الفصل 11 - البداية الجديدة.
الهواء ساكن تحت السماء المظلمة.
“استجب لندائي…”
كان ذلك الصوت يتردد كالهمس في الأعلى، بينما الجميع في الأسفل، داخل بيت الأطعمة الخفيفة يقولون بصوت منخفض:
“ما الذي حدث له؟”
في تلك اللحظة، كان هنالك ضوء خافت ينعكس على زجاج الساعة الباهت: (7:00) وتتبين منه ملاك تهز زوجها من كتفيه وتنادي بصوت مرتفع:
“طاهر، طاهر… أجبني!”
أميرة أيضاً، كانت بالقرب منها، تتلفت هنا وهناك صارخةً: “اظهري”.
أما غلاك الصغيرة، فكانت تقف من خلفهم، تضغط على أذنيها وتنادي بصوتٍ صغير: “بابا…” لكنه من أمامها لا يسمع شيئاً كالأصم، ينظر إليها لا يبصرها، فما تراه عيناه عبر خيوط الظلام المتشابكة، كان كفيلاً بأن يشل حواسه الطبيعية لفترة وجيزة…
شمس فاقعة الزرقة تطل من بين الأفق البعيد، وصاحبة الرداء الأبيض تتجلى من جوف دخان ذو لون لبني فاتح، قبالة المدخل.
ابتسمت ابتسامة عريضة بينما يرفرف بشتها بهدوء خلفها “0” قالت ذلك وكعب قدمها الألماسي يطرق الأرض بخفة كأمر ملكي…
رفعت بؤبؤيها السماويين نحوه.
في الخلف إلى الأسفل قليلاً، ينظر إليهما وكأنه يغوص في بحر عميق أبعد ما يكون خيالاً.
وجه طاهر بصره إلى قدميه وقلبه ينبض في جميع جسده بهدوء؛ ليجد بحراً أسود قد ابتلعهما بالفعل، لا.. بل نصف جسده.
اشتدت أعصابه وأخذ يتنفس بصعوبة بينما ملاك تصيح من حوله “إنه يتنفس!” اقترب وقع أقدام العوائل نحوهم، وقالوا في صوت واحد كالأعمى يسأل أخاه أعمى الألوان ما لون السماء:
“ما خطبه”.
“لا أعلم”. التفت ملاك وأردفت بصوتها المرتجف:
“أشعلوا المصابيح.. أشعلوها!”
“أنا أحاول…”
قال النادل ذلك وهو يهز المعدن في أحد الأركان.
أما في وسط البحر، فقد ابتلع طاهر حتى آخر عنقه.
عيناه تنظران إلى صاحبة الرداء الأبيض من بين الأقدام، تلوح له بيدها، وتحرك شفتيها في أحرف صامتة.
اتسعت عيناه “أنتِ..” لم يستطع طاهر أن يكمل تلك الجملة، حتى غاص جسده في ذلك البحر الأسود، واختفى تماماً بين ظلماته الكاحلة…
فليذهب إلى الجحيم، من الذي يهتم. ماذا؟ لا تفعلي أيتها القارئة… حسناً، كما تريدين، سأكمل السرد:
في تلك اللحظة، أشعل النادل المصباح وأخذ يقترب بخطواتٍ سريعة وهو يقول:
“طاهر، ماذا به؟!”
بدأ الظلام يهوي بهدوء إلى الأسفل وكشف عن طاهرٍ يرتجف ويزبد. عيناه بارزتان قد انتشرت عليها الشعيرات الحمراء من أطرافها، تنتفض، يحدق إلى الأسفل ويصدر صوتاً طفيفاً كأنما هو يغرق.
توقف النادل ينظر إليه من الخلف، كتفاه مصطدمان بظهر المقعد في وضع غير مريح، كان يبدو وكأنه يحاول الاندفاع للوراء بكل ما يستطيع.
“طاهر… أرجوك!”
هزته ملاك من كتفيه، ثم أخذت تضرب وجهه
“انظر إلي… هيا”.
اندفعت نحو المائدة وأخذت كوب الماء، غمست يدها المرتعشة فيه ومسحت وجهه. وما إن تخطت يدها حاجبيه، حتى رأت عينيه المحمرتين قد ارتفعت واختفت بؤبؤاه خلف جفنيه.
شهقت بحدة، نهضت وهي تصرخ:
“خذوه إلى المشفى… أسرعوا!”
كان الجميع ينظر إليها في صمت وهي تستنجدهم، ثم همسوا لبعضهم البعض بعدما ذهبت تحاول رفعه من يده:
“ماذا يجب أن نفعل”.
راح كل واحد منهم يشير إلى الآخر بالتقدم والمساعدة، حتى اقترب النادل وأشار إلى بضعة أشخاص ممن يعملون معه، قائلاً: “المعذرة…”
“خذوه بسرعة، يجب أن يستيقظ في أقرب وقت!”
قالت ذلك وهي تبتعد عنه.
أومأ النادل برأسه “فلتساعدوني على حمله”. ثم نظر إلى أصغرهم وأضاف:
“اذهب إلى مشفى النور وأخبر أم عامرٍ بما حدث، فوراً”.
“حسناً!”
قال ذلك بعدما وضع كفه على صدره، ثم خرج يركض على قدميه بينما يحمل طاهر على أكتاف الرجال، وتسير ورائهم ملاك وبضعة نساء…
من خلفهم، ارتفعت يد تتمايل “ماما…” غلاك، كانت تشعر بالكون من حولها يتذبذب، وتظهر منه خيوط كالحراشف السوداء تتموج. “ماما”.
بدأ جسدها يتهاوى وهي تحاول إبعاد الخيوط بيدها اليمنى، وتستند على طرف الطاولة باليد الأخرى.
لكن… لسوء حظها، لم تقو قدماها على حملها وسقطت على ظهرها.
اصطدم رأسها بطرف القاعدة المدببة للمائدة، وانحل نصيفها عن رأسها.
في تلك اللحظة، كانت المرأة ذات الرداء الأبيض تقف عند رأسها. انحنت قليلاً لترسل لها قبلة، ثم اعتدلت ونظرت إلى أميرة. مازالت تبحث هنا وهناك وتصرخ
“أخرجي… من تكونين أيتها الساقطة!”
حركت المرأة ذات العباءة البيضاء سبابتها في الهواء بخفة، ثم التفتت لتغادر.. وعلى صوت طرق كعبيها الخافتين، نظرت أميرة من فوق كتفها وقد شارفت على الخروج.
تفحصتها بعين خاوية، ثم وجهت بصرها إلى ذلك الظرف الذي سقط دون صوت فوق سطح المائدة.
انطلقت نحوه من غير أن… مهلاً، لم يكن المشهد هكذا!
ألم تكن أميرة تصرخ عليها وتلاحقها حتى تسقط هي كذلك؟ ما الذي يحدث… أيمكن أني أخلط بين مشهد وآخر؟ لا، بل ومستحيل. حسناً، هذا لا يهم.. ما يهمكما الآن، أن أميرة قد وصلت ومزقت الغطاء. أخذت تقرأ الرسالة بعين ثاقبة:
[يمكنك المغادرة الآن… قبل أن يطرق أنفك الأرض.]
“خصم 3 نجوم سوداء للهجوم!”
امتد خيط شفتيها في ابتسامة ضيقة وهي تقطع الورقة، قطعة خلف قطعة في كفها، ثم قذفتها في الهواء، قائلة: “حسناً…”
رفعت رأسها تفكر: …ولكنك طرقت باباً، سيتردد صداه في أذنيك ما حييت!
وبينما تتساقط آخر جزيئات الظرف من حولها ونظراتها الحادة، توسعت عيناها. تحركت حول المائدة متخبطة في خطواتها، ثم انخفضت وهي تنادي: “غلاك؟!”
هنالك عند يديها، تحت بضعة من الأوراق الممزقة، كانت غلاك ممددة على الأرض والدماء تسيل من على جبينها. “غلاك؟!” سقطت أميرة على ركبتيها وأخذت تمرر يديها المرتعشتين على وجهها وتقول بصوت مختنق
“غ.. غلاك…” رفعت يديها ترتجف، فإذا بالدماء تسيل منهما وتتساقط على الأرض…
في تلك اللحظة، استيقظ طاهر داخل بوابة أخرى، في:
——————-
|عالم الماورائيات…|
——————-
…ملاك؟ همست في نفسي وأنا أحاول أن أتذكر شيئاً: ما الذي حدث لي؟ شهقت بهدوء وكأني لن أتوقف أبداً، أبداً.
خيوط الأفكار تحاك في رأسي كلما احتضنتني ملاك داخل حجرة نومي، وكلما حاولت احتضانها انقطعت وذبلت؛ لأسقط في هذا المكان الموحش مرة، ومرتين، ومرات…
كلما عدت إلى هنا، أشعر وكأن جسدي يغوص عميقاً، عميقاً في فضاء ضيق كبئر لا قاع له إلا قلبي… يدب… يدب، بقوة، وكأنه سينفجر في أية لحظة.
أشعر بطبلة أذني تحمل جبلاً من الصمت تعلوه همسات غريبة، أشبه بزغزغة العصافير منها إلى البشر.
“هنا… سيذهب، قد…”
كلما كنت أفكر فيه في تلك اللحظة، متى سأتوقف عن السقوط؟ يجب أن أعود إلى عائلتي. ملاك، أميرة، غلاي، ما الذي سأقوله لهم إن استمريت في الاستلقاء هكذا دون فعل شيء؟
هذا ما جعلني أحاول رفع رأسي أو تحريك أصابع يديَّ، لكنني لم أستطع. أصريت على النهوض حتى وإن فعلت ذلك لألف مرة، بل حتى النهاية… يجب أن أنهض.
وبعد عدة محاولات، فجأة، أخذ قلبي يرتطم بظهري من الداخل، ثم اصطدم بصدري كأنما يحاول دفعي إلى نطاق بارد، هوائه ساكن لا حياة فيه، لا يمكنني الشعور فيه بمشاعري الإنسانية أو حتى ببعض الألم الطفيف.
كل شيء يبدو لي كحلم طويل، لا أمل، لا صوت، لا شيء… ولكن، متى سأستيقظ؟ أنا أريد أن أنهض.
في هذه اللحظة، شعرت بنصف جسدي العلوي يرتفع وكأني دمية حركت بخيط، فتتابعت الخيوط من بعدها:
أزفرت رئتاي، هدأ قلبي، وعادت خيوط رأسي ترقع الصور الممزقة.
إذاً، هذا ما حدث… تراخت قدماي للخلف لأستريح على كرسي من الظلام المتجمد من حولي. نظرت إلى يدي التي لا تتبين لي من شدة السواد، وقلت بيني وبين نفسي:
“أين أنا؟”
في تلك الثانية، ارتفعت همسة بشكل ملحوظ تنبعث من كل مكان، ثم تكشف لي أنها ضحكة بعدما دوت من أمامي في آخر الأمر:
“بوهههه… أيها الفارس اللعين، أنت في حضرةِ عظيم؟!”
أعلم أن ما بعد استيقاظي في هذا الفراغ الحالك، لن يكون أقل من ذلك.
ولكن، كيف يمكنني العودة إلى المنزل؟
بدأ ذلك الصوت الشبيه بالتحام سيفين يهمهم بمرح، قبل أن يطرق عقرب ساعة بثقلٍ هادئ يتردد… أخذ الظلام يتبخر من حولي، لتظهر تلك الخيوط السوداء المتموجة، تتخللها خيوط دخانية مضيئة ذات لون أزرق، تتكثف بهدوء، حتى تباين أمامي عرش ضخم، لم أر ممن يستريح عليه إلا قدميه الألماسيتين.
نظرت إلى قدماي فيما أجد شيئاً في داخلي ينبعث بحيث لا يمكنني وصفه. ولكنه جعل قلبي ينبض بالمشاعر من جديد.
ما سيظهر بعد الآن… لن يكون شيئاً يمكنني التعامل معه، أليس كذلك؟! بينما كنت أفكر، اندفع زفير من الأعلى وتلاعب بثوبي.
“أيها الفارس…”
كان صوته يثير القشعريرة في مفاصلي من شدة الخوف، فلا يمكن لبشري أن يمتلك نبرة حادة مثل هذه، إلا إذا كان يمتلك لساناً من شفرة وعنقاً من حديد.
حاولت أن أتنفس بهدوء وأنا أنظر إلى تلك الظلال المتراقصة هناك في الأسفل، فلمحت ظلاً ثالثاً يقترب…
لماذا هو ضخم هكذا؟! ولماذا الطاولة مرتفعة وكأنها تحلق بعيداً؟!
“…ما الذي تنظر إليه؟ أهنالك ما يثير اهتمامك في الأسفل؟”
لم أقل شيئاً. أنا لا أعلم ما الذي يجب علي قوله، كل ما أريده هو الاستيقاظ من هذا الكابوس الغريب. بينما تتبع عيناي ذلك الظل المقترب، توقف على جانبي وكأنه جبل عمودي، يقول من بعيد:
“أيها البشري، في حضرة الملك الموقر يجب عليك الإنصات جيداً، وإلا سيسقط رأس الحشرة حيث تنظر!”
كان صوته عميقاً وكأنه هديل من قاع بركان راكد.
تساءلت بهدوء وقدماي تصطدمان ببعضهما:
الملك الموقر؟! أليست المرأة الدخانية وذلك الرفيق من سيحاول استجوابي مثل كل مرة؟! لماذا قام باستدعائي إلى هنا؟
أحقاً سيقتلني إن لم أنظر إليه فقط… حسناً، يجب أن أجعل هذا الجنون ينتهي دون موتي، وإلا سيتكرر الأمر لمرات عديدة!
ابتلعت ريقي ببطء، ثم رفعت رأسي بحركة مشابهة.
تصلبت عيناي على وجهه القابع فوقي مباشرةً.
“ياه!” دوت صرخة داخلي وكادت أن تنبثق، لكنني كتمتها حتى لا يطول الكابوس وتزداد آلامه قسوةً. فكلما أظهرت خوفي، ازدادت هذه الكوابيس قوةً.
“استمع إلي جيداً…”
إنه ينظر إلي من خلال عينيه العميقتين في وجهه السماوي الداكن، عينان أقرب إلى ثقبين صغيرين في حائط قديم. انخفض بصري باضطراب نحو شفتيه فيما يكمل:
“…سأقوم بشرح قواعد اللعبة لمرة واحدة فحسب.”
كانت مسحوبة إلى فوهة فمه التي يختبئ خلفها سور أسنانه الفضية.
ولكن أي لعبة؟! ألن يحاول استجوابي أو طرق أصابع يدي بالمطرقة الذهبية إن أخطأت؟
كنت أفكر وقلبي يدب ويدب بينما جسده يصغر بسرعة ويتنفس بخاراً أحمراً غامقاً، حتى إذا ما كشف عن ذلك النور الأزرق الدخاني خلفه مرة أخرى، تبدد ليسطع النور الدخاني الأزرق من داخل فانوس ذهبي مرصع باللؤلؤ.
كان يقبع في وسط المائدة، يبدو كالكوكب الصغير، تتزخرف عليه مطارق مختلفة الأشكال والألوان، بين أحمر وأزرق وأخضر.
ارتعش ممسكه المنتصب قليلاً على هبوط إصبع أبيض شاحب من الأعلى. حمله من رأسه المعدني، ورفعه بهدوء. بدأ الظلام المتطابق كالسحب من فوقه يتبدد، طبقة خلف أخرى، حتى توقف عند عينٍ شاحبة متقوسة كالهلال.
“تبدو صعلوكاً عديم الفائدة بالمقارنة مع ذلك الأعرج الخبيث!”
شددت قبضتيَّ فوق تلك الطاولة التي أمامي.
———————————————–
|سأصف لكما، هذا من أجل القارئة فقط. كانت تبدو كساحة حربٍ أو محكمة قديمة تتقاطع فيها خطوط عميقة، وتتنظم فيها معينات ملونة، تطوف حول مركز اللوح النجمي…|
———————————————–
ابتلعت ريقي البارد في صمت، وأنا أنظر إليه من أعلى بصري بشكل خاطف. نظراته تهبط نحوي وكأني حشرة تجلس على قدمين.
أدار الفانوس لمرة واحدة فيما ترتفع ابتسامته من طرف وجهه، فقال الكيان الآخر ذو اللون السماوي الداكن:
“لقد انتهى وقت الشرح.”
تراجع قليلاً ورفع يده.
تبلورت حولها كرة حمراء دخانية، تنبض، تتوسع، ومن ثم انطلق منها نرد بحجم حجرة وسط الطاولة.
يلتف، يدور ليترنح أخيراً، ثم ثبت.
قلت وأنا أنظر إلى ذلك الكيان السماوي الداكن:
“أنا..”
دفع يده نحو الملك دون أن ينظر إلي، وقال:
“اللون أحمر… إيواسا”.
بغتةً، هبط ذلك المصباح فوق النرد تماماً، ضيقت عيناي على هبوب الهواء المنبعث والذرات المضيئة الكثيفة، بينما يرفع الملك تمثالاً ضخماً من جانب الطاولة، وهبط به في معين رمادي. كان صدى ضحكاته الحادة يتردد بينما يصيح:
“الشيطان الأحمر، تفعيل المهارة الأولى!”
أشار ذلك الكيان السماوي الغامق إلى الطاولة، معلقاً:
“خصم 3 نجوم سوداء للهجوم!”
يتبع…
(إيواسا تعني: إلعب)
إشترك في عضوية VIP - بدون إعلانات
إشتراكك و دعمك للموقع يساعدنا في إستمرار و بناء تطبيق للهاتف
تخلص من الإعلانات المزعجة واحصل على وصول أسرع للفصول وميزات VIP للتعليقات ووضع التركيز والكثير من المزايا.
إشترك في VIP - بدون إعلانات -ندعم بيبال عملات رقمية و فيزا وكل الوسائل
اشتراك في العضوية VIP في Patreonبالفيزا أو الماستر كارت
اشترك في العضوية و إدعمنا VIP عبر Ko-fiعند اشتراكك أو دعمك للموقع لا تنس أن ترسل لنا اسم حسابك لتفعيل VIP.
التعليقات
Comments for chapter "الفصل 11"
MANGA DISCUSSION