الفصل 13 - الخروج من الجنة إلى الجحيم.
داخل مشفى النور وتحت صرخات الطبيبة رحمة، ملاك ساقطة على الأرضية الباهتة مغمًى عليها كما تريان… في مكان آخر، داخل:
(بوابة الغيبيات)
حُدِّدت ملاك باللون الأبيض وسط البطاقة السوداء. ينيرها ضوء من الأعلى في ظلمات البحر الأسود، بينما ينظر إليها ذلك الطاهر النجس تحت نظرات تلك الكيانات الغريبة.
وبعد بضع لحظات، تكثف ذلك الضوء وأصبح ناصعاً كالنجمة في السماء؛ لتتجلى منها الملاك بعين دامعة وتسكن حِجر ذلك الشيطان.
كيف… أتت… إلى هنا…
تساءل بينما يمسح بيديه على جسدها حتى لامس يدها.
توقف ينظر إلى ذلك الخاتم الذهبي وقد خلا فؤاده من الهواء. في تلك اللحظات، كانت قواعد العرش المتقوسة تتأرجح بهدوء…
هناك في الأعلى، من بين سحب الدخان المظلمة والذرات المنيرة، تحركت يده بمهل، عدلت ذلك التاج الألماسي الأزرق، الذي يلتف حول رأسه متموجاً، وتتصاعد منه الأطراف اللامعة مبرومة بسلاسةٍ كأنما هي قرون للشياطين:
“سقط الفارس بعد فرسه!”
قالها لنفسه بهدوء. ثم نظر إلى الأسفل حيث يجلس طاهر على ركبتيه ويحتضن زوجته. أزفر طويلاً فيما تتقوس عيناه الدارئيتان ذات الرموش الكثيفة، وشد شفتيه النحيلتين ليفرج عن “مووه!” انطلقت من بين شفتيه.
ارتسمت ابتسامةٌ عريضة على وجهه الطويل كالتابوت الأبيض، تسيل الدماء من على أطرافها المندفعة في وجنتيه…
ومن بين شقٍّ عند ذراع طاهر، انتفضت ملاك وأخفت رأسها في حجره.
شدَّ ذراعيه حولها بدفءٍ قائلاً: “لا تقلقي…”
كان جسده يرتجف وهو يقول ذلك، يحاول شدَّ عضلاته والضغط على فكيه المتصادمين حتى يهدأ من نفسه، ولكن لا جدوى من محاربة الغرائز البشرية… بعيداً، حرّك الملك إصبعه وأشار إلى الوزير:
“خذهما إلى قصر الناسك…”
نظر الوزير إلى الجهة المقابلة ليقول بصوته العميق الذي تردّد: “حرس!” اهتزت ملاك على صدى صوته العائد، فمسح طاهر على رأسها:
“كل شيء على ما يرام”.
هذا ما قاله ما بين فكيه، غير أن لسان حاله يخالفه القول تماماً.
في تلك الأثناء، تجلّت من حولهما ثلاث ظلال دخانية.
تقدّم واحد منهم بخطواتٍ شبحية سريعة وانكبّ على ركبتيه:
“خادمكم المطيع ڤالكور يحيّي جلالة الملك الموقر العظيم المرتفع علوَّ السماء، ويمتثل احتراماً لأوامركم المبجلة…” كان يتحدث بصوتٍ منخفض.
همهم الملك فيما يلوّح للوزير بكفه كأنما يطرد ذبابة مزعجة. أدار ذلك الوزير رأسه، قائلاً:
“خذهما إلى قصر الناسك.”
أحكم الظل ڤالكور فكيه فوراً، ونهض واضعاً يده على رأسه:
“سمعاً وطاعةً لسيادة الوزير، سمعاً وطاعةً لأوامركم المبجلة!”
التفت مشيراً برأسه لطاهر من خلفه:
“فلينهض كليكما الآن.”
وجّه طاهر بصره إلى ملاك المضطربة أنفاسها في صدره: “هيا بنا… ملاك؟!” تلاشت أنفاسها للحظة ولم تقل شيئاً.
“ملاك..” هزّها طاهر من كتفيها وهو ينادي، بينما يتقدّم الظل ڤالكور نحوهما كاتماً غيظه:
“ألا تسمعني؟!” نظر إليه طاهر وهو يرفع زوجته بقوة زوجٍ مسؤول، حاملاً إياها بين يديه: “حسناً.”
اعتدل الحارس ڤالكور عن مد يده، ثم أكمل السير للأمام… بدأ طاهر يسير من خلفه بخطوتين وينظر إلى تلك التي بين يديه بينما يتساءل بداخله:
إنها تتحاشى النظر إلى عينيّ! أحاط به حارسا الظل الآخران من جانبيه أثناء ما كانت تراقبه عين الملك الشاحبة من الخلف.
رفع يديه المكسوتين بالألماس إلا سبابتيه، وبدأ يزفّهما بصفقة وغناء جاف:
“ليلة كزهرة حمراء تزهر مرة، ومرةً تزهر العذراء في أرض الورود~”
هههههههههـاللعنة! عليه كم هو مثير للشفقة… على كل حال. في تلك اللحظات، كان طاهر يخطو على لبنات سوداء لامعة، يسبح فيها اللون الأبيض والأزرق بانسجام، ويتنقلان عبر فجوات مربعات ذهبية متباعدة.
نظر إلى زوجته التي أبعدت بصرها عنه إلى الأسفل، وانخفض حاجباه ليتجعد ما بينهما بحزن.
ما الذي فعلته يداي… أنا مرة أخرى؟! رفع رأسه بعد ذلك التساؤل ونظر إلى ڤالكور الذي أشار له بكفه؛ فتوقف خلفه بخطوة.
“أحضراها.”
تحرك الظلان من جانبيه بخطواتٍ خفيفة بعدما أمرهما حارس الظل ڤالكور، تاركين آثار ظلالهما تتهاوى ببطء في الهواء، وسط ذلك الضوء الخافت المنبعث من الخلف.
اختفى حارسا الظل في عتمة الممر لبعض الوقت، ثم عادا بعربة خشبية ثقيلة ذات لون أخضر داكن. أحدهما يتكئ بداخلها في المقعد الخلفي، والآخر يسوقها فوق إيل بني نحيل له قرنان فضيان.
ضرب اللجام خفيفاً على ظهره ليتوقف عند إشارة الظل ڤالكور في الأسفل. بدأ يصعد بينما يلوح لطاهر بيده: “تحرك”.
خطا طاهر على الدرج الأول، الثاني، حتى السادس، وسار من بين المقعدين الطويلين المتباعدين ليجلس بالقرب من ركن العربة.
في تلك اللحظة، اتكأ حارس الظل ڤالكور قبالته على طرف الخشبة، ونظر إلى الخارج قائلاً: “هيا”.
تحركت العربة من خلف أنفاس الإيل المندفعة، وسارت إلى الأمام… لا يزال الملك يصفق، يصفق، يصفق ويغني. نظر طاهر إلى زوجته ووضع يده على رأسها:
“ملاك، هل أنتِ بخير؟”
توجهت عيناها نحوه ولم تنظر في عينيه، ثم أبعدت يده برأسها وأغلقت عينيها.
رفع رأسه ونظر إلى الخارج، إلى لبنات الرواق الملتفة من حوله لا تكاد تبان من كثافة الظلام.
ضيّق عينيه وهو يقول في نفسه: هكذا أنا دوماً..
انحنى برأسه بعدما التقط صوت شهقة مكتومة في حجره. ينظر إلى وجهها الذي تحاول أن تخبئه بين طيات ثوبه، أو إلى كفيها المرتجفين حول رأسها.
في هذه اللحظة، ارتفعت بوابة شاهقة من أمامهم مع صوت صرير حاد ومتقطع بينما ينبعث الدخان الضوئي ذو اللون الأزرق بشكل خافت، ويتموج على الأطراف المنحوتة بعمق…
خرجت العربة من داخل القصر إلى أروقته الخارجية.
تسير على مسار من فضة داكنة، تحت سقفٍ مشابه نُحتت عليه ورود أميرة الليل وأربعة أقمار متجاورة، كل واحد منها يحمل رمزاً غريباً.
نظر طاهر إلى جانبه الأيمن، حيث تنتصب أعمدة خرسانية غليظة، ترمي بظلالها في كل مكان، ويحمل بعضها الذهبي هذا الجسر في الهواء. تلك الأعمدة الذهبية نفسها هي من تحتضن المصابيح الفضية في جوفها المزخرف بالورود، لتضيء المكان بذلك الدخان الأزرق.
وبينما العربة تقترب قليلاً من أحد الأعمدة الذهبية، ضيّق طاهر عينيه على انبعاث ضوء دخان أحمر مختلف، كانت رائحته عطرة كالريحان والقرفة.
“هيا.”
ضربة خفيفة من حارس الظل الذي يمسك باللجام؛ فاشتدت عروق الإيل عند قدميه الأماميتين، ليندفع بسرعة ويقفز هنا وهناك، قبل أن يعلو في الهواء قبل خطوة من نهاية الجسر…
السماء مظلمة كالبحر الأسود، تطير فيها أضواء بعيدة بلون رمادي.
كان طاهر ينظر إليها في صمت بينما تهتز العربة قليلاً.
في تلك الأثناء، ارتفع صوت كالهمس من الأسفل، ثم اعتلى صوت طبول هادئ يتردد.
رفع طاهر ذقنه لينظر إلى مصدر الصوت، وكانت ملاك بين يديه تتحرك قليلاً. وجد أرضاً كالسماء من فوقه، تتناثر فيها ورود زرقاء مضيئة كالنجوم في بحر السماء.
كان حولها الكثير من المنازل، تبدو هرمية الشكل وصغيرة كالبيوت الشعبية الأثرية.
ومن حولها حراس من الظلال يمسكون في أيديهم شعلة دخانية حمراء.
بينما يبحلق طاهر بنظره في تلك الأرض، لمح ظلاً فوق إحدى الورود. أمال بجسده قليلاً بعدما ألقى نظرة سريعة إلى الظل فالكور.
“توقف عن اختلاس النظر في حريم الملك، أيها البشري الجبان!”
قالها فالكور وهو يضع قدمه فوق الأخرى.
نظر طاهر إلى أرضية العربة وأخذ يفكر:
ما الذي رأيته منذ قليل؟!
كانت هنالك صورة غريبة خلف تلك الظلال.
كلب أسود عيناه عموديتان، له فك علوي تظهر منه ضروسه الحمراء ملتوية، ويتدلدل لسانه الداكن على عنقه.
وضع يده خلف رأس ملاك وحشرها في حجره أكثر، ثم نظر إلى الجهة الأخرى، إلى تلك الأضواء الرمادية، التي تهبط خلف جبل كالسور العظيم.
“لم أكن أعلم أن البشر يستطيعون التخلي عن كل شيء…” كان ذلك الظل يسترسل في كلامه.
حرّك طاهر يده التي تمسك برأس ملاك حول أذنيها، وقاطعه: “من فضلك، أيمكننا التحدث عن هذا لاحقاً؟”
أمال ڤالكور رأسه، ثم ضحك من أنفه بهدوء:
“لا، حينها ستفقد رأسك…” تنفّس قليلاً في حجره وهو يضم يديه، ثم اعتدل وأردف:
“مثل ذلك الأعرج!”
فجأةً، انقضّت يد نحيلة مظلمة على عنقه.
حارس الظل في الخلف رفع ڤالكور للأعلى.
“كيف علمت بذلك؟!” قالها بصوت منخفض.
انقشع الظلام عن رأس الظل ڤالكور لتظهر ملامح وجهه.
تقلّص بؤبؤاه المرتعشان في عينيه السوداوين، بينما يسيل اللعاب من على لسانه الساقط فوق يد الظل الآخر.
رفع يده المرتجفة وأمسك بمعصمه يحاول نزع يده عن عنقه فيما يقول: “إنها في أرض الجان…” اعتصر الظل الآخر عنقه أكثر:
“مت أيها…”
وضع الظل يده الأخرى على ساعد يد الظل المعتصرة لعنقه، يحاول إبعادها بينما يرتفع بصره للأعلى. في تلك اللحظة، بينما تسقط يديع، اهتزت العربة، واختل توازنها لتميل على جانب واحد.
في المقدمة، كان ذلك الظل يرفع قبضته فارداً إبهامه فوق سبابته المنتصبة، بينما الإيل يشد جسده للأمام لندفع نحو الجهة الأخرى بصوت أجش: “هييي…!”
شدّت ملاك أصابعها المرتجفة حول طاهر، بينما ينهض أحد الظلّين يبتلع الظلام رأسه، وينتفض الظل الآخر على ظهر المقعد الخلفي.
التفت ڤالكور وهو يتحسس عنقه فيما يتنفس بحدة، ثم أسند ذراعه خلف المقعد الذي يجلس عليه طاهر يحمل زوجته.
رفع يده الأخرى في قبضة وخنصر منبسط بينما يلهث ويسعل.
في هذه اللحظة، أخفض طاهر رأسه ونظر إلى يديه اللتين ترتجفان فوق أذن ملاك، بينما يتردّد سؤال واحد في جوفه:
أكان… والدي هنا؟!
من فوق الإيل المرتجف، نطق ذلك الظل بصوت خشن:
“أهي هناك أم…” قاطعه ڤالكور وهو يستريح على ركبتيه فوق المقعد: “لا تقلق… إنها الحقيقة”. رفع رأسه نحو طاهر للحظة، ثم أنزله وهو يتنفس بوتيرة أبطأ.
أقال للتو أنه لا يكذب…؟
لقد أثار ذلك الظل ڤالكور عشرات الأسئلة في رأس طاهر، هذه الكلمة فقط جعلته يعود بالذاكرة إلى يوم جنازة والده ووالدته: ما الذي حدث حقاً، هذا غير منطقي؟!
راح رأسه نحو ملاك التي بللت ثوبه بدموعها، وهو يهمس دون أن يشعر “أمي؟!” في هذه اللحظة، حركت رأسها ونظرت إليه، كانت عيناها متوسعتين وكأنه ينظر إلى شيء لا يمكنها أن تراه…
وبعد مرور وقت متعثر، اقتربت العربة من الأرض، وأخذت تسير على ترابها الذي يثير غباراً أسود.
يتكثف وينتشر في كل مكان، حتى أصبحت الرؤية سوداء. في تلك اللحظة، بدأ قرنا الإيل يصدران ضوءاً رمادياً طفيفاً.
وأخذت تتباين ملامح طريق تحفه صخور رمادية ثقيلة، وأوراق حمراء تلتحم بلطف على أركان العربة.
“يبدو أن ذلك الناسك لا يكترث بأمر جلالته… هذه الأشجار ستقوده إلى الجحيم إن لم يغادر هذا المكان”.
هز الظل الآخر لجام الإيل “أهذا الطريق الصحيح؟” زفر ڤالكور ووضع يده على ظهر المقعد، ثم قال “إنه يكتنف بعض الصعاب، لكنه يؤدي الغرض…”
في هذه اللحظة، أخذت الأوراق تتكثف وتلامس جميع أنحاء العربة، حتى نفذت إلى ساحة من عشب أسود، تطير فيها فراشات حمراء مخططة بالسواد، ويرعات مضيئة بضوء رمادي وآخر أزرق.
ارفعي الصوت أيتها النجمة ليسمعا إليه يسرد ذلك المشهد:
———-
[حسناً…]
———-
5
6
7
8
توقفنا أمام قصر رمادي اللون قاتم وشاحب. قال ذلك الظل ڤالكور: “هيا، فلتغادر إلى ذلك القصر حتى يحين موعد الجولة الثانية…” شددت يدي حول زوجتي، ثم نهضت بجسدي الثقيل، وخطوت على العشب الأسود.
بغتة، غاصت قدمي في الأرض وكأني خطوت فوق لحم طري.
انزلقت، كدت أن أسقط، بل لامست ركبتي العشب، لكنني أسندت كوعي على الأرض، وتمسكت في اللحظة الأخيرة.
اعتدلتُ بقوة المسؤولية التي أحملها بين يديَّ، ثم أكملتُ السير. بعد كل خطوة على هذه الأرض، ألتقطُ منها صوتاً كالشهيق. من خلفي، قال ذلك الكلب الظل فيما العربة تمر:
“احذر أيها البشري، فأنت تسير في أرض لا تعرفها!”
أكملتُ السير وأنا أدقق النظر في كل شيء، إلى أن توقفتُ أمام بوابة القصر الخارجية. كانت متصلة بسورٍ داكنٍ مرتفعٍ غليظ.
نظرتُ من بين فراغاتها الطويلة إلى ذلك المبنى العريض.
كانت له ستة طوابق متلولبة. تلتف حوله سبعة أعمدة بلون الرماد، عليها نوافذ حديدية صفراء باهتة.
كان كل عمود تتسلقه أغصان الأشجار الحادة، وتتفتح عنه هناك في الأعلى كالمخالب، بينما جذورها الممتلئة والحمراء تسبح وتقفز على أطراف ساحة القصر الصلبة، ثم تقفز قفزة طويلة حتى تصل إلى هذه البوابة.
كانت تلتف على جوانبها نزولاً إلى هذه العتبة المرسوم عليها ميزان مقلوب، ثم تعود إلى باطن الأرض مرة أخرى…
كل شيء من حول هذا القصر كان فاقداً للحياة، وكأنك تعيش في منطقة منعزلة بين طرفين من العالم.
خطوتُ على العتبة بنفسٍ مسموع، فإذا بالبوابة الداخلية تفتح.
تقدمت هيئتان بهدوء حتى تباينتا من بين الظلام.
طفل أسود يرتدي حجاباً أسود لا يظهر إلا عينيه ذات اللون الأبيض، والطفل الآخر أبيض يرتدي حجاباً أبيض لا يظهر إلا عينه السوداء.
“مرحباً بك أيها المختار في قصر الناسك”.
كانت نبرة صوتهما خافتة لا تحمل أية كراهية أو القليل من الحب، مجرد صوت يُسمع فقط. دفعتُ البوابة الخارجية بقدمي، ثم رفعتُ قدمي الأخرى وأكملتُ السير إلى داخل القصر… أُقفلت البوابة خلفي.
أدرتُ رأسي قليلاً وقلتُ:
“أيمكنكما أخذي إلى حجرة النزيل السابق؟”
قالا سويّاً وهما ينحنيان باحترام:
“لا يوجد سواها أيها المختار”. نظرتُ بسرعة إلى ملاك وأنا أفكر: المختار مرة أخرى… ما معنى ذلك؟
“إذاً… أيمكنكما أخذي إلى هناك؟” لم أرغب في التوقف هنا أكثر من ذلك، فزوجتي قد أخذت ترتجف كثيراً.
“حسناً أيها المختار”.
سارا أمامي بهدوء. تبعتهما بخطوات أبطأ وأنا أنظر للأسفل. لقد كان كل شيء من حولي ملفتاً للنظر بشكل غريب، إلا أن تساؤلاتي كانت أكثر، هذه كانت أكثر إلحاحاً:
لماذا فعلت ذلك يا أبي، أكان كل شيء فقط من أجل هذه اللعبة؟!
في هذه اللحظة، كنت أنظر إلى ملاك التي أصبحت لا تبعد عينيها المغطّاتين بالدموع عن عيني، وأنا أشعر بنار تتصارع داخلي… أنا السبب.
“تفضّل، أيها المختار”.
دخلتُ إلى الداخل. توقفتُ أنظر بعين الدهشة. كان كل شيء داخلها يقول: لا يمكنك الخروج إلا لهلاكك. وكل شيء فيها يقول:
أنا أثمن.
حجرة بلاطها فضي مذهّب، كأنه امتص ماءً من ذهبٍ سُكب عليه، يعكس كل حائط فيها الآخر؛ ليظهر واحدٌ منها ذلك السرير الأحمر المرتفع كأنه عرش أحمر في وسط الحجرة تماماً.
إن نظرتَ فوقه تجد شعلة زرقاء في مصباح مزخرف بميزانين، يلتف بهدوء لينبعث منه هواء بارد لطيف له رائحة كالفراولة والنعناع.
وإن نظرت أسفله تبهرك تلك الوردة الجورية الزرقاء، مزخرفةً فيها عشرات الورود بألوانٍ مختلفة. وجهت بصري إلى النافذة التي تعكس المشهد الخارجي والداخلي بكل وضوح.
ثم أخذت أسير نحو السرير دون أن أدرك. فجأةً، توقفت قدماي عندما سمعت صوت باب الحجرة يُغلق من خلفي.
في هذه اللحظة عاد إليَّ صوت الواقع. هذا المكان ليس حلماً، بل سجن لا يمكنني الخروج منه دون موافقة.
على طول الطريق، شعرت وكأنني أسير مجبراً خلفهما. لا أملك حرية الاختيار أو حتى التفكير
في ذلك.
في هذه الثانية، تحركت ملاك وحاولت أن تنزل من بين يدي. انحنيت حتى نزلت على قدميها. أمسكت بعباءتها وشدتها حول جسدها فيما تحتضن ذراعيها، وذهبت نحو أحد الأركان.
رفعت يدي لأشير لها إلى السرير، ثم أنزلتها وأنا أنظر إلى سلمه الزجاجي وقد اعتصرت قبضتي. لا يمكنني، ليس بعد.
تقدمت وأخذت أصعد بجسدي المرهق، خطوة واثنتان وسبع، حتى غصت على فراشه الناعم.
أخذت أتنفس وأنا أنظر إلى السقف الذي يعكسها تتكور على نفسها في ذلك الركن.
أستطيع الشعور بكل شيء يدور في ذهنها… ولا أستطيع أن أنكر ما قد تظنه بي.
“أنا آسف…” قلت ذلك وأنا أشعر بنعاس لا يمكنني مقاومته. بدأت خيوط دخانية سوداء تتساقط من الأعلى، حتى انغمرت في الظلام الحالك..
يتبع…
إشترك في عضوية VIP - بدون إعلانات
إشتراكك و دعمك للموقع يساعدنا في إستمرار و بناء تطبيق للهاتف
تخلص من الإعلانات المزعجة واحصل على وصول أسرع للفصول وميزات VIP للتعليقات ووضع التركيز والكثير من المزايا.
إشترك في VIP - بدون إعلانات -ندعم بيبال عملات رقمية و فيزا وكل الوسائل
اشتراك في العضوية VIP في Patreonبالفيزا أو الماستر كارت
اشترك في العضوية و إدعمنا VIP عبر Ko-fiعند اشتراكك أو دعمك للموقع لا تنس أن ترسل لنا اسم حسابك لتفعيل VIP.
التعليقات
Comments for chapter "الفصل 13"
MANGA DISCUSSION