منظور الشرير - الفصل 239
لاتنسو الدعاء لأخوتنا في غزة ❤️
الإعدادات
Size
A- A+Font
لون الخلفية
آخذا بملعقة من صحن الزفيطي الحار ، ظهرت التموجات بشكل جلي على وجه غوست الهادئ عادةً
“مالذي يعجبكم بهذا الشيء بالضبط ؟”
سأل غوست ملقيا بنظرة على العجائز و الناس الذي تناولوا نفس الطعام بسعادة غامرة بادية على وجوههم ..
“هذا هو طعام الرجال الحقيقيين يا فتى ، لا مكان هنا للضعفاء ! هاهاها !!”
ضحك شاهين بصوت عالي مواصلا التجول حول الطاولات ملبيا طلبات الجميع ..
على الرغم من أن غوست بالكاد تناول لقمة واحدة ، إلا أن فراي كان قد انهى صحنه بالفعل ..
“اتناولت هذا الشيء بهذه السرعة ؟”
سأل غوست بحيرة مرتبكا ، لقد عاش بالماضي حياة صعبة و اضطر ببعض الاحيان لأكل الحشائش من أجل النجاة ..
رغم كل ذلك ، هو لم يتذوق يوما طعاما لاذعا مثل ذاك الموجود بين ذراعيه ..
“كان عليك طلب شيء مختلف عني يا غوست ، هذا النوع من المأكولات الحارة فريد من نوعه ، اما أن يعجبك فتستهلك منه الكثير ، أو لا يعجبك فلا تأكل منه شيئا .. لا وجود لحل وسط ”
تحدث فراي بابتسامة هو الآخر نادرا ما أظهرها مؤخرا ، بينما اشار لشاهين كي يأتيه بطبق آخر ..
“قادم ! هاهاها ، ايها الفتى فراي ، ارى أنك لازلت تقدر المأكولات الحارة ! لك احترامي ”
“لا تستهن بي ايها العجوز ، فأنا أكثر قدرةً مما تتخيل ”
“هاها ، سنرى بشأن ذلك !”
دخل شاهين المطبخ مرة أخرى ، بينما جلس كل من فراي و غوست بأحدى الطاولات..
كانت الاجواء من حولهم صاخبةً جدا ، و كأنهم بمقهى عمومي يشاهدون مباراة كرة قدم ، تلك اللعبة التي اختفت منذ مئات السنين .
كانوا مزعجين جدا ، لكن فراي وجد نفسه مرتاحا حقا بهكذا اجواء ..
على عكسه ، بدا غوست منزعجا حقا ، لكنه قرر مسايرة فراي فحسب بلحظة سكينته تلك ..
“سعيد برؤيتك هكذا مرة أخرى.. فراي ، لكن علي سؤالك ، مالذي تنوي فعله الآن ؟”
كان غوست يتحدث بشكل واضح عن دانزو ..
بسماع ذلك ، رفع فراي رأسه عاليا محدقا بالسماء ..
“سأنقذه يا غوست .. سأنقذه ”
حتى الآن .
لم يسر أي شيء كما أراد بهذه الحياة ..
لطالما عاكسته بكل ما حاول تحقيقه .
فراي لم ينسى أبدا موت كلانا ستارلايت ، فهو لا يزال قادرا على تذكر حرارة جسمها بلحظاتها الأخيرة لما ماتت بين ذراعيه ..
على الرغم من أن كلانا لم تعني له الكثير ، إلا أنها ماتت في سبيل إنقاذه ، ما جعل يشعر و كأن حياتها قد ضاعت عليه .
و هذا كان عبئا لم يرد أن يحمل مثيله بعد الآن ..
“سأنقذه .. مهما كلف الأمر”
مصير دانزو قد كان معلقا بين يديه ، و قد نوى أن يتحمل المسؤولية إزاء ذلك بالكامل ..
المهمة النهائية ..
الوقت المتبقي : 17 يوما .
…
…
…
بذلك اليوم ، زار فراي صديقه المريض مرة أخرى رفقة غوست .
جاء العديد من طلاب النخبة الآخرين للزيارة أيضا ، و قد تصادف تواجد سيرس بذلك المكان هذه المرة بعدما تفرغت أخيرا من مسؤوليتها تجاه عائلتها .
كانت اميرة عائلة المونلايت هادئة كعادتها ، لكنها بدأت تظهر من ملامح النضج الكثير ..
نظرا لعدم توفر ما يكفي من قوات الكنيسة القادرين على إستعمال القوة المقدسة بشكل متقدم ، سيرس لم تعد ذراعها المقطوعة ما جعلها تستهمل يدا من الجليد النقي ..
مرتدية لمعطفها الأسود ، أومٱت لفراي ، بينما فعل المثل لها .
بعد كل الأحداث التي قاساها كلاهما ، نشأ إحترام غير معلن عنه بينهما ، جعلهما يرميان كل أحقادهما خلف ظهرهما ..
سواءا سيرس إزاء ما فعله له لها منذ وقت طويل ، او فراي الذي كره عائلة مونلايت بسبب تاريخهم الشائك .
بينهما ، كان دانزو جالسا فوق سريره ..
بشرته بدت أفضل بكثير من آخر مرة ، لكنه لا يزال باهتا جدا مقارنة بما كان عليه ..
“سأغادر الآن بعد اذنكم ”
بعد وصول فراي و غوست ، لم ترد سيرس الوقوف بطريقهم ما جعلها تغادر بهدوء ..
“سعيدة برؤيتك سالما معافى …دانزو ، أتمنى لك الأفضل”
كرد على كلمات سيرس اللطيفة تلك ، اومأ دانزو ببساطة هو الآخر .
“شكرا لك .”
بهذه الطريقة ..
غادرت سيرس ، ما ترك فراي و غوست وحيدين رفقة دانزو ..
هذا الأخير عاش أيامه الاخيرة بهدوء تام ، غير مدرك لما كان يقبع بداخله ..
…
…
…
– منظور فراي ستارلايت –
الوقت يمر بسرعة ..
خصوصا عندما تحتاجه ..
بالكاد تبقت نصف المهلة حتى نهاية المهمة ..
لكنني لم أحرز اي تقدم حتى الآن ، و هذا ما جعلني أبذل كل ما عندي ..
تخليت عن النوم ، و تخليت عن كل سبل الراحة ..
مركزا وقتي كله على التواجد داخل مكتبة النايملس التي حملت كل معرفته و حكمته ..
بحثا عن الحال .
كنت اقضي 23 ساعة من أصل 24 داخلها .
بينما أترك الساعة الأخيرة لزيارة دانزو ..
كنت اذهب إليه كل يوم الآن ، وجودنا بجانبه جعله يظهر بعض الحيوية ..
جسده كان يصبح أفضل و أفضل مع مرور الأيام بشكل واضح ، ما اسعد والده ، و زاد القلق بقلبي ..
بمجرد إنتهاء وقتي معه ، كنت انتقل آنيا على الفور نحو طائفة الظلال من اجل مباشرة ما كنت أفعله ..
الطائفة أصبحت ضخمة بشكل مرعب لدرجة كسرها لحدود الجبل الأسود ، فقط الرب من يعلم ما حاول ذلك المهندس بناءه هنا ..
الوقت المتبقي : 16 يوما ..
…
…
…
باليوم الموالي ، تمكنت من الحصول على إذن آدم سماشر من أجل إخراج دانزو ..
هذا الأخير استعمل كرسيا متحركا ..
كان الجو باردا جدا مؤخرا بفضل الأجواء الشتوية ، و كثيرا ما كانت الامطار و الثلوج تتساقط مؤخرا ، لذلك بالغ آدم بملابس والده جاعلا اياه مغطى من الرأس إلى القدمين ..
بدا دانزو غريبا حقا فوق كرسيه المتحرك ذاك ، لكنني لم أحاول اظهار ذلك على وجهي .
رفقة غوست ، ذهب ثلاثتنا إلى مطعم شاهين الجديد ..
هذا الأخير تعرف على دانزو الذي كثيرا ما كان يذهب معي لزيارته ، و هذا ما جعل وقتنا يمر بشكل جيد خصوصا عندما تفهم شاهين الوضع و لم يقل أي شيء بخصوص حالة دانزو ..
بل حاول رفع معنوياته حتى ..
كنت اقدر ما فعله ذلك العجوز ..
بفضله ، رأيت إبتسامة صديقي المريض المعتادة ..
الوقت المتبقي: 15 يوما
…
…
…
المعرفة حول النقل الآني و الفضاء كانت كثيرة جدا ، لدرجة أنني لم أنتهي منها رغم مرور 15 يوما .. و هذا ما أثار حنقي بشدة .
نايملس تمكن من جعل هذه المعرفة قدرةً كاسرة لحدود العالم ، بحيث أنه تمكن من تجاوز قانون الفضاء ..
كان نايملس كيانا يستطيع الظهور بأي مكان بهذا العالم نتيجة لذلك ، و هذا شيء هائل جدا ..
لكن بسبب ذلك ، أصبحت غارقا الآن بهذا المجال غير قادر على بلوغ ما أردت ، و هذا ما جعل القلق ينموا بداخل قلبي ..
الإحتمالات كانت ضدي ، و المهندس لم يفعل شيئا لمساعدتي بمحنتي هذه .. الهالات السوداء حول عيني قد زادت سوءا ، و بدأ رأسي يؤلمني كثيرا مؤخرا ..
قضاء 23 ساعة باليوم أفعل هذا الهراء قد أنهكتني ، لكنني لم أملك الخيار ..
شعرت بنفسي على حافة الانهيار مع كل ثانية تمر ..
الوقت المتبقي: 12 يوما ..
…
…
…
الإمبراطورية كانت تمر بتغييرات كثيرة حاليا ، الامبراطور الحديدي .. سير آلون كان يبني قوة عسكرية هائلة بينما اعاد تنظيم كل شيء .
أي شخص يرى ما فعله سيعلم بأنه يجهز لحرب طاحنة كانت ستندلع قريبا ..
الإمبراطور الحديدي أراد لقائي وفقا لما اخبرتني به آدا ، و قد إلتقى بكل رفاقي من فصل النخبة بالفعل ..
لكنني تجاهلت دعوته ببساطة ، لم يكن لدي وقت لأضيعه عليه ..
بتلك الليلة ..
تسللت رفقة سانسا إلى غرفة دانزو لما عم الظلام .
بمجرد وصولنا ، افلتت سانسا يدي بينما ذهبت لتفقد دانزو النائم بهدوء ..
ثم بنظرة واحدة ، استطاعت تحديد حالته ..
“هذا ليس جيدا ، البذرة الشيطانية نشرت جذورها بالكامل بداخله ..”
قالت الاميرة بهدوء ، كان الأمر متوقعا ..
“أتستطيعين كبحها ؟”
ردا على سؤالي ، أومأت سانسا .
“أستطيع ، لكن مؤقتا فقط .. بعد 10 أيام من الآن لن أتمكن من إيقاف تلك القوة المتنامية بداخله .”
مستديرة نحوي ، قالت سانسا بحزم .
“إذا بلغنا ذلك الحد ، سيكون علينا قتله يا فراي ”
كانت صريحة ، و محقة بنفس الوقت ..
لكنني أردت تحاشي تلك النتيجة بأي وسيلة كانت ..
“سأتحمل مسؤوليته ، لذلك إياك و الاقدام على أي خطوة من تلقاء نفسك ”
قلت بحزم محذرا سانسا .. هذه الأخيرة ستحاول على الارجح قتله بنفسها لكي لا تكبدني عناء قتله بيدي .
كنت أعلم انها ستفعل هذا القدر من أجلي ، فقد قرٱت تلك الافكار داخل عقلها بالفعل ..
و بدا و كأنها على دراية بذلك .
ثم بعد صمت طويل ، رضخت لي أخيرا ..
“حسنا ، أعدك أنني لن أفعل شيئا دون علمك ”
“شكرا..”
شكرتها بتنهيدة مثقلة ..
كان هنالك الكثير الحديث بشأنه .
لكننا لم نقل أي شيء ، بل غادرنا المكان ببساطة ..
لم أكن ارى سانسا كثيرا مؤخرا ، فهذه الاخيرة قد إنشغلت كثيرا بوضعها الحالي داخل العائلة الامبراطورية التي أرادها معظم من فيها ميتة .
كانت تملك مشاكلها الخاصة بقدر ما فعلت أنا الآخر ، لكننا لم نثقل على بعضنا البعض بحيث اننا قاتلنا منفردين هذه المرة ..
سانسا قد اصبحت قوية جدا ، لذلك كنت متأكدا أنها ستتدبر امورها بطريقة أو باخرى ..
لكن ذلك لم يغير من حقيقة أنني لم أقدم لها أي مساعدة بمحنتها ..
“أنا آسف .. سانسا ..”
الوقت المتبقي: 10 أيام .
…
…
…
بعد ثلاثة أيام أخرى ..
بدأت أصل حدودي ..
محتجزا داخل جدران المكتبة اللانهائية ..
شعرت بألم لا يطاق برأسي ، و كأن أحدهم قد حشر شيئا بداخل عقلي ..
كثيرا ما كنت أهلوس الآن ، غير قادر على معرفة يميني من يساري ..
كنت مجرد نقطة صغيرة تافهة وسط بحر الوجود ذاك ، أحاول كسر موجاته العاتية التي جرفتني بسهولة تامة .
راميةً اياي داخل غياهب الظلمات ..
“جمعُ هذا القدر المذهل من المعرفة قد إستغرق آلاف السنين ، فكيف تطمع باكتسابها بهذه السرعة ؟”
هذا ما قاله لي ازرق العينين ذات مرة .
نايملس بكل عظمته و حكمته قد استغرق ذلك الوقت كله ، فبأي حق طمعت بها ؟
“اللعنة على كل ذلك ”
لم ارد الحصول على هذه المعرفة ، بل جزء شديد الصغر منها .
جزء سيكون كفيلا بجعلي أحقق ما اريد .
ثم فاليحترق نايملس و قناعه و معرفته هذه إلى الجحيم ..
“لماذا لا أستطيع الحصول عليها ؟!”
بحالة جنون هستيرية ، رميت تلك الكتب بكل مكان غير قادر على بلوغ ما أردت ..
محتجزا بالطابق الأول فقط ، كان لا يزال هنالك عدد لا نهائي من الطوابق الأخرى بانتظاري .
سواءا تلك التي اخترقت السماء ، أو الأخرى التي اخترقت الأرض نحو الاعماق .
“لا نهاية لهذا ..”
لقد بدأت أخسرهم ..
دانزو .. و عقلي ..
الوقت المتبقي: 7 أيام .
…
…
…
مرت 25 يوما كاملة ..
داخل نقابة التنين الفضي ، وقفت عاجزا عن الاتيان بأي حركة ، بينما عانقني سيدها و والد دانزو .. آدم سماشر .
“شكرا لك يا بني .. شكرا على كل ما فعلته من أجل إبني الوحيد ..”
مستمعا لكلمات الامتنان تلك ، لم أعرف ما أقول .
حدث هذا الوضع برمته عندما جئت من أجل زيارة دانزو كالمعتاد ، فإذا بي أصطدم بوالده .
“وجودك من حوله أعاد له البسمة على وجهه ، و أعاد له حيويته و صحته .. لا يمكنني إعطاؤك حقك مهما حاولت .. لكن ارجوا أن تتقبل إمتناني هذا .”
أثناء معانقته الشديدة لي بجسده الضخم ذاك ، رأيت الدموع حول عينيه ..
لابد أن الأمر كان صعبا ، كيف عاد إبنه جثة محطمة له ..
لقد بدل ما بوسعه ، لكن ما فعله لم يكن كافيا ..
ثم ظهرت لاحقا رفقة اوريل معيدا ابنه إلى وعيه .
لابد انني بدوت مثل ضوء الامل وسط كل تلك الظلمات التي أحاطت به ..
“إبني لم يكتسب صديقا .. بل أخاً ، شكرا لكل ما فعلته حتى الآن من أجله .. فراي ”
بأعين متعبة غطاها السواد ، و قبضة مشدودة ..
إستمعت لتلك الكلمات ، غير قادر على اعطائه أي رد ..
على ماذا يشكرني ؟
أردت سؤاله ..
أنا لم أقدم شيئا لابنه ، لا شيء على الإطلاق ..
لقد كان هو من ساعدني عدة مرات سابقا ، و هو من حافظ على جانب إنساني بي لم ارد أن اخسره مطلقا ..
الأمر نفسه الآن أيضا ..
فعندما جاءت الفرصة لي لكي اقدم له شيئا ما بدوري ، ها أنا ذا اقف عاجزا أتلقى كلمات الثناء و الشكر من والده ، الذي لم يدرك أن إبنه لم تتبقى له سوى ايام معدودة ..
لا يجب أن تشكرني ..
بل يجب أن تلعنني .
صررت اسناني ، محاولا كبح نفسي .. وقول شيء ما .
لكن في النهاية ، لم يخرج شيء من فمي مهما حاولت .
لقد إقتربت من نقطة الانهيار بالفعل .
لذلك لم يكن أمامي من خيار سوى البقاء جامدا مكاني دون الإتيان بأي حركة ، إلى أن حررني آدم سماشر أخيرا ..
بدا سعيدا ، عندما ودعني بتلك الابتسامة .
“فالتعتنيا ببعضكما البعض ، كلاكما بمثابة أبنائي الآن”
“…”
لا يا آدم ..
لا ..
أنت مخطئ جدا ..
“إبنك الوحيد ، هو ذاك الراقد فوق السرير .. ولا أي شخص آخر ..”
الوقت المتبقي: 5 أيام .
…
…
…
“إستمرارية السعي ، لا تعني بالضرورة حتمية الوصول ”
مهما بذلت من جهد ، و مهما حاولت بكل جوارحك .
فالنجاح ليس مضمونا ، بل بعيد المنال .
بقيت 3 أيام فقط ..
سويعات معدودة هي تلك التي كانت تفصلني عن مواجهة نقط التحول ، التي قد تهدم شيئا ما بداخلي .
“لقد تعبت ..”
مستلقيا داخل مكتبة الوجود تلك ، منعزلا بمفردي داخل فضائها ، بلغت أشدي أخيرا .
لم انم ، و لم أكِّل و لم أمَّل ..
فعلت كل ما بوسعي ، محاطا بكل تلك الكتب.
لم أجد الحل مهما حاولت .
“أتريدني أن أقتله بيديَّ هاتين ؟”
إذا كان الموت هو مصيره ..
فلماذا تم رميه علي ؟
لو مات بمكان ما بعيدا عني داخل قارة الالتراس ، لكان وقع ذلك أخف بئسا علي ..
كنت خائفا ، و غاضبا ..
من الطريقة التي تم بها اللعب بحياة دانزو ، مثل فأر تجارب تم تمديد حياته عن عمد لكي يموت بالوقت المناسب ..
لقد خسر ضد غفارديول ، ثم وجب عليه الموت وقتها .
لكن ذلك الهجين اللعين ابقاه على قيد الحياة عن عمد ..
و ها أنا ذا أعاني تباعيات ما فعله ..
“مالذي أفكر فيه بحق ؟”
ناهضا من مكاني ، وقفت مرة أخرى محدقا بالمكان من حولي .
لقد بلغت حدودي ، و لم يبقى لي ما اقدر على فعله ..
فبعد بضع ثواني من الوقوف ، خارت اقدامي من القوة ما جعلني اسقط راكعا متذللا فوق الأرض .
“أرجوك .. أرني الطريق ”
قلت ، بينما تنفست الصعداء ..
“أنا أترجاك .. هذه المرة فقط ، فالترني الطريق ”
من كنت أخاطب بالضبط حاليا ؟
لا أعلم .
لكنني بلغت من اليأس الكثير و من الاعياء ما هو أكثر..
لم أستطع التفكير بشكل صحيح بعد الآن ..
جراح جسدي ، قد تداويها الأيام .
لكن خوفا في روحي قد نُقش ، فمن يُجليه ..؟
خوف من ما هو قادم ..
“أرجوك .. أرني الطريق ”
إذا كان انقاذ دانزو يعتمد على كتاب واحد بين بحر الكتب تلك ، فلن اجده مهما حاولت .
كل هذا لم يكن سوى فضاء ابتكره عقلي ، لذلك ترجيت نفسي مطالبا إياها ..
أن تريني الطريق ..
أن تعطيني ما أريد ..
كان تصرفا بلا معنى اذا ابان على شيء ، فهو يأسي الشديد .
لكن و لصدمتي ..
حدث ما لم يكن بالحسبان .
فبدون سابق انذار ، و بدون وعي مني .
حدثت المعجزة !
“هذا !!”
ظهر من العدم ، لا أعلم من اين خرج ، أو من أين جاء .
لكن كتاباً أسوداً مشؤوما قد إستقر بين يدي .
لم أعرف ما إذا كان هذا الكتاب هو ظالتي ، لكنني وجدت نفسي أفتحه بسرعة و بشكل محموم بحثا عن الإجابة القابعة بداخله ..
ثم بمجرد فتحي إياه ..
تمَ قذف وعيي بعيدا ، إلى عالم آخر من الذكريات ..
“لقد لمست المحرمات ”
توجد قوانين بني عليها هذا العالم ، قوانين تحدث عنها المهندس سابقا .
إذا ما أردت إنقاذ دانزو ..
إستوعبت أنني مضطر لكسر أحدها ما إذا أردت النجاة ..
البذرة الشيطانية المكتملة كانت مميزة ..
أداة خبيثة إخترعها أحد أكثر الشياطين رعبا ..
هناك روح تسكن داخل تلك البذرة .
و على هكس بذرة سانسا ، فكما اندمجت البذرة مع الجسد تلقائيا ، اندمجت الروح مع دانزو هي الأخرى .
لقد اصبحا كيانا واحدا ..
و الواحد ، لا يمكن أن يصبح إثنان .
ما كنت أحاول تحقيقه ، هو تحرير دانزو ، من دانزو نفسه .
ذلك لم يكن واقعيا ، و لم يكن منطقيا ببساطة .
بهذا النجاة من بذرة الشيطان الكاملة أمر مستحيل .
هذا ما أدركته منذ فتحت ذلك الكتاب .
فما أنا مقبل على محاولة كسره ، هو قانون الحياة و الموت .
و هذا ما حاول نايملس فعله ذات يوم .
بفتح ذلك الكتاب ، تم تسليط الضوء على الماضي .
و تم نهش عقلي ، بصوت بارد هز كياني ..
“لا يوجد حياة دون موت.”
سمعته بوضوح .
هل هذا .. صوت نايملس ؟
ببطء ، بدأت أغوص بالحقيقة .
لا حياة دون موت ، هذا ما قاله ..
إذا ، مالذي فعله لبلوغ ذلك القانون الأعلى الذي تواجد بقمة الهرم ..
في تلك اللحظة ، ادركت الحقيقة ، ما جعل تعابير وجهي تظلم تلقائيا..
محدقا بمشهد مرعب لم أرى مثيلا له من قبل ، إرتجف كياني بأكمله ..
“مالذي فعلتَه ؟”
الدم ، الموت ، القتل ..
بيديه ..
قتلهم الواحد تلوا الآخر ، أنهى حياتهم ، أطفأ شمعة وجودهم .
ثم دنس جثثهم ..
القتل ، القتل ، القتل ، ثم مزيد من القتل !
في سبيل تحقيق ما أراد ،. لارضاء شغفه المريض ذاك .
قام بكل ما هو ضروري ، لتحقيق ما أراد ..
“ما هذا ؟!”
لم ارى هذا من قبل ..
الحقيقة ، حول نايملس ..
“ليس ملكا عظيما كما كانوا يصفونه ”
بالدم .. و للدم ..
لم يكن نبيلا ، ولا أي شيء من هذا القبيل ..
” لقد كان مجنونا ..!”
اينما حل و إرتحل ، كان هو الكارثة ..
عندما يظهر نايملس ، كانت تأتي طيور عملاقة مظلمة لتحلق بشكل مشؤوم بالسماء .
ثم بوقت قصير ، تحدث الكوارث .
قتلهم ..
قتل كل انواع المخلوقات ، الواحدة تلوا الأخرى .
الموت ، الموت ، ثم الموت و المزيد من الموت!!
امسكهم جميعا ، و درس جثثهم الواحد تلوا الآخر ..
قطعهم إلى أصغر القطع ، بينما أضحت دماؤهم بحارا و محيطات .
لم يميز نايملس احدا … لا صغيرا ولا كبيرا .
لا ضعيفا ولا قويا .
لا غنيا ولا فقيرا .
لقد قتلهم جميعا ، و فعل كل ما يلزم من أجل تحقيق ما أراد دون أي تردد .
الدم ، الدم ، ثم الدم ، و المزيد من الدم !
لم يتأثر مطلقا ، و لم يتوقف إطلاقا .
لوحده ، فعل ما لم تفعله الشياطين حتى ..
متجمدا أمام ذلك المنظر المخيف للتجارب المرعبة التي قام بها ذلك الكيان ..
وجدت نفسي اتراجع عدة خطوات بعيدا ..
“كنت ساذجا ..”
ملك ؟ محارب عظيم ؟
هراء !!
كيف نسيت ذلك ..
“هو كان وحشا حقيقيا بقدر آغاروث ..”
لكي يصل إلى تلك المرحلة ، يستحيل أن يفعلها بالطرق العادية … !
لقد كان مجنونا ! بدون حدود تقيده …
مادام الأمر يعني تحقيق ما أراد ، سيفعل أي شيء بدون تردد .
و هذا ما قاد لمجزرة ..
و بحار من الدماء ..
محدقا بتلك الكوارث ، ادركت ما حدث أخيرا ..
“لقد فعلها .. و تحمل الشياطين جريمة ما فعل .. ! ”
مدركا للحقيقة ، لم ازد سوى تقززا مما رأيت .
تاريخه كان مظلما ، لكن لم يعرف أحد حقيقته مطلقا .
فهو لم يكن يترك احدا حيا خلفه ليروي الحكاية .
و هذا ما قاد العالم للظن بأن الشياطين هي من فعل ما فعله ، بما أن تلك الافعال كانت من شيمهم .
لكن الحقيقة كانت بعيدة كل البعد عن ذلك ..
الوحش الحقيقي ، هو صاحب ذلك القناع المظلم ..
بهذه الطريقة ، تحدى نايملس قانون الحياة و الموت ، و بلغ ما بلغه .
مدركا لذلك .
تملكني اليأس ، غير قادر على تحمل ما رأيته حتى ، كيف كان من المفترض بي فهم ما قام به ؟
تلك التجارب المروعة ، و القتل الغزير ..
كله لاجل بلوغ مستوى يتيح له تجاوز حدود الجسد المصنوع من لحم و دم ..
هذه كانت القدرة التي احتجتها لانقاد دانزو .
لكن الواقع كان قاسيا جدا ..
فمن أجل بلوغ ذلك المستوى الجنوني ، وجب علي التضحية ، و التحول إلى وحش مماثل له … و فعل ما فعله ..
و كسر قانون الحياة و الموت الأعلى .
و هذا ما لم يكن ممكنا ببساطة ..
على عكس الانتقال الآني ، لا يمكن تعلم هذا بمجرد رؤيته ببساطة ..
“منذ البداية … لم تكن هنالك من طريقة للنجاح ..”
عندما أظهر هذا الكتاب لي ، لم يكن يحاول اعطائي الأمل .
بل يأسا تملكني ، كاسرا آخر جوارحي ..
“لا أستطيع إنقاذه .. لا أستطيع.. ”
مستوعبا الحقيقة المرة ، غرقت داخل الظلام أخيرا بعدما خسرت مرة أخرى ..
هم حقا سيجعلونني اقتله ..
أقتل دانزو .
….
…
…