الفصل 7 - الفرس الأبيض.
——————
|في الفصل السابق:|
——————
قالت السيدة العجوز وهي تحاول طرق الأرض بعصاها:
“كان يجب عليك قول ذلك…”
أدارت ظهرها وأردفت بينما طاهر لا يستطيع حتى النظر إلى عينيها المبيضتين من العار الذي يشعر به:
“شكراً لك أيها الشاب الطيب… لا تفقد الأمل.”
ثم، خرجوا جميعاً… ولكن أحد الطفلين تأخر عن المغادرة. ذلك الطفل ذو الشعر البني توقف عند الباب، والتفتَ نحو طاهر.
نظرةٌ واحدةٌ – كانت كافيةً لنقل كل خيبة الأمل من المنقذ إلى المحتال…
البداية:
عاد طاهر وجلس على مقعده، ينظر نحو المدخل طويلاً وكأنما قد فُتحت أمامه:
(بوابة الماضي)
ليبزغ النور في عُمر الزهور، لم يكن ليكون ذلك مستحيلاً.
في يومٍ من الأيام، أراد والد وسيم -رَحِمَهُ اللهُ- أن يدعم ذهابي إلى المدرسة.
كل شيء كان يسير على ما يُرام في ذلك الحين، حتى طرقت الأخبار بطريقة أو بأخرى باب منزلنا…
عندما عدت إلى بيتنا الشعبي وقت الغروب، بعد عمل طويل في محل الخياطة، كانت هناك ضوضاء تنبعث من خلف الباب.
دفعته بجسدي ودخلت راكضاً.
هذا الأمر يتكرر في كل يومٍ وليلة، ولكني لم أعتد عليه حتى الآن، ولن أعتاد!
اصطدمت بباب حجرة والديَّ ودلفت إلى الداخل.
وجدت والدي يمسك بيدها ويضربها بقبضاته التي تُرنِّحها من ثباتها، ثم توقف وأمسك بشعرها الذهبي:
“أيتها الكريهة… لماذا لا تغتسلين؟!”
قال ذلك وهو يصفعها بيده الأخرى تلك الصخرية حتى صرخت. ارتفع صوتي عندها: “والدي…!”
لقد مرت سبع سنوات على حادثة المزرعة، وما زال يزداد ثقلها عليَّ كلما مرت السنين.
نظر إليَّ من عند كتفه والغضب يُعْمِي بصره، ثم عاد يضرب أمي بشكل جنوني حتى سقطت على الأرض.
في تلك الأثناء، كانت تخونه عينه نحوي أو هو من يريد أن ينقل لي خبراً من خلالها: أنا أفعل ذلك من أجلك!
أخذت أحرك يدي وأترجاه له بصوت منخفض:
“أرجوك… يا والدي…”
وبدل أن يستمع إليَّ، أخذت أنفاسه تندفع وتصطك ضروسه كلما حاولت الاقتراب.
في آخر المطاف، وعلى الرغم من خوفي من تلك الأنياب التي قد يغرزها في عنقي إن اقتربت أكثر من ذلك، إلا أنني ركضت نحوها ورميت جسدي كالدرع أمامها.
“من فضلك… توقف يا والدي!”
صرخت ودموعي تسيل على وجنتَيَّ وينتفض قلبي على هذا الواقع المرير. لماذا قبلت أمي رجلاً كهذا!
هذا ما كان يراودني في تلك اللحظات، وحتى الآن، كنت أفكر: أكانت والدتي مجرد قطعة أيضاً؟ أقدمتها عائلتها لوالدي مثلما فعلوا مع أميرة…
لم يحدث ذلك بعدُ عندما كان والدي يشير نحوي بيدٍ تهتز من الغضب.
أنفاسه الثقيلة تندفع من بين كلماته: “افعل ما تشاء.. ولكن، لا ترجُ أن يكون ذلك بلا ثمن!”
في تلك اللحظة، علمت أنه قد أتاه خبرٌ بذلك الشأن.
علمت أن كل ما حلمت به وآمالي التي تدفقت من تلك الأحلام قد أُحرقت.
كنت أعلم أن والدي لا يريدني أن أبتعد عنه ويفعل أي شيء من أجل ذلك -هذا لأنه يحبني- كما قال والد وسيم.
ولكن لماذا، أيجب أن أضع كل شيء جانباً وتكون حياتي مجرد أمنية لم تتحقق؟!
أرخيت رأسي وأنا واقع على ركبتيَّ أمامه، ورفعت يديَّ المرتعشتين وأمسكت بيده، ثم قلت بصوت مريرٍ صعبٍ:
“لن أذهب إلى أي مكان، سأفعل كل ما تريده يا أبي…”
نظرت إلى عينيه الغاضبتين بقلبٍ مضطربٍ، بين مستقبلي وماضيَّ، في حاضرٍ لا أملك فيه إلا نفس الخيار.
هززت يديه بتوسل، ثم أردفت وأنا أحاول ابتلاع شيء لاذع في عنقي: “فقط، توقف عن ضربها… أرجوك!”
ضيَّق عينيه قليلاً وأدار فكه السفلي، ثم سحب يده وبدأ يسير بقدمه المعاقة نحو الخارج.
أخذ العصا من ركن الباب المغلق والتفت قائلاً بنبرة غاضبة مموهة بالسخرية:
“الدراسة لعبة تافهة تدار كما يشتهي العالم، ريثما النرد يصنع العالم كما يشتهي الفرد…”
هز يده التي تحمل العصا ثم طرق الأرضية بها، نظر إليَّ بنصف عين قبل أن يغادر:
“لقد اخترت الخيار الصحيح. الفرس الأبيض، كان من المرجح أن يمتطيه ابن ذلك الميت حتى الممات…”
ثم ضرب الأرضية برأس العصا مرة أخرى وارتفع صوته:
“يوماً ما، سيكون بيدك الاختيار، ولن يكون بمقدرتي فعل شيء من أجلك. لذلك… للمرة الأخيرة يا بني…”
رفع حاجبيه ليكمل بنبرة مختلفة:
“عندما يحين دورك، امتطِ ذلك الفرس وشدَّ لجامه مثلما أفعل، وإلا، لن ينقذك أحد مما تجهل مكره!”
كانت تلك أول مرة يناديني فيها بابني.
خرج من داخل الحجرة بينما تتنفس أمي من خلفي بصعوبة تحاول النهوض.
أملت رأسي لأنظر إليها وأنا أنوح قائلاً: “أمي!”
أحسست بذراعيها تلتفان حول خصري بدفء وهي تقول بصوت يختلط بالبكاء: “سأقوم بحمايتك.. لا تقلق…”
هززت رأسي وأنا أنظر إلى تلك الابتسامة الضعيفة، وأغمضت عينيَّ حتى لا ترى دموعي.
في هذه اللحظة، بزغ ضوء من الظلام وانبثق الهواء عبر (بوابة الحاضر) أمامي.
نهضت وأغلقت الباب الحديدي، وتقرفصت عنده.
كانت دموعي تسيل على تذكر تلك اللحظات.
نظرت إلى الساعة في يدي، ولا تزال آخر كلمات أمي تتردد في رأسي:
“لا تبعدها عنك…”.
“حسناً!” قلت ذلك بصوتي المتذبذب.
ثم نهضت وأنا أمسح دموعي التي تسيل على ثوبي، لأذهب إلى المسجد الآن.
أغلقت الباب، وتوجهت إلى بيت الله الذي كان في وسط السوق.
كنت أسير وأنا أنظر إلى السماء، أحاول تجفيف عينيَّ من الدموع.
وعندما اقتربت من المسجد، وجدت الناس قد خرجوا وبدؤوا يتسابقون إلى أعمالهم.
انحشرت من بينهم وخطوت على أرضية المسجد، فوجدت جماعة ثانية تصلي.
تقدمت وأقمت الصلاة لله رفقة التجار والعمال من السوق (المعلق) من الحارة المقابلة.
كنت واقفاً هناك على الطرف الأيسر، لكن عقلي كان يبحث عن وسيم في الطرف الآخر البعيد.
لا يمكنني العودة إلى المنزل دون القبض على المال.
جلسنا للتشهد الأخير. وفور انتهاء الصلاة، نهضت وغادرت المسجد.
توجهت عبر (شارع الشيخ منصور الثاني) في داخل السوق.
هناك، حيث كانت الألوان واللغات متنوعة ومتشكلة كالبهارات، تمتزج مع بعضها البعض.
تفوح رائحتها كالمسك الأسود والأبيض أو الأصفر والأحمر الذي يفوح من كل مكان.
كان الجميع مبتسماً رغم حر الظهيرة، ويرتدون لباساً تشاركوا في صنعه بدمج الأصالة والتنوع.
الجميع يرتدي الغبانة أو الغترة ولا سيما العمامة، والجميع يرتدي الثوب كزي موحد.
هذه المناظر كانت هي الحياة بالنسبة لي، ولا يمكنني التخلي عنها.
وبعد مرور مدة من الوقت، خرجت من السوق وتوقفت أمام الرصيف الساخن بضوء الشمس.
كان (شارع الشيخ منصور الرئيسي) خالياً من أي حركة، وكأن العالم قد سكن أخيراً.
“الجو حار اليوم.”
وضعتُ يدي فوق رأسي ثم نظرتُ إلى الساعة في اليد الأخرى: “لقد تأخرت الحافلة عن الموعد”.
تفحصتُ بداية الشارع وأنا أتثاءب.
وفجأةً، لمحت الحافلة تخرج من النفق وتقترب.
توقف السائق إبراهيم في المكان المحدد قائلاً: “هيا، أسرع…”.
صعدتُ إلى الداخل وأخبرته: “خذني إلى قصر وسيم”.
جلستُ على مقعدي المعتاد أنظر إلى الجانب الآخر من الطريق وأنا أفكر: أرجو أن يكون على ما يرام.
بينما تدور الأفكار في رأسي، أخذتني غفوة قصيرة.
استيقظت بعدها على صوته وهو يصرخ عبر مكبر الصوت المزعج: “هيا!”.
فتحتُ عينيّ وحركتُ جسدي بثقل لأسير من خلال الممر والسائق إبراهيم ينظر إلي بعينه البارزة من الجانب.
نزلتُ من الحافلة أمام القصر، وتوجهت إليه مباشرةً.
كان قصره لا يبعد مسافة عشرين متراً عن رصيف الشارع.
توقفتُ أمام بوابة القصر وأنا أفرك عيني بيد وأطرقها بخفة بواسطة اليد الأخرى.
أكانوا يقيلون في المساء من قبل؟
تفحصتُ القصر من الخارج قليلاً.
الطلاء الأبيض قد بَهُتَ، والنوافذ السوداء أصبحت وكأنها صفراء من الصدأ مما جعلني أتساءل:
“ما الذي حدث هنا؟!”
في هذه اللحظة، فُتِحَت البوابة مع صوت لامرأة من الداخل ترحب: “أهلاً بالطارق الباب…”
أتريدان أن تتبعاه؟
إشترك في عضوية VIP - بدون إعلانات
إشتراكك و دعمك للموقع يساعدنا في إستمرار و بناء تطبيق للهاتف
تخلص من الإعلانات المزعجة واحصل على وصول أسرع للفصول وميزات VIP للتعليقات ووضع التركيز والكثير من المزايا.
إشترك في VIP - بدون إعلانات -ندعم بيبال عملات رقمية و فيزا وكل الوسائل
اشتراك في العضوية VIP في Patreonبالفيزا أو الماستر كارت
اشترك في العضوية و إدعمنا VIP عبر Ko-fiعند اشتراكك أو دعمك للموقع لا تنس أن ترسل لنا اسم حسابك لتفعيل VIP.
التعليقات
Comments for chapter "الفصل 7"
MANGA DISCUSSION