ما تستطيع!
“نجمة المعرفة”.
—————
|أهلاً يا سيدي…|
—————-
“توجهي إلى جبل المزرعة فوراً بعد أن تصعد القارئة، يمكنك إرشاد القارئ الآن ومساعدته…”
|حسناً سيد إيسكا… سيبدأ القارئ بالسرد الآن…|
لقد خرج من السيارة عندما أتيتِ أيتها القارئة، لماذا أنتِ سعيدة هكذا؟
|القارئة وهي تشد قبضتيها بسعادة: “لقد فعلتها!”|
|بدأت السيارة تتحرك كما أمر السيد…|
حسناً، انظري هناك، داخل المشفى، يبدو أن الطبيبة رحمة قد أتت أيضاً.
|القارئة وهي تميل قليلاً وتنظر نحو مقعد السائق: “ولكن أين السيد إيسكا؟”|
هل ترين دورة المياه خلف ذلك المسجد؟
|التفتت القارئة: “نعم؟”|
رأيته يدخل إلى هناك، وكان يتلفت كثيراً قبل أن يفعل ذلك.
|القارئة تجيبه: “لا تقلق، يبدو طيب القلب”.|
الملهم التائه هذا تقصدين حقاً؟
|القارئة بابتسامة خلف الخمار: “نعم، إنه لطيف”.|
حسناً، انظري إلى الشاشة. حيدر وهو يغادر المشفى بينما أميرة تصرخ دون اهتمام منه.
|القارئة تقول: “ستهتم الطبيبة رحمة بالأمر، انتظر قليلاً”.|
لا أعلم كيف علمتِ بذلك، ولكن ها هي الطبيبة رحمة تأخذها بالفعل إلى حجرة منفصلة. لقد دفعتها حتى سقطت على أحد الأسرّة، استمعي إليها جيداً:
“حيدر… هل جُننتِ!”
انظري إلى أميرة، إنها تبكي.
|القارئة تقول بصوت منخفض:
“يا إلهي، توقفي عن دفعها”.|
يبدو أن الطبيبة رحمة ستضربها أيضاً، ولكن ماذا قالت؟
|القارئة تضم يديها لتجيبه: “إنها تقول إن أميرة ستجلب لهم العار. انظر، لولا أن الطبيبة الملتزمة أوقفتها، لقامت بصفعها أيضاً”.|
|بناءً على أمر السيد إيسكا، لقد وصلتُ إلى الموقع… وستدخل المركبة في وضع الانتظار…|
|القارئة تصرخ: “لا، دعيني أرى ما الذي سيحدث!”|
لقد تأخر الملهم التائه كثيراً، ترى ما الذي يخطط له… ماذا، منذ متى وهو يقف خلف حقيبة السيارة؟!
ما الذي وضعه هناك يا ترى؟! لا يمكنني الوثوق بهذا الرجل وما يقوله بتاتاً. يجب أن تتوخى القارئة حذرها منه كذلك…
|الخروج من وضعية السكون وتشغيل الطاقة… السيد العظيم إيسكا قد حضر وها
هو يسرد الآن…|
“أيها السيد إيسكا، لقد تأخرت كثيراً، أين ذهبت؟؟”
لماذا تسألني عن هذا الآن؟! لا يمكنني أن أخبرها أنني ذهبت لقضاء حاجتي أبداً. هذه العادة البشرية
ال#**#
“حسناً، لقد ذهبت لأصلي الضحى…”
نجمة المعرفة.
|أهلاً بك يا سيدي…|
أظهري لنا ما الذي يفعله طاهر في هذه اللحظة.
——————————————–
|أمرك يا سيدي…(بوابة عالم الغيبيات) في أرض الجان. كان طاهر يسرد…|
——————————————–
بعدما بادرني الناسك بسؤالٍ وجيه: “هل أنت ابن النزيل السابق؟” حتى رددت عليه في لحظتها:
“من يكون؟”
عندها، أنزل رأسه وهمهم طويلاً كأنما فتح أمامه
(بوابة الماضي) ليبحر فيها.
أمامي، ضم كفيه على المائدة وقال:
“إنها صدفة… صدفة محكمة.”
ثم رفع رأسه بثقل ونطق بصوت منخفض، كأنما سر لا يريد لأذنيه أن تبتلا به، بينما يغرق في ظلامات قلبه البارد:
“لقد بدأ كل شيء…”
بدأ يحكي لي:
بعدما خطوت بالعدل على كل أرض في هذا العالم، وعدلتها عن الظلم والجهل والتخريب… توجهت نحو غار الثور الأبيض، شمال مملكة النور الذهبي. وعزمت الانعزال هناك للعيش في سلام صنعته بيدي هاتين.
ولكن عندما كنت أسير في عرض الصحراء الشمالية، مرت قافلة بشرية من تحت ظلي، فسمعتهم يهمسون داخل عرباتهم المحجوبة برداء أسود:
“هل الجزيرة البشرية تقبع في جنوب مملكة النور الذهبي حقاً…”
“نعم إنها هناك.”.
“لكن، ماذا سيحدث إن اكتشفونا قبل أن نستقل القوارب العائمة؟!”
قال شخص ثالث:
“بل، حتى وإن اختبأنا في رملة البحر، لن يتركونا نعيش بسلام أبداً!”
توقفت للحظة وقلت في جوفي: لن تعيشوا بسلام؟
بدأ دمي يغلي غضباً، ولن يهدأ دخانه حتى أخطو على تلك الأرض أيضاً.
“بما أن الشروق لم يضئ الأرض كلها، فلن يزيدها الغروب إلا ظلمةً في الليل”.
ليلة وليلتان وثلاث، سار الحكيم سول من بين الوديان الحمراء، والجبال المنتصبة في هاويات الأرض، حتى خطا في الليلة الرابعة على ضواحي شاطئ
(البحر الأزرق الجنوبي).
توقفت القافلة خلف ظلال الجبال المتسلسلة أمام البحر، وخرج البشر بجلابيبهم السوداء واحداً خلف الآخر.
شدوا القلانس حول رؤوسهم بالحبال الصفراء، ثم بدأوا يسيرون من صدع يكفي لمرور رجل على طرف جسده.
زادني هذا غضباً على غضب.
أكملت السير خلفهم حتى قبالة الميناء، قبل أن يتفرقوا على مجموعات زوجية.
كل فرقة صعدت على قارب مختلف بعدما قدموا مفتاحاً وصندوقاً خشبياً خفيفاً. كنت أنظر إليهم بينما استأجرت أحد القوارب العائمة بعدما قدمت صندوقاً خشبياً ثقيلاً.
انحنى الربان بنظرة محترمة…
أخذنا نبحر فوق سطح مسافة قدم واحدة، وذهبنا إلى تلك الجزيرة بعد مرور ساعة واحدة…
خطوتُ على رمال شاطئها المبتل، بينما أنظر إليهم
يركضون بفرح نحو عائلاتهم، والدموع تنزلق على وجوههم المبتسمة.
أمام كل كوخ من عُشّ، كانوا يشعلون النار ليحتفلوا بمن حالفهم الحظ بالوصول إلى الجزيرة. ولكن ما أثار فضولي في تلك اللحظة، خلف تلك الأكواخ الخشبية المزينة بالورود، كان هنالك جمع غفير أخضر، ينظرون إلى بشر آخرين يشتعلون ناراً.
بشريّ ذو لون أزرق يرتدي تاجاً بنفس اللون أيضاً، يمسك بعصا زرقاء ملتهبٍ رأسها، ويشعل الأعشاش واحدةً تلو الأخرى دون أن يوقفه أحد ممن يرون تلك المأساة.
لم يتوقف، أكمل يلوح في كل مكان، حتى اصطدمت عصاه بعصا بشريّ أخضر. أخذ يدافع عن منزله، الأخير في تلك القرية، ويجاهد دفاعاً عن زوجاته وأبنائه.
وكما رأيتُ، هذا لم يكن يحدث خلف الأعين فقط، بل هنالك من يشاهد في صمت خانق، ومن دونهم بشر ينتظرون: من سيتحدث من بين الحضور، حتى لا يدعوهم أحد للخروج والمناصرة.
لذلك ومن طبعي القديم، لم أكن لأقبل بتلك المهزلة، حتى وإن كان صاحب العصا الزرقاء هو مالك هذه الجزيرة، فلا يملك الأرواح التي دبّت بداخلها.
هرعتُ إليه في تعاطف يسيل على وجهي، وأخذني صوتي بصرخة في وسط ذلك الخنوع صارخاً:
“ابتعد عنه!”
التفت الجميع بمشاعر متخبطة بين الدهشة والفرح نحوي، وكأني ملاك أسود نزل بجناحيه من السماء ليحقق العدالة في الأرض.
عرفني البعض بعدما اقتربتُ، فأصبحوا يهمسون:
“الحكيم العادل، لقد أتى بنفسه لينصرنا!”
ولكن في نفس اللحظة، التقط الحكيم العادل ذاك صرخةً من منزل آخر، تدافع عنه بشرية حمراء، بينما تحاول امرأة أخرى بنفس اللون ترتدي تاجاً بصبغة مماثلة، أن تسرق حقيبتها. في آخر المطاف عندما عجزت عن نزعها، تحاول الآن أن تخرجها من الجزيرة إلى البحر…
صرخت بكلمات مماثلة:
“ابتعدي عنها ودعي الحقيبة”.
ثم أشرت إلى البشر الخضر: أمسكوا بذلك الرجل الأزرق وزوجته الحمراء.
عم الصمت…
الجميع ينظرون إليّ بعين خاوية، وكأنهم حجارة لا تسمع، لا ترى، ولا تتكلم.
من بعد ذلك، انطلقت الهمسات من حولي تطوف كطنين الذباب، تتكثف بزخم، حتى خرج أحدهم من بينهم، شيخ منحنٍ على عصاه البنية:
“أيها البشري الجان، فلتُقْطَع لسانك عن أمرنا… من أنت؟”.
نظرت إليه وقد أخذ الكثير من خلفه يصرخون:
“أنت مجرد وصمة عار على البشرية”.
تقدمت امرأة خضراء بعين لها نفس اللون، تربط شعرها خلف رأسها، وتقول فيما يصرخ الأطفال الحمر والخضر طلباً للنجاة:
“إنها من عرق أحمر، لا يمكنني النظر إليها بعد… لدينا نساء الخضر يبكين الآن!”
صرخت فيها وأنا أشير إليها بإصبعي بينما الدموع تنزلق على وجهها: “ألا ترين أنها تعاني أيضاً؟!”
لوح الشيخ بعصاته في الهواء بـ: لا. ثم قال بينما منزل الأخضر الأخير يحترق:
“لا، ما زلت طفلاً لتتحدث وكأنك تنطق بشكل صحيح… إنها لم تعانِ بنفس القدر، ولا تشبهنا كثيراً…”
ثم غرس عصاته في الأرض:
“إلا أنها بشرية فقط”.
أرخيت رأسي الذي أصابه هدوء بارد من كلماته.
“هل أنا مخطئ لأني نظرت إلى من لا يريدون النظر إليهم؟!”
رفعت رأسي، رأيتهم يبصرونني، لا، بل يحدقون النظر في ذبابة تستحق السحق. لن أنسى ذلك اليوم…
شعرت أن البشر لا يستحقون عدالتي، إنهم يستحقون الصمت.
لذلك، صمت قلبي عن المشاعر ولم ينطق فيما تصرخ المرأة الحمراء، وكأنه أصبح لا يسمع شيئاً. صرخت مرة أخيرة: “أنقذوني..”
فقالوا بسرعة في صوت واحد مرتفع، وكأنهم لا يريدون الاستماع إلى صوتها مرة ثالثة:
“ادعوا لأختنا في البشرية بالرحمة”.
البعض لم يلتفت نحوها للحظة بينما يسقط جسدها رماداً، ومنهم من قال:
“فليدعُ لها الحمر بها إن كانوا مؤمنين”.
في هذه اللحظة وبينما أنظر إليهم في سكون خيّم عليّ، صرخ آخرون غضباً وهم يشيرون نحوي:
“إنه متعاون مع الدخلاء، لا تصغوا لهذا الخائن اللعين!”
خائن تقولون؟؟ كم أنتم بشر حقاً… أيها البشر، هل أنا من اكتفى بالدعاء فقط؟ أم أنا من ينظر للآخرين من فوق عرقه، وما دونه أخوة في البشرية فحسب؟
وهذا ليس كل شيء. فإن كنت لا تتحدث مثلي، أو ترتدي لوني… فأنت مجرد جسد عارٍ وغير مثير لي قليلاً.
كنت أفكر في زفير طويل ساخن، أخذ يبرد…
“أليسوا بشراً مثلكم؟” قلتها دون أن أشعر.
صمتوا لوهلة ينظرون إلى بعضهم، ثم توجه شيخهم نحوي بكل كلمةٍ: “ربما…”
أمال رأسه ونظر للخلف:
“إن من تدعونه بالحكيم، لا يبدو لي إلا مدعياً للحكمة.”
رفع يده ونظر للطرف الآخر وراءه:
“هذا المخلوق، ليس سوى نصفي، إنه ليس مثلنا، إنه غريب…”
وبينما يتحدث ذلك الشيخ، ابتسمت بمرارة على وجهي وأخذت أفكر:
على الرغم من تعاطفي مع أصحاب المنازل الخضراء، إلا أن البشر لن يتعاطفوا معك إن نظرت إلى منزلٍ، لم يصوّت الجميع بالنظر إليه بعد. وبما أنني لست إلا نصف بشري، فأنا لست أهل حق للكلام بعد…
لكن، إن أشار بشري من عرق متفوق في نظرهم. عندها فقط، سينظرون إلى منزلك وهم يبكون بحرقة، على خلاف صمتهم تحت صرخات طفل، وامرأة، ورجل، يحترق.
بعد تلك الليلة المظلمة، عدت إلى منزلي في مملكة النور الذهبي. حزمت كل ما أريده لرحلة طويلة، وتوجهت نحو مملكة الروح الزرقاء هذه، بعدما قرأت في أحد الكتب عن قصر منعزل في أرض الجان، يدعى بالحصن المهجور…
بعد مرور ثلاثة أيام كاملة فوق ظهر الثور الأسود، وصلت إلى هذا المكان، ولم أجد فيه سوى الظلام. هذا ما كنت أريده في ذلك الحين.
كنت أريد الابتعاد عن كل مخلوق قدر الإمكان، وأن أعتزل حتى النهاية في هذا القصر المظلم.
ولكن بعد مرور ألف سنة ثقيلة بالصمت، لم أتلفظ فيها بحرف واحد، غزا أحد الملوك المجاورين هذه المملكة، ولم يُبقِ على أحدٍ صامتاً، إلا وقد جثا على ركبتيه ونطق بالطاعة، أو ستطوله تلك المجازر على طول الطريق.
ولو علم بوجودي في هذه الأرض، لما توانى عن جعلي أجثو على ركبتي أنا الآخر.
وبعد عدة مذابح بلغ صيتها الشرق والغرب، اتحدت الممالك الأربع في قارة (الظلام القديم والنور الخالد) هذه، وقرروا محاربة هذا الملك الذي قد عقد أطرافه بالفعل في جذور هذه الأرض العميقة، بعدما نزع السلالة الحاكمة عنها.
في خضم تلك المعارك العنيفة على ضفاف الممالك كلها، لم تكن أصوات المدافع المدوية تُسمع، بل ويهتز منها القصر من تحتي… لم أكن أصغي سوى لوصيتي في الداخل:
“من أنا؟”
في تلك اللحظة، اخترقت السقف قذيفة مشحوذة بالطاقة، كنت أنظر إليها من خلف المائدة وأفكر في ثانية بطيئة: لماذا أنا؟
انفجار!
اخترقت عيني شظايا صلبة، واهتز كل شيء من حولي وسقطت أجزاء من القصر. أخذت كُمَّ ثوبي ومسحت به عينيَّ، ثم أخذت الإبريق هذا وصببت القهوة الساخنة في داخل الكوب الذي أمامك.
“هذا مؤلم…”
قلت ذلك، ثم وضعت الإبريق وأنا أشعر بحرارة النار من حولي ترتفع رويداً رويداً. في هذه اللحظة، أخذت تقترب خطوات سريعة من الخارج، ثم اختفت فجأة.
التفتُّ نحو باب القصر، ثم نهضتُ من بين النيران المشتعلة وأخذتُ أسير حتى ألصقتُ أذني بظهر البوابة.
كان هنالك طفلان يبكيان بحرقة، وكأنهما قد أصيبا بالفعل من تلك الضربة.
فتحتُ وجهاً واحداً من البوابة، وما إن خطوتُ للخارج، حتى وجدتُ الكثير من الأعين تنظر إليَّ في انكسار. بدأوا يهمسون:
“إنه الحكيم العادل من مملكة النور الذهبي، أيستطيع إيقاف الحرب؟!”
“نعم، لكنني لا أشعر أنه سيفعل ذلك… لأننا…”
“اصمت…” قالها شيخ من بينهم بابتسامة، ثم أردف وهو يغرس عصاه البنية في الأرض: “لا تقلقوا، بما أن دماء البشر تجري في عروقه، فلن يقطع يده عنا أبداً”.
أخذوا يقتربون نحوي، بعضهم يبكي، والآخر يصرخ: “ابني قد مات!” والأخرى تلف شعرها في ربطة خلف رأسها، تنظر بعينها الخضراء التي تغور في الدموع، وتستنجد بي:
“أرجوك، أنقذنا… ألست بشرياً مثلنا؟!”
أما أنا فقد أقفلتُ البوابة بالفعل وقد قلتُ لهم مسبقاً:
“انصرفوا أيها البشر…”
ذهبتُ إلى مقعدي وجلستُ أفكر كعادتي، وكي تعلم:
“عالمك البشري لن يراك إنساناً قط، إلا عندما يجثو على ركبتيه لتقبيل يدك. حينها، احفظها ثمينة عنهم قدر الإمكان.”
وبعد مرور نصف الشهر، ولا زلتُ في مكاني، لم تتوقف فيه أصوات المدافع، وصرخات الأطفال والنساء، حتى الرجال، يصيحون تحت انفجاراتها في كل مكان. وقد صمتَ البعض عند بوابة القصر بعدما أبعدتُ كتفي عن ذخيرة طاقة انفجرت هناك.
في اليوم الستة عشر، طرق أحدهم باحترام البوابة بهدوء، وقال بصوت حازم ومتزن:
“أيها الحكيم… الملك الموقر يدعوك للامتثال أمامه.”
هذا ما علمتُ به بعدما عدتُ من قصر المحكمة بالفعل.
قبل يوم واحد فقط… جاء الجنود لأخذي إلى إحدى المحاكم الحدودية، وإن لم أفعل، قد يساوون هذا القصر بالأرض.
“إنهم البشر…”
قلت ذلك وأنا أفكر: ألم يموتوا جميعاً بعد ذلك الانفجار؟
لم يكن لدي إلا خيار واحد، لذلك ذهبت تحت حراستهم إلى قصر الملك…
عندما دخلت إلى ساحة القصر المنارة بضوء الشمس الزرقاء، وجدت نفسي في حضرة ثلاثة ملوكٍ بالإضافة إلى هذا الملك الغازي لهذه الأرض.
كانوا يجلسون حول مائدة تحمل طبقاً يشبه جسد هذه القارة، لكنه مقسم إلى عدة قطع أمام كل ملك. رفع ملك مملكة الروح الزرقاء المتغلب يده، وقال بابتسامة عريضة:
“أيها الحكيم… أشكرك على حضورك!”
“أشكرك على الضيافة” قلتها ثم أدرت ظهري للمغادرة قبل أن يطرق المائدة. توقفت للحظة
ثم قلت:
“أنا مجرد ناسك في خرابة”.
أمامي، أقفل الأربعة حراس بوابة القصر.
نظرت من طرف عيني للخلف. الملك يلف كفه ويقول:
“من المبكر الرحيل أيها الحكيم، لماذا لا
نتحدث قليلاً، يمكنك الوقوف على قدميك…”
أنزل يده أسفل المائدة ورفع سلة ذهبية بداخلها التوأمان اللذان رأيتهما بالأمس. لقد كنت محقاً، تحدثت في نفسي فيما أنظر إليه وهو يردف:
“يمكنك الذهاب، ولكن…”
حرك يده نحو أحد الملوك الأربعة، يجلس تحت ظل أحد الأعمدة: “الملك موهانسو-سلوبو-دانزو-بابان داي… سيكون ممتناً لي للغاية، أليس كذلك!”
انبثقت ضحكة طفولية من خلف ذلك الظل، وسقطت مصاصة ذهبية على المائدة. سرت مغادراً من القصر، وعدت إلى قصر هذا…
دخلت إلى الحجرة في الطابق الأول. أخذت صندوقاً أسود من فوق الطاولة المرادفة للباب. كان في داخله اللوح النجمي، والأصابع كلها حتى النرد، دون الكتاب الأسود. وبعد مرور ثلاثة أيام،
عدت إليهم في القصر، وضعت اللوح النجمي المذهب فوق الطاولة، وكذلك بقية القطع.
“اللوح النجمي، يعتمد على الموارد، النجوم السوداء تعادل اثنتين من النجوم البيضاء…”
بعدما قلت لهم هذه القواعد الثنائية، أردفت أخيراً:
“بناءً على ذلك، سيتم تتويج الممالك في هذه القارة… صادقوا على ذلك بدمائكم على البلاط القديم… من فضلكم”.
هز الملك المتغلب رأسه وهو يقول: “هذا أكثر مما كنت أريد… تلك الحشرات الناطقة اللعينة، يجب عليهم أن يصمتوا تحت خطواتي القادمة إليهم!”
خرجت من داخل القصر بينما ضحكات ملاكين من الأربعة تصدح في كل مكان.
عدت إلى القصر وأنا أحمل السلة الذهبية في يد، وفي اليد الثانية الإصبع الرمادي، الذي سيحمله الحكم المختار من إحدى الممالك لمدة قرن من الزمن.
وضعت السلة فوق الطاولة النجمية واسترحت على مقعدي المعتاد. أخذت أفكر بينما أضع الإصبع الذي في يدي وسط الجوهرة:
لا بد للعدالة أن تسود يوماً، ولا بد للعادل أن يُسأل أيضاً. في يومٍ لا تظله عدالته عن السؤال، ولا يغنيه عدله عن الحساب… ولكن، من سيفعل ذلك؟
لم يجبني أحد إلا صوت الطفلين يبكيان معاً أو يضحكان. نهضت وحملت كل واحد منهما بيد.
“بما أنك أسود اللون، سيكون اسمك ‘بكي’ أما أنت أيها الأبيض، فستكون ‘فَري”.
من ذلك الوقت، قسمت وقتي بينهما، وربيتهما تحت سقف المساواة.
بعد مرور خمسين سنة… كبر الطفلان وأصبحا فتيين ناضجين. وأصبح كل واحد منهما يتفانى في خدمتي والإنصياع لأوامري.
“سيدي لقد سمعت من قائد الحراس فالكور، أن هناك ملكاً بشرياً أُسر من مكان ما، وقد انتهى به المطاف بخسارة الجولة الأولى.”
قالها فري وهو يقف على شمالي.
هززت رأسي بينما يقول بكي أيضاً:
“ولكن يا سيدي، لماذا سيخوضون في هذه اللعبة بشري؟”
وجهت وجهي إليه، ثم إلى الآخر وقلت:
“أنتما مجرد أبيض وأسود، لا يعنيكما الأمر”.
انحنيا ونطقا سوياً:
“سمعاً وطاعة يا سيدي”.
في هذه اللحظة، طُرقت البوابة بقوة. ركض أبيض نحوه وكأنه كان ينتظر ذلك، ثم تبعه أسود أيضاً.
فتح أبيض وجه البوابة ليقولا سوياً:
“مرحباً بك في قصر الناسك!”
نظر إليهما الرجل وهو يسير بترنح، ويبدو على وجهه الأزرق التعب والغضب. رفع رأسه بعين قد احتدت، ونظر إلى أسود، ثم أبيض: “أين هو ماذا بحقك!”
يتبع…
إشترك في عضوية VIP - بدون إعلانات
إشتراكك و دعمك للموقع يساعدنا في إستمرار و بناء تطبيق للهاتف
تخلص من الإعلانات المزعجة واحصل على وصول أسرع للفصول وميزات VIP للتعليقات ووضع التركيز والكثير من المزايا.
إشترك في VIP - بدون إعلانات -ندعم بيبال عملات رقمية و فيزا وكل الوسائل
اشتراك في العضوية VIP في Patreonبالفيزا أو الماستر كارت
اشترك في العضوية و إدعمنا VIP عبر Ko-fiعند اشتراكك أو دعمك للموقع لا تنس أن ترسل لنا اسم حسابك لتفعيل VIP.
التعليقات
Comments for chapter "الفصل 15"
MANGA DISCUSSION