الفصل 8 - في قصر وسيم كيان غريب.
في هدوءٍ باردٍ حلَّ على جسدي…
تصلبتُ أمام بوابة القصر المفتوحة بمقدار شبرين.
لم يكن ثمة أحدٌ في الداخل سوى الظلام. ظلامٌ له زخمٌ وحضورٌ ثقيل، كأنما يمتص خيوط الشمس المخترقة للسقف، فبدت تلك الخيوط نفسها تتباين عن مستعمرةٍ للعناكب الصغيرة.
شِبَاكها الذابلة تصطفق في الهواء ببطء، لتتساقط منها الخيوط الداكنة على الأرضية الشاحبة، وتتكدس فيها في طبقاتٍ متطابقة كأنما رداءٌ وبريٌ ممزقٌ تفوح منه رائحة الثرى المتيبس والياسمين.
انتصب شعر جسدي من الأسفل حتى خصال رأسي، وجثم الصمت على أذنيَّ كأنما العالم من حولي قد رحل…
دقات قلبي المكتومة في جوفي، تدبُّ… تدبُّ بينما أتساءل في نفسي تارةً، وتارةً أخرى تنزلق من بين شفتيَّ دون أن أشعر:
“ما الذي حدث هنا؟!”
لقد كان هذا القصر كالحلم بالنسبة لي، في هذا المكان، حيث كنت أركض خلفها دون مللٍ أو كلل، لكنه الآن، أصبح كمقبرةٍ محترقة، لا أرغب حتى في إطالة النظر إليها.
شددتُ قبضتيَّ المرتجفتين متسائلاً: ترى… أهي من فتحت الباب؟!
في هذه اللحظة تماماً، التقطتُ صوت حفيفٍ خافتٍ من الداخل، ولمحتُ ظلاً يتحرك من بين الأضواء عبر الظلال.
ظلٌّ يترك خلفه ريشاً أسود ناعماً حتى استقر عند الأريكة القديمة.
في بداية الأمر ظننتُ أنه غرابٌ قد استوطن المكان، ولكن عندما سقطت الريشة الخامسة في وسط الردهة، شعرتُ فجأةً وكأن هنالك هيئةً دخانيةً تنظر إليَّ.
كانت مستلقيةً على جانبها الأيمن فوق أريكة الاستقبال، التي بالكاد أراها، وتضع يدها اليسرى فوق الطاولة المنحوتة من الصخرة الملساء أمامها.
طَرَقَت عليها وطَرَقَت، فراحت مفاصلي ترتجف وتصدر صوتاً صدئاً بينما أتحرك بكل هدوءٍ، متقطعٍ، واختبأتُ خلف الباب المغلق.
“المعذرة… أهنالك أحدٌ في الداخل؟!”
ناديتُ وأنا أتنفس بصوتٍ مسموعٍ كأنما ركضتُ من مسافةٍ بعيدةٍ محاولاً التمسك بالهدوء قدر المستطاع.
“طاهر… ما الذي جاء بك إلى هنا؟”
كان صوتها المبحوح ينفذ إلى مسامعي بسلاسةٍ وكأنها تقول لي سراً داخل رأسي.
من تكون؟!
فكرتُ، ثم قلتُ بتلعثم: “سا… أختي، لا أخت وسيم…” شددتُ شفتيَّ ثم أبعدتهما وحغولت التفوه بهدوءٍ:
“من فضلك… هل وسيم هنا؟”
صمتت للحظة فيما أخذ حفيف العناكب يتجه إلى حواف القصر… دقات قلبي تدق، تدق هنا وهناك وفي كل مكان من جسدي.
“لقد ذهب. لا أعلم ما إن كان سيعود قريباً، أم سيظل هناك…”
نظرت إلى قدميَّ بعين تتوسع، أفكر فيما قالته: ما هذا المكان الذي ذهب إليه؟!
رفعت رأسي وعيناي تضيقان بضغط خفيف مرتجف من حاجبيَّ، وقلت لها:
“أين ذهب… أنا في حاجة ماسة إليه.”
لم تقل شيئاً بينما الهواء البارد يطوف من حولي ويتلاعب بباب النافذة من فوقي. فجأةً، بدأ وقع خطواتها يقترب نحوي وهي تقول:
“ما الذي ستفعله إن علمت… أستذهب إليه، أم ستظل هناك أيضاً؟”
ابتعدت عن البوابة بخطوة ضعيفة، وقلت بحروف متشابكة:
“لا شيء، إن لم يكن في المنزل، سأعود لاحقاً” حاولت بعدها الالتفات للمغادرة فوراً، فطرقت البوابة لثلاث مرات تقول فيها بحروف متقطعة: “طاهر…” ارتفع صوتها في رأسي قليلاً، ثم أردفت بصوت ينخفض:
“توقف عن البحث عنه. لقد أخبرتك بأن تكون حذراً… أليس كذلك؟!”
فقلت دون أن أشعر: “حسناً، نعم…” أدرت ظهري.
كل ما أريده هو المغادرة.
أنا أشعر بعظام ظهري ترتعش بينما أومئ برأسي تأكيداً لذلك الظل الذي كان ينظر إليَّ من شق البوابة. خطوت خطوة واحدة للأمام، ثم نظرت من فوق كتفي بحركة سريعة… لقد أحسست بأنفاس تقترب من أذني.
ثم أدركت شيئاً آخر… لماذا البوابة مغلقة بالسلاسل؟!
فكرت في الأمر لثانية بطيئة. كنت أشعر وكأنني قد بدأت أفقد عقلي، أهذا بسبب رائحة زيت الماكينة، أم أنني بحاجة للذهاب إلى الطبيب فقط؟!
ولكن في الثانية التي بعدها، انبثق في رأسي بهدوءٍ صوتها مرة أخرى: “احذر من عطاء قد يفوق الثمن، وخذ مستحقك كله…”
كان الصوت يقترب ويبتعد، ثم يقترب فجأةً.
وهكذا، أخذت تتردد كلماتها في داخلي دون توقف.
اتسعت عيناي ونبضت، خطوت خطوة ثانية نحو الحافلة، أراقب البوابة وكأنها قد تنفتح في أية لحظة، وأهمس كأنما أتمتم:
“من الذي تحدث الآن؟!”
التفتُّ بعنف، فسقطتُ على الأرض.
تفحصتُ كل شيء من حولي وأنا أقول في جوفي:
لا شيء هناك، لا شيء!
هذا ما كان يدور في رأسي حتى التقطتُ صوت هديل هادئ، فدفعتُه للأعلى، فوجدتُ بومةً تطل من النافذة المرتفعة في القصر. كانت عيناها الذهبيتان الشاحبتان تبصرانني برأس مائل وهي تنظف جناحيها بخفة.
جمعتُ نفسي من الأرض بسرعة ونهضتُ. أخذتُ أسير وكأني أركض، في كل خطوة أنظر فيها إلى الخلف…
عدتُ إلى الحافلة، جلستُ على مقعدي وأنا أتنفس بقوة بينما السائق يقول: “أجننتَ أم ماذا بعد؟!”
أمسكتُ رأسي بين يديَّ المنتفضتين، أفكر: لا شيء صحيح، إنها مجرد هلاوس مشؤومة، لا يمكن أن تكون حقيقة!
تحركت الحافلة والسائق إبراهيم يصرخ عبر مكبر الصوت: “أين مالي؟! لقد انتهى الشهر بالفعل…”
رفعتُ رأسي ونظرتُ من خلال النافذة، المباني تومض من أمامي وكأنه يدهس دواسة الوقود ليحارب المسافة، والهواء ينبثق من شقوق زجاجها كأنه عزف ملحمي، متقطع هادئ، جعل قلبي ينتفض حتى اقشعر عقلي.
حشرتُ إبهاميَّ في أذنيَّ
“احذر من عطاء يفوق الثمن…”
اعتصرتُ رأسي، صوتها لا يتوقف عن التردد في جوف جمجمتي.
كنتُ أشعر وكأن عقلي سينفجر في أية لحظة، بالإضافة إلى تلك الأصوات الحادة، لم أستطع إلا أن أبعد تفكيري إلى وسيم: ما الذي حل به… هل يمكن أنه مات أيضاً؟
لا، ما الذي دهاني، لماذا أفكر هكذا، لا شيء صحيح… سيعود عند الظهيرة، فقط، هو ذهب رفقة تلك الفتاة وسيعو…
قطع حبل أفكاري صوت السائق عبر المكبر
“هيا، انزل بسرعة… ولا تنسَ النقود!”
نهضتُ بجسدي المبتل بالعرق، وأخذتُ أسير حتى تعمقتُ في داخل السوق… كنتُ أخطو في داخله دون أن أدرك ما يحدث من حولي، ضجيج غير مفهوم، وأنفاس ترتفع وكأنها تحمل صخرة، أو دفعات على كتفيَّ لا ألقي لها بالاً.
فجأة، تسلل إلى رأسي صوت من بعيد جعلني أتوقف “يبدو أنك قد جئتَ اليوم”.
لم ألتفت، لم أقل شيئاً، ولم أفكر فيما سأقوله أو ما الذي سيُقال لي أو عني بعد ذلك، كل ما فعلته هو أني أكملت السير مرة أخرى، والإنصات إلى صوتي في الداخل:
يجب ألا أعود إلى هناك مرة ثانية. أشعر أني لست بخير. سأذهب إلى الطبيب أحمد.. ولكن وسيماً لم يأتِ بعد. حتى لو عاد وأخذت منه المال. هذا لن يكفيني للذهاب للمشفى…
توقفت قدماي أمام المحل وفتحت الباب، جلست على المقعد بينما عيناي تتفحصانه كلما مر ظل أو صدر صوت من أي ركن كان.
تشابكت أصابعي المرتجفة عند رأسي بينما أنصت إلى أنفاسي المتضاربة، أو صوتي الذي يأبى الظهور للخارج:
أيمكن أن يكون حيدر على حق؟! هززت رأسي على جلد يديَّ الساخن، وهمست بينما شفتاي تتطابقان:
“لا يمكن أن يكون كذلك، إنه مجرد كاذب! كاذب، يريد أن يفسد علاقتي بزوجتي أميرة…”
حيدر، يراها كملكية خاصة به، لا يجب لها أن تكون بين أحضان رجل غيره. وعلى الرغم من انفصالها عنه، لا يزال يلاحقني كالظل. لذلك، هذا لا يجب أن يكون سوى كذب اختلقه حتى يفسد علي علاقاتي جميعها…
أمسكت برأسي وأنا أشعر ببرودة تهبُّ بداخله، ثم أكملت في تفكيري:
ترى… ما الذي تفعله أميرة الآن…
يتبع…
إشترك في عضوية VIP - بدون إعلانات
إشتراكك و دعمك للموقع يساعدنا في إستمرار و بناء تطبيق للهاتف
تخلص من الإعلانات المزعجة واحصل على وصول أسرع للفصول وميزات VIP للتعليقات ووضع التركيز والكثير من المزايا.
إشترك في VIP - بدون إعلانات -ندعم بيبال عملات رقمية و فيزا وكل الوسائل
اشتراك في العضوية VIP في Patreonبالفيزا أو الماستر كارت
اشترك في العضوية و إدعمنا VIP عبر Ko-fiعند اشتراكك أو دعمك للموقع لا تنس أن ترسل لنا اسم حسابك لتفعيل VIP.
التعليقات
Comments for chapter "الفصل 8"
MANGA DISCUSSION