⬇️
تحميل PDF
متوفر الآن
Report a problem
الفصل 255
حبست ثاليا أنفاسها رغم أنها كانت تؤمن بذلك طوال الوقت فإن سماع تلك الكلمات تخرج من فم شخص آخر أثار في داخلها شعورًا لا يمكن وصفه
مسحت المرأة الدموع من على خدي ثاليا برفق ثم تابعت بحذر:
“هل تتذكرين القصة التي أخبرتك بها من قبل؟”
“هل تقصدين القصة التي تقول ان الطفل الذي يموت قبل تلقى التعميد يولد من جديد على هيئة حيوان؟ “
ارتسمت ابتسامة رقيقة على شفتي تيوران
“في الواقع، سواء تم تعميدهم أم لا، هذا لا يهم. لقد تناقل الناس هذه القصة في الشرق منذ زمن طويل جدا قبل انتشار الكنيسة الإمبراطورية في جميع أنحاء البلاد.”
انزلقت نظرة ثاليا إلى الذئب الذي رفع اذنيه وهو ينظر إليها
“كان القدماء في الشرق يعتقدون أن أولئك الذين لقوا حتفهم في ظروف مأساوية سيولدون من جديد فى هيئة حيوانات ويعودون لرؤية الأشخاص الذين أحبوهم في الحياة.”
“ربما افتقد “كان” سموكم كثيرًا لدرجة أنه استعار جسد وحش وعاد إليكم.”
“هل تظنين ذلك حقا ؟”
أومأت تيوران ببطء .
“أؤمن أن لكل لقاء في هذا العالم سببًا عندما كانت سموك تعانى من ألم الفقد فلابد أن هناك سببًا جعل “كان” يأتي إلى جانبك فى ذلك الوقت”
نظرت ثاليا إلى “كان” بعينين تفيضان بالدموع
وكما لو أنه لم يكن مستاء منها على الإطلاق لإيذائها له نظر الذئب إليها بنفس المودة الثابتة
شعرت ثاليا بشيء كان مغروسًا في قلبها لفترة طويلة يذوب أخيراً تحت ذلك الإخلاص الأعمى فاحتضنته بحرص ودفنت خدها المبلل في فرائه الدافئ والناعم
وانفجرت شهقات بكاءها التي كانت تكتمها دفعة واحدة . راقبتها المعالجة بهدوء قبل أن تربت على ظهرها برفق
منذ ذلك اليوم كلما أخذت ثاليا “كان “في نزهة كانت تصطحب تيوران معها وأحيانًا كانتا تمضيان فترة ما بعد الظهر كاملة في المطبخ تتحدثان أثناء إعداد الطعام وفى أحيان أخرى كانت ثاليا تتبع تيوران الى كوخها تراقبها وهي تخلط المكونات الطبية أو تساعدها في فرز الأعشاب وتحضيرها
على الرغم من أن الناس ينظرون إليها بازدراء لكونها دوقة الشرق الكبري ، وهي تكرّس نفسها للاعمال التى يقوم بها الخدم ولكونها تقضي كل وقتها مع معالج عادي إلا أن ثاليا لم تُبالي بالهمسات والثرثرات خلف ظهرها ، ففرحة العثور أخيرًا على شخص يفهمها حقا . كانت أهم من أي شيء آخر .
“ما رأيك في الانتقال إلى القصر الرئيسي ؟ سأجهز لك غرفة واسعة خاصة بك.”
جاء الاقتراح فجأة من ثاليا التي كانت مستلقية على سرير تيوران بينما يجلس “كان” إلى جوارها رفعت تيوران رأسها من فوق المكتب الذي كانت تكتب عليه شيئًا في دفترها ونظرت إليها بتعبير محرج
“أنا مرتاحة هنا.”
“لماذا؟ لو جئت الى القصر الرئيسي ستعيشين براحة أكبر بكثير وسأوفر لك اي شيء تحتاجينه “
“حقا لا داعي لذلك”
أغلقت تيوران الكتاب الذي كانت تكتب فيه بابتسامة صغيرة
” هذا الكوخ مليء بذكريات جدتي الراحلة”
“لقد عشت هنا منذ كنت صغيرة جدًا لذا ما لم يكن هناك سبب خاص فلا أرغب في مغادرته “
حدقت ثاليا في وجهها بفضول ثم سألت فجأة:
“وماذا عن والديك؟”
“لقد توفيا بسبب المرض عندما كنت صغيرة جدا.”
أجابت المرأة بهدوء وهي تنهض وتتجه إلى الرف أخذت عدة أعشاب وبدأت تمزجها معًا راقبتها ثاليا بصمت قبل أن تطرح سؤالا لطالما أثار فضولها :
” وماذا عن زوجكِ ؟”
تجمدت يد المرأة التي كانت تطحن الأعشاب للحظة ثم استدارت نحو ثاليا وقالت بابتسامة مريرة
“لم أتزوج قط”
كانت تراود ثاليا شكوك بأن تيوران مثلها قد فقدت طفلا في الماضي . ولكن بعد سماع ما قالته اصبحت ثاليا مرتبكه وعندما رات تيوران هذا الارتباك على وجهها تابعت وكأن الأمر لا يعني شيئا :
“لكن كان هناك شخص وعدني بالزواج”
“هل أخلف وعده؟”
عبست ثاليا وسألت بحدة وعندما رأت تيوران تعبيرها الشرس ضحكت بخفة
“نعم رحل تاركا إياي والطفل الذي كان ينمو في رحمي”
“أخبريني باسم ذلك الوغد سأرسل الجنود خلفه وأجعله يعدم.”
قالت ثاليا بغضب وهي تغلي من شدة الانفعال
“إن أردت سأجعله يركع امامك ويتوسل طلبا للمغفره لقد ساعدتني كثيرًا لذا سأتعامل معه بأي طريقة تريدينها.”
نظرت إليها تيوران بنظرة يصعب وصفها
“ألا ترين أن إنجابي لطفل دون زواج أمر مشين ؟ “
سخرت ثاليا وكأن السؤال سخيف
“هل نسيت أنني ولدت ابنة غير شرعية؟”
“إذا انتقدتك بسبب شيء كهذا فسيكون ذلك كأنني أبصق في وجهي أنا.”
” سموك لست في موضع يسمح للآخرين بازدرائك فوالدك هو جلالة الإمبراطور ووالدتك هي الإمبراطورة.”
“الابنة غير الشرعية تبقى ابنة غير شرعية.”
ظهرت ابتسامة ساخرة على شفتي ثاليا
“بالنسبة لوالدي أنا الدليل الحي على العار الذي لازمه طوال حياته أما والدتي فأنا مجرد أداة انتهت فائدتها.”
“والخدم ليسوا مختلفين أمامي ينحنون وينادونني بالدوقة الكبرى أو الأميرة الإمبراطورية لكنهم خلف ظهري يشيرون إلي بأصابعهم ويصفونني بثمرة علاقة آثمة.”
حين رأت وجه تيوران يزداد قتامة أزالت ثاليا الابتسامة عن وجهها وللحظة شعرت بالحرج وكأنها كشفت الكثير من جروحها الشخصية دون قصد . فغيرت الموضوع بطريقة مبالغ فيها محاولة إخفاء ذلك
” على أي حال أخبريني من يكون ذلك الرجل سأعلقه مقلوبا على المشنقة و-“
لقد مات منذ زمن طويل أيضًا.”
ساد الصمت بعد سماع رد تيوران الهادئ بإبتسامة لطيفة وكأن الأمر لا يستحق الذكر
“لا داعي لأن تصنعي ذلك الوجه كل ذلك حدث منذ وقت طويل جدًا. “
حدقت ثاليا فيها وكأنها تنظر إلى شيء لا يمكن فهمه لم تستطع استيعاب كيف يمكن لشخص فقد والديه والرجل الذي أحبه وحتى طفله أن يظل قادرًا على الابتسام بذلك اللطف .
فعندما فقدت هي طفلها شعرت وكأن عالمها بأكمله قد انهار وحتى الآن كانت هناك لحظات تشتاق فيها إلى الحركات التي كانت تشعر بها داخل رحمها لدرجة تكاد تخنقها فكيف استطاعت هذه المرأة أن تتحمل كل ذلك وتظل محتفظة بعقلها ؟
سألت ثاليا …
“بعد مرور وقت كاف… هل يتوقف الألم؟”
تسبب السؤال المتردد في تلاشي ابتسامة المعالجة الهادئة قليلا وهزت رأسها ببطء
“هناك آلام في هذا العالم لا تختفي أبدًا، مهما مر من الوقت.”
“لكن يمكنني أن أخبركِ بشيء واحد مؤكد.”
“حتى الألم الذي يبدو لا يُطاق يتلاشى شيئًا فشيئًا، عامًا بعد عام. الى ان يأتى يوم يصبح فيه صغيرا . وفي يوم من الأيام ستدركين أنه أصبح شيئًا يمكنكِ تحمله.”
رمشت ثاليا في ذهول وسألت بصوت خافت
“كم من الوقت استغرق ذلك؟”
“وقت طويل جدًا.”
“أرى.”
في تلك اللحظة شعرت ثاليا بملمس دافئ على خدها وعندما أدارت رأسها رأت “كان” يلعق الدموع عن وجهها نظرت بصمت إلى عينيه اللتين بدتا وكأنهما تواسيانها وتتعاطف مع حزنها ثم خفضت رأسها وقبلت وجهه.
في ذلك اليوم عادت ثاليا إلى غرفتها وفتحت مذكراتها كانت قد بدأت بكتابتها على مضض بعد أن اقترحت تيوران أن تدوين أفكارها بصدق قد يساعد في تخفيف أعراض الهلاوس السمعية والرؤى التي تعاني منها
لكن على عكس ما قصدته تيوران تحولت المذكرات تدريجيًا إلى سجل لنمو “كان” وبعد أن قلبت الصفحات التي كتبتها سابقًا دونت الحديث الذي دار بينها وبين تيوران ولم تكتف بتسجيل الأحداث كما هى بل أضافت أيضًا بعض السطور عن مشاعرها
“هل سيشفي هذا حقا المرض الموجود في قلبي؟”
ظلت تحدق في الكلمات التي كتبتها لوقت طويل قبل أن تغلق المذكرات ثم احتضنت “كان” وتوجهت إلى سريرها واستلقت وسواء كان ذلك مجرد مصادفة أم لا فقد نامت فى تلك الليلة بعمق دون كوابيس أو هلوسات ولأول مرة منذ وقت طويل استمتعت بنوم هانئ طوال الليل .
في صباح اليوم التالي نهضت من سريرها وهى تشعر بالانتعاش وقف” كان” الذي كان ملتفًا بجوار وسادتها على قدميه وأخذ يهز ذيله بحماس حملته ثاليا بين ذراعيها وأغرقت وجهه بالقبلات
وفجأة دوى صوت بوق من بعيد عبست ثاليا ونظرت من النافذة رأت موكب من عشرات الفرسان يدخل القلعة.
في اللحظة التي تعرفت فيها على الرجل الذي يمتطي جواده في المقدمة
تجمد جسد ثاليا.
لقد عاد فاركاس
إشترك في عضوية VIP - بدون إعلانات
إشتراكك و دعمك للموقع يساعدنا في إستمرار و بناء تطبيق للهاتف
تخلص من الإعلانات المزعجة واحصل على وصول أسرع للفصول وميزات VIP للتعليقات ووضع التركيز والكثير من المزايا.
إشترك في VIP - بدون إعلانات -ندعم بيبال عملات رقمية و فيزا وكل الوسائل
اشتراك في العضوية VIP في Patreonبالفيزا أو الماستر كارت
اشترك في العضوية و إدعمنا VIP عبر Ko-fiعند اشتراكك أو دعمك للموقع لا تنس أن ترسل لنا اسم حسابك لتفعيل VIP.
قائمة الفصول
تنويه:
جميع ما يتم ترجمته من فصول منسوب للمؤلف، ونحن غير مسؤولين عن أي معانٍ تخالف العقيدة أو تتضمن معاني كفرية أو شركية. هذا المحتوى ترفيهي فقط، فلا تدعه يؤثر عليك أو على دينك. استغفر الله وأتوب إليه.
التعليقات
Comments for chapter "الفصل 255"
MANGA DISCUSSION