الفصل 183 - ذكريات فتى
كان الظلام هذا أوّل ما يتذكّره يوجين.
ليس لأن طفولته كانت حزينة. بل لأن الذكرى الأولى التي بقيت عالقة في عقله كانت ليلة جلس فيها تحت الطاولة الخشبية الصغيرة في منزلهم، بينما كانت العاصفة تضرب النوافذ بعنف، وكان العالم كلّه يبدو أكبر منه بكثير.
كان في الخامسة من عمره. خائفاً. يبكي بصمت حتى لا يُزعج أحداً.
ثم وجد يد أمّه تمتدّ نحوه تحت الطاولة. دافئة. هادئة. كأن يدها وحدها كانت تعرف كيف تُخبر القلب أن يهدأ.
ابتسمت له.
وقالت بصوت خفيض كالمطر الخفيف:
“ما دمت تسمع صوتي، فلا يوجد ما تخاف منه.”
توقّف عن البكاء يومها. ليس لأن العاصفة هدأت، بل لأن شيئاً ما في تلك اليد أقنع روحه الصغيرة أن هناك دائماً من يمتدّ إليك في الظلام.
كان منزلهم فقيراً. صغيراً. متواضعاً.
لكنّه كان ممتلئاً بالضحك بطريقة تجعل الجدران تبدو أوسع مما هي.
والده كان حدّاداً. رجل ضخم الجسد يضحك بصوت أعلى من الجميع، كأن بهجته لا تتسع لجسد واحد. وأمّه كانت تملك قلباً يكفي مدينة بأكملها. أما سكارليت فكانت تكبره ببضع سنوات، وتتعامل معه كأنه كنز قديم يجب حمايته من كل ريح.
في ذلك المنزل تعلّم يوجين شيئاً بسيطاً بسيطاً كالماء:
إذا رأيت شخصاً يبكي… ساعده.
إذا رأيت شخصاً جائعاً… أطعمه.
إذا رأيت شخصاً وحيداً… اجلس بجانبه.
هكذا كان والده يقول. وهكذا كانت أمّه تفعل. وهكذا كبرت روحه، ببطء وبهدوء وبثقة، كشجرة لا تعرف أن الريح موجودة حتى يأتيها العاصفة.
في السابعة ظهرت قدرته.
حادثة صغيرة. قطة مصابة في الشارع. ركض نحوها باكياً وأمسكها بين ذراعيه، وهو يشعر بذلك الوجع الذي يشعر به الأطفال حين يرون ألماً لا يعرفون سببه.
ثم حدث شيء غريب. اختفى الجرح. تماماً. وقفزت القطة وركضت كأن شيئاً لم يكن.
عاد يوجين إلى المنزل يركض، وعيناه تلمعان بشيء لا اسم له.
“أمي! أمي! لقد شفيت القطة!”
ضحكت أمّه واحتضنته. وقال والده بفخر حقيقي ثقيل كالذهب:
“إذن لديك قدرة تساعد الناس.”
توهّجت عينا الطفل.
“هذا يعني أنني سأستطيع مساعدة الجميع!”
ضحك الجميع.
لكن يوجين لم يكن يمزح. ولم يكن يقول كلاماً جميلاً ليُسعد الكبار. كان يقول ما يعتقده بكل ما في قلبه الصغير.
منذ تلك اللحظة صار ذلك حلمه الوحيد. لا ثروة. لا مجد. لا سلطة. فقط أن يساعد الجميع.
ومع السنوات اكتشف الحقيقة.
قدرته كانت مذهلة. تعالج الجروح، والأمراض، والسموم. كل شيء تقريباً.
لكنّها لا تعالج صاحبها. أبداً.
في كل مرة يساعد أحداً، كان الألم ينتقل إليه كضيف لا يستأذن. في كل مرة ينقذ شخصاً، كان يدفع الثمن من جسده بهدوء، كمن يُعطي من كيس يعلم أنه يفرغ ولا يُخبر أحداً.
في البداية لم يهتمّ. كان طفلاً. وكانت ابتسامة الناس تكفيه ثمناً لكل شيء.
لكنّ والدته كانت تنظر إليه أحياناً بحزن لا تُخفيه جيّداً. حزن لم يفهمه يوجين آنذاك. ذلك النوع من الحزن الذي يعرفه الآباء حين يرون في أبنائهم شيئاً يخافون عليه ولا يستطيعون حمايتهم منه.
ثم جاءت السنة التي بلغ فيها الثانية عشرة.
السنة التي انتهى فيها كل شيء.
جاء الطاعون. كوحش لا يُستأذَن ولا يُفاوَض. اجتاح قريتهم في صمت أوّلاً، ثم في صخب، ثم في خراب. وكان يوجين يحاول إنقاذهم. يوماً بعد يوم. شخصاً بعد شخص. حتى بدأ يسعل دماً وهو لا يزال يمشي نحو المريض التالي.
لكنّه لم يتوقّف. لم يكن يعرف كيف. كان يرى الخوف في عيون الناس ولا يستطيع أن يمشي بعيداً عنه. كان ذلك الخوف يجذبه كمغناطيس. كأن روحه لم تُصنَع لتستريح.
لكن الطاعون كان أسرع منه. وأقوى منه. وأكبر منه بكثير.
في أسبوع واحد…
مات والده. ثم أمّه. ثم جدّته. ثم أعمامه. ثم أبناء عمومته.
واحداً تلو الآخر. كأن الموت كان يقرأ قائمة.
حتى أصبح المنزل فارغاً. بارداً. صامتاً بطريقة تختلف عن الصمت العادي، ذلك الصمت الذي له وزن يجلس على صدرك.
جلس يوجين في منتصف البيت وحيداً. ينظر إلى الأسِرّة الفارغة. ويتساءل في هدوء إن كان البيت يستطيع أن يموت هو أيضاً. إن كانت الجدران تشعر بغياب من كانوا يملؤونها.
بعدها بأيام جاء الجنود.
لم يهتموا بالموتى. ولم يهتموا بالأطفال. جمعوا الناجين كما تُجمع البضائع، وربطوا الأصفاد في أيديهم دون أن ينظروا في عيونهم.
كانت سكارليت تحتضنه طوال الطريق بذراعين لا تريدان أن تُفرجا عنه. بينما كان هو ينظر إلى الخلف. إلى قريته. إلى منزله. إلى قبور عائلته التي لم يستطع أن يودّعها كما يجب.
حتى اختفى كل شيء خلف الأفق.
ولم يره مجدّداً.
في الليلة الأولى داخل العربة سألت سكارليت بصوت يحاول أن يبدو هادئاً:
“هل أنت خائف؟”
هزّ رأسه.
“قليلاً.”
“من ماذا؟”
ظلّ صامتاً طويلاً. ينظر إلى الظلام من خلال الشقوق الضيّقة في جدار العربة الخشبي. ثم قال بصوت طفل يحمل سؤالاً أكبر منه:
“إذا متّ الآن… لن أستطيع مساعدة أحد بعد اليوم.”
تجمّدت سكارليت.
لم يكن خائفاً من الألم. ولا من الموت نفسه. كان خائفاً من النهاية. من أن تتوقّف يداه عن العطاء قبل أن يعطيا ما يكفي. من أن يختفي من هذا العالم دون أن يترك فيه أثراً يستحق.
لأنه رأى الموت كثيراً. أكثر بكثير مما ينبغي لطفل أن يرى.
وعندما وصلوا إلى كاريثيون…
خاف يوجين. لكن ليس لنفسه. بل لأخته. لأنها كانت كل ما تبقّى له في هذا العالم. آخر فرد من عائلته. آخر شخص ينتمي إليه. آخر يد تمتدّ إليه في الظلام كما كانت تفعل أمّه تحت الطاولة الخشبية تلك الليلة البعيدة.
ثم جاء ذلك اليوم. اليوم الذي التقى فيه فتى غريباً داخل السجن.
فتى بوجه متعب كأنه لم ينم منذ زمن. وعيون تحمل من الحزن أكثر مما ينبغي لعيون شخص حيّ. فتى بدا كأنه بنى حول نفسه جداراً وألقى المفتاح بعيداً.
دارون.
اقترب يوجين منه ببساطة. وجلس بجانبه دون أن يستأذن ودون أن يُفكّر كثيراً. كما اعتاد أن يفعل مع كل شخص وجده وحيداً.
ثم ابتسم.
وقال:
“مرحباً.”
رفع دارون رأسه نحوه.
ولأوّل مرة منذ فقَد عائلته…
شعر يوجين أن هذا الشخص يحتاج إلى صديق أكثر من حاجته إلى أي شيء آخر في العالم.
ولأوّل مرة منذ صارت القبور عائلته…
ابتسم من قلبه. ابتسامة حقيقية. من تلك التي لا تحتاج إلى سبب.
دون أن يعلم يوجين.
أن ذلك الفتى الجالس أمامه بعيون مُتعبة وجدار مرتفع…
سيصبح آخر شخص يرى وجهه قبل أن يُغمض عينيه إلى الأبد.
وأن تلك الابتسامة البسيطة التي بدأ بها كل شيء…
ستكون هي نفسها التي ينهي بها كل شيء.
إشترك في عضوية VIP - بدون إعلانات
إشتراكك و دعمك للموقع يساعدنا في إستمرار و بناء تطبيق للهاتف
تخلص من الإعلانات المزعجة واحصل على وصول أسرع للفصول وميزات VIP للتعليقات ووضع التركيز والكثير من المزايا.
إشترك في VIP - بدون إعلانات -ندعم بيبال عملات رقمية و فيزا وكل الوسائل
اشتراك في العضوية VIP في Patreonبالفيزا أو الماستر كارت
اشترك في العضوية و إدعمنا VIP عبر Ko-fiعند اشتراكك أو دعمك للموقع لا تنس أن ترسل لنا اسم حسابك لتفعيل VIP.
التعليقات
Comments for chapter "الفصل 183"
MANGA DISCUSSION