الفصل 10 - الملاك والأميرة.
كانت أميرة داخل حجرتها الهادئة تجلس على طرف السرير، تفكر: ترى من تكون تلك الفتاة، ولماذا يرتعب منها لتلك الدرجة؟
رفعت رأسها نحو الصندوق المربع الذي يرن فيه هاتفها. هنضت واقتربت من الطاولة. فتحته ثم أخرجت الهاتف من بين أحد الأركان. كان إصداره نوكيا من نوع:
(Nokia 3310).
تفحصت شاشته الخضراء لتجد أن الهاتف قد استقبل بالفعل الاتصال لثلاث مرات. ضغطت أحد الأزرار الخضراء بسرعة وأجابت بابتسامة عريضة فيما تنظر إلى الهاتف عند أذنها:
“بابا أنا آسفة لم…!”
“كيف حال طاهر اليوم؟”
[في الساعة: 10:30 داخل بيت الأطعمة الخفيفة]
قال ذلك وهو يمضغ شيئاً في فمه. صمتت أميرة للحظة وتموجت ابتسامتها، ثم أجابته:
“يبدو في حالة جيدة نوعاً ما… بابا هل أنت بخير؟!”
قالت ذلك وهي تسير لتجلس على طرف السرير.
“بالتأكيد…” انخفض صوته في هذه اللحظة تزامناً مع ظهور صوت طفل صغير يقول:
“جدي… أغلق الهات…”
انقطع الخط على الفور بينما أميرة تحرك شفتيها لتقول شيئاً ما، لكنها اكتفت بابتسامة مرة بينهما.
بقيت مكانها تنظر إلى السقف لوقت ليس بقليل، ثم نهضت فجأة تاركةً هاتفها يومض فوق السرير.
خرجت من الحجرة بهدوء، ثم سارت نحو الأريكة وهي تنظر إلى أقدامها.
جلست فوقها وراح بؤبؤا عينيها إلى الحائط الرمادي، ثم إلى المصباح الأزرق الذي يحمل في بطنه نوراً كالبدر، ومن ثم أغمضت عينيها في رمشة مطولة وأخذت تفكر:
بابا.. أهنالك شيء لا يرضيك عني؟! لماذا لا تحاول الاطمئنان علي؟ أكنت مهتماً به دائماً؟
أحتى أنت…
فتحت عينيها على وقع أقدام تقترب، فإذا بملاك تسير من أمامها بخطوات قصيرة وسريعة، ترتدي روبها الأبيض وتنظر إليها من طرف عينها.
دخلت إلى حجرتها وأغلقت الباب بينما تقول غلاك: “ماما…” تكورت قبضتا أميرة ولمعت عيناها بالدموع الحارقة، يغلي عقلها غضباً.
“كل هذا بسببه، هو السبب في كل شيء!”
نهضت على قدميها وقد نضجت عقد رأسها من نارٍ مشتعلة في جوفها، ثم سارت بخطواتها الثابتة والطويلة حتى دخلت المطبخ.
أطفأت النار، ثم أخذت الطبق النحاسي، أمسكت بطرف ردائها، وأمالت القدر ليسقط البيض الذي أصبح رمادي اللون على وجه الطبق، ومن بعد ذلك ذهبت إلى صحن السلطة وأخذته لتخرج من المطبخ بأنفاسٍ مندفعةٍ قاصدةً حجرة نومه…
فتحت الباب دون صوتٍ وخطت إلى الداخل… كان طاهر في هذه اللحظة ينظر إلى النخلة في الخارج وهو يرتدي ساعته الفضية، بينما تقف أميرة خلفه كأنما اصطدمت بحاجز من الزمن.
كانت تنظر إليه ولا زالت تمسك بالطبقين في يديها، ولم تتحرك حتى شعر بأنفاسها المكبوحة تخرج عن سيطرتها.
التفت نحوها بعين متعبة، ثم رفع رأسه وتفحص وجهها قبل أن يقول: “أميرة…”
تحركت من مكانها وجلست بجانبه على الفراش تهمس: “لقد جهز الإفطار…” نظر إليها للحظة، ثم إلى الطبقين في يديها: أتفعل هذا من أجلي؟
أدارت نحوه إحدى الملعقتين في طبق السلطة، وواحدة أخرى أمامها.
“ما الذي دهاك، هيا، فلتأكل.”
كان طاهر ينظر إليها، لا يعلم ما إن كانت هذه التي امتنعت عن الطبخ لشهر كامل، أتحاول التصرف كزوجة مطيعة وصالحة، أم أن هنالك ما تخفيه خلف نظراتها الصارمة تلك.
تحركت يمينه دون أن يشعر فيما ينظر إلى قدميه، أخذ لقمة صغيرة وقربها من فمه -هنالك عين تنظر إليه عن كثب- ابتلعها ثم ألقى نظرة سريعة ليسمع:
“كيف هو طعمها؟”
صمت للحظة، ثم أومأ برأسه قائلاً:
“لذيذ…”
وعلى إشرافه للقمة الثانية، ثبتت ملعقته بخاصتها، تنظر إليه من طرف عينها المتسعة.
“إذاً، أين هي مؤنستك الجميلة؟” قالت ذلك بهدوء بينما تقترب من جانب وجهه. سقطت الملعقة من يده على طرف الوعاء، عيناه تتسعان بحاجبين مرتعشين، وبدأت ركبتاه ترتطم ببعضهما. “استمع إل…”
نهض طاهر ليخرج فيما تحاول أميرة أن تمسكه وتقول: “عد…”
لكنها توقفت عندما رأت ملاك تخطو داخل الحجرة، ترتدي قميصاً أبيض، ويغطي رأسها نصيف أسود.
تقدمت إليه فيما ينظر إلى أميرة وأمسكت بيده. التفت دون أن تنظر إليها، وأخذت بيده إلى خارج الحجرة.
تنفست أميرة: “سأعلم كل شيء!” قالت ذلك وهي تنهض من مكانها.
راحت نحو النافذة تنظر من شق ركنها النحيل، وتفكر:
ما الذي كان ينظر إليه؟!
في تلك اللحظة، استراحت بومة على سعفة النخلة المنخفضة وأخذت تنظر إليها.
“بومة في الظهيرة؟!”
قالت ذلك واعتدلت لتنظر بكل وضوح من خلال منفذ النافذة مباشرة. ولكن فجأة، شعرت بخطوات تدب من خلفها بخفة.
التفتت فيما يتدفق الهواء بهدوء حتى جوف المنزل ومعه تلك الرائحة العطرة، تنظر من فوق كتفها وهي تقول: “أيتها الكاذبة!”
تقدمت ملاك ووقفت خلف ضوء النافذة.
“أنصتي جيداً”
أدارت أميرة ظهرها واقتربت منها حتى غطتها بظلها، ثم توقفت أقدامها بمحاذاة أشعة الشمس.
طرقت مقدمة كعبها وحاولت أن تصرخ.
لكن ملاك تخطتها قبل أن تنطق، وذهبت إلى النافذة لتغلقها. قالت وهي تدفع باب النافذة بهدوء:
“بل أنتِ من يجب أن ينصت…”
أغلقتها باليد اليسرى وشدت القبضة الأخرى فيما ترفع سبابتها، مردفةً:
“ما حدث قد مضى، وجودك في هذا المنزل ليس شأني…”
أدارت رأسها وهي تنظر إلى الأسفل، وأكملت:
“ولكن، إن حاولتِ تدمير هذه الأسرة-“
أدارت ظهرها قليلاً لتنظر إلى عينيها قبل أن تضيف:
“قد تطرقين باباً لن يغلق بعد ذلك!”
تقطب حاجبا أميرة وهي تنظر إليها تحاول الخروج بعد تلك الجملة.
لم تكن تنوي التراجع أبداً، لكن تلك الكلمات التي تلفظت بها ملاك لم تكن كلمات من رجل لن يهمها ما يعنيه بما أن عقد رأسه قد تعيقه عن التهور، بل هي كلمات امرأة مثلها، قد تعصف عواطفها بتلك العقد في رأسها، والبيت، والحارة، والعالم من بعد ذلك، ثم تعود لتهدأ في داخلها كأن شيئاً لم يحدث.
شدت قبضتيها المنتفضتين وقالت:
“استمعي إلي أيضاً.. إن تحدثتِ إلي بهذه اللهجة مرة أخرى، فلن تكون العواقب مجرد طرقة صغيرة!”
توقفت ملاك وأقفلت عينيها للحظة. تنفست بعدها بشكل طفيف، ثم تباعدت رموشها وقالت: “حسناً، أيمكنك المغادرة؟”
“لا” ارتفع صوت أميرة.
احتدت نظرات ملاك وأمسكت بطرف قماش رأسها. أهمت بالتوجه نحوها، ولكن بغتة:
“ماما… بابا ينادي~” طرقت غلاك الباب بقوة وقالت ذلك بصوت مرتفع…
شدت ملاك شفتيها ونظرت إلى الأرض، ثم خرجت من الحجرة دون أن تقول كلمة فيما تسرع غلاك خلفها عبر الممر… في الحجرة المرادفة لباب المنزل، كان طاهر مضجعاً على شماله، يستند بظهر على الحائط فوق السرير.
وقفت ملاك أمامه وربتت على كتفه بابتسامة صغيرة، قائلة: “أنا هنا!”
فتح عينيه برعشة طفيفة ونظر إليها، ثم وجه بصره إلى الحائط. قالت ملاك بصوت منخفض وهي تجلس أمام ساقيه الممددتين:
“أتعلم أن غلاك قد اشتاقت إلى بيت الأطعمة الخفيفة…”
أمالت رأسها نحوه وأكملت: “لماذا لا نذهب جميعاً؟”
صمت طاهر للحظات، ثم حاول النهوض بجسده الثقيل.
جلس وأسند يديه إلى جانبيه. رفع رأسه المنخفض ونظر إلى غلاك. كانت تضم يديها في الأسفل، تنظر إلى الأرض تارة، وتارةً إليه بابتسامة طفيفة.
أنزل طاهر رأسه مرة أخرى فيما ملاك تنظر إليها بابتسامة وتشير لها بسبابتها أن لا تقول شيئاً، ثم رفع رأسه ببطء.
“حسناً، فلنذهب قبل منتصف…”
احتضنته غلاك قبل أن يكمل وهي تصرخ: “أحبك بابا!”
ثم قبلت والدتها على وجنتيها، وراحت تقفز وكأنها تحاول أن تطير بجناحيها داخل الحجرة. عاد طاهر واستلقى فوق السرير، ينظر إليها حتى بدأت عيناه تضيق وتتطابق، ليغوص في نوم عميق…
[في الساعة: 10:30 داخل بيت الأطعمة الخفيفة]
بينما طاهر ينظر إلى كوبه الحديدي. الأصوات من حوله ترتفع من جميع الأركان فيما يسيطر الصمت على جوفه ومن حوله القريب…
كانت العائلة تجلس على مائدة خشبية بنية اللون، مخططة بخطوط طويلة وعريضة، لها أربعة مقاعد: ملاك على يمين طاهر
-يرتدي ثوباً أزرق داكناً-
أميرة على شماله بعباءتها الرمادية المزخرفة بالورود البيضاء، وغلاك في حجابها الصغير تنظر إليه من أمامه بفم ممتلئ.
وضع النادل الصغير أكواب الماء على الطاولة المقابلة بينما طاهر ينظر إلى كوبه الحديدي.
الأصوات من حوله ترتفع من جميع الأركان فيما يسيطر الصمت على جوفه ومن حوله القريب…
اقتربت وقع أقدام النادل الآخر، يرتدي قميصاً أبيض ويلف رأسه بغبانة صفراء تبرز في وسطها قبعة ناصعة البياض.
وضع طبق الطعام الكبير وسط المائدة من خلف ظهر طاهر، ثم صب عليه العسل الذهبي، قائلاً بابتسامة تظهر من بين شاربه ولحيته الداكنة:
“باسم الله تفضلوا…”
وضع يده على كتف طاهر وغمز لغلاك التي أشاحت وجهها إلى الجهة الأخرى:
“لا تقلق بشأن المال” قال ذلك عند أذنه، ثم غادر وهو يقول بضحكة طفيفة:
“لقد كبرتِ كثيراً؟!”
صوت أقدامه تبتعد وهو يعود إلى طاولة الاستقبال. في هذه الأثناء نظرت غلاك إلى والدتها التي تتفحص عيني أميرة، ثم راحت تلامس قدمها في الأسفل.
“ماما، من هذا؟!”
التفتت إليها ملاك وهي تنظر من خلال خط نقابها الأسود:
“رفيق والدك، كان يأخذك إلى التنزه كثيراً في صغرك…”
ثم وجهت رأسها إلى طاهر وأكملت: “أليس كذلك؟” في هذه اللحظة، كان طاهر ينظر إلى قبضتيه المنضمتين على المائدة في شرود عن الواقع أمامه. رفع يده بهدوء، فلمعت ساعته الفضية بشكل باهتٍ من أنوار المصابيح الصفراء المعلقة في الأعلى، وتلألأ زجاجها لتكشف بعد ذلك عن:
(11:59)
مرر أصابعه المرتجفة على الساعة، ثم رفع رأسه متفاجئاً من ملامسة ملاك لقدمه من تحت الطاولة:
“طاهر، سيبرد الطعام.”
قالت ذلك بصوت واضح بينهما بينما تضع يدها فوق معصمه وتدفعه بلطف إلى الأسفل.
اعتدل طاهر وارتفعت على وجهه ابتسامة طفيفة، ثم قال بصوت منخفض: “هيا، تفضلوا”.
بدأت جميع العائلة تأكل وتبتسم أو تحاول الابتسام بعينيها، إلا أميرة.
كانت تريح رأسها على قبضتها المتراخية، وتتفحص طاهر بعينين حوراوين. لفت أصابع يدها الأخرى على فخذ الدجاجة المحمرة بينما تتقول في داخلها:
رجل لا يستطيع النظر إلى عيناي، قد تنجذب إليه النساء؟! لماذا يا ترى؟
على الرغم من أنه مثير للشفقة، إلا أنه مثير عندما ينظر إلى الأسفل أمامي…
اعتدلت برأسها نحو ملاك وأبعدت بسبابتها القماش الأسود المنسدل على وجهها، ثم وضعت اللقمة الصغيرة في فمها -شريحة الدجاج المقرمشة تنكسر بكل سهولة بين ضروسها، وتذوب بمذاق حلو رفقة حبيبات الأرز المملحة لتنزلق عبر حلقها- فكرت:
لذيذ! لم أكن أعلم أنها تخفي الكثير خلف قناع اللامبالاة هذا… ولكن لما أنا مزعجة نظراته تلك؟! أهذا ما كانت تريده من دعوتها لي..
انبثق فجأةً صوت حاد من بين شفتيها دون أن تدرك، ثم قالت بينها وبين نفسها: “وكأنني أهتم!”
وبالطبع، هذا لم يفلت من آذان ملاك وغلاك أبداً.
أما طاهر فقد كان ينظر إلى ساعته
(11:30)
لقد كانت الثانية عشرة قبل قليل؟!
فكر في ذلك، ثم رفع رأسه بعين متوسعة متصلبة على المدخل المظلم.
يحدق فيه وكأنه ينظر إلى هاوية مظلمة قد تبتلعه في أية لحظة. ومع ذلك لم يحدث شيء حتى الآن. أكانت كذبة أم هلوسة؟ غير هذا وذاك؟ لا أحد يعلم، ولكن ما أعلمه الآن، هو أن المصابيح قد انطفأت بغتةً.
التفت الجميع حول بعضهم يتساءلون: “أين النادل؟” فأجابهم وهو يسرع نحو المصابيح:
“المعذرة، سأشعلها الآن!”
أما طاهر، فكان رأسه يشتعل بالتخيلات، ويرتجف جسده فيما تحتد أنفاسه كأنما هنالك قوة تحاول اختطافه وسط هذا الظلام. على شماله، تتذوق لقمة كبيرة وهي تقول:
“لماذا.. تتنفس.. هكذا؟!”
[في الساعة: 10:30 داخل بيت الأطعمة الخفيفة]
فجأةً، صرخ طاهر وكأن هناك من يسحب روحه من جسده: “آآآءء…” ثم انقطع صوته في نفس اللحظة.
يجب عليكما الاستعداد لما سيأتي بعد كلمتي يتبع…
إشترك في عضوية VIP - بدون إعلانات
إشتراكك و دعمك للموقع يساعدنا في إستمرار و بناء تطبيق للهاتف
تخلص من الإعلانات المزعجة واحصل على وصول أسرع للفصول وميزات VIP للتعليقات ووضع التركيز والكثير من المزايا.
إشترك في VIP - بدون إعلانات -ندعم بيبال عملات رقمية و فيزا وكل الوسائل
اشتراك في العضوية VIP في Patreonبالفيزا أو الماستر كارت
اشترك في العضوية و إدعمنا VIP عبر Ko-fiعند اشتراكك أو دعمك للموقع لا تنس أن ترسل لنا اسم حسابك لتفعيل VIP.
التعليقات
Comments for chapter "الفصل 10"
MANGA DISCUSSION