السجل البدائي - الفصل 2037
📏 حجم الخط
✍️ نوع الخط
🎨 الخلفية
🖥️ عرض النص
دعم مترجم لزيادة تنزيل رواية The Primordial Record
الفصل 2037: بدائي البعث
لم يكن الصمت الذي خيّم على البيت القديم في “زقاق ويلو كريك” هو ذلك الهدوء المسالم لأسرة نائمة كما اعتاد هذا البيت لفترة طويلة… هذه المرة كان الصمت تاماً، مثل النوتة الأخيرة في سيمفونية طويلة.
لمدة ثلاثة وسبعين عاماً، كان “فيوري كورانيس” هو “إلياس”. لم يكن اسماً اختاره لنفسه، بل منحه إياه ذلك الصبي الذي كان على شفا الموت، لذا حمل فيوري عبئ حياته ومنح الصبي فرصة لبعث نفسه في المستقبل كطائر عنقاء، في مقايضة كانت أكثر من عادلة.
ارتدى فيوري هذا الجسد منذ ذلك اليوم فصاعداً باجتهاد يقترب من التعبد المقدس، ومرت العقود، وأصبح الآن رجلاً عجوزاً.
كان جالساً في مقعده الأخضر المهترئ بجانب النافذة الكبيرة، بينما ترسم شمس الصباح خطوطاً من الضياء عبر سجاده. كان يمسك بين يديه أصيصاً بسيطاً من الفخار، تربته جافة ومتشققة. هذا كل ما تبقى من زهرة الأوركيد “ألتيا”، التي اعتنت بها زوجته لعقد من الزمان.
لقد كانت كائناً عنيداً وجميلاً استسلم أخيراً، وسقطت آخر بتلاتها بعد أسبوع من جنازتها، قبل عامين.
مرر إبهامه على حافة الأصيص الخشنة، التي تقرحت من عمر قضاه في عمل رقيق لم يكن ليتخيل نفسه يفعله في الماضي. البستنة، النجارة، وإمساك أيدي أطفاله…
لم تكن ذكرياته شيئاً عظيماً، لكنها ثمينة للغاية بالنسبة له. ثقل ابنته “ليانا” وهي رضيعة نائمة على صدره. رائحة الأوزون والعشب المقصوص قبل عاصفة صيفية، و”ألتيا” وهي تجذبه إلى الشرفة لمشاهدة البرق، وضحكاتها التي كانت بمثابة نغمة مرافقة للرعد.
لا يزال بإمكانه تذكر التركيز في عيني حفيده “ليو” وهو يشرح، في سن السادسة، الهيكل الاجتماعي المعقد لمزرعة النمل الخاصة به. ملمس يدي “كالي” الصغيرتين الواثقتين وهما توجهان يديه وهي تعلمه كيفية تقليم شجيرات الورد التي ورثتها عن جدتها بشكل صحيح. كانت تقول: “أرأيت يا جدي؟ أنت لا تقص فحسب، بل تسأل النبتة إلى أين تريد الذهاب”.
و”ثيو”. ثيو الصغير، بضحكة تشبه الأجراس وقلب شاسع جداً بالنسبة لجسده الصغير. ثيو، الذي دفن كلبه العجوز الحبيب تحت شجرة البلوط في الخريف الماضي وأعلن بحكمة وقار ابن الخامسة: “الآن أصبح جزءاً من الشجرة، والشجرة جزء من السماء، لذا سيكون معي دائماً عندما أنظر للأعلى”. ثيو، الذي انطفأ نوره بحمى سريعة وعبثية قبل ثلاثة أيام فقط.
كان البيت متحفاً لأصداء ذكرياتهم. رف الكتب المائل الذي بناه هو وليو معاً لا يزال غير متزن تماماً. بقعة الطلاء الأزرق النابض بالحياة على ألواح أرضية الشرفة هي شهادة دائمة على مرحلة ليو الفنية القصيرة والشغوفة. رسومات كالي النباتية، المؤطرة والمعلقة في الرواق، كل منها مُسمى بخط يدها الدقيق. أما آخر رسم لثيو فكان لعائلة مكونة من أشكال خطية تحت شمس ضخمة مبتسمة، مع كلب يطفو بسعادة في زاوية السماء.
شعر إلياس بحواف كيانه وهي تبدأ في التحول. لقد توقع هذا التغيير منذ زمن طويل، ولكن الآن بعد أن حدث، وجد نفسه يتمنى لو يتأخر قليلاً.
لم يكن الحب في قلبه يتضائل؛ بل يزداد حدة، ويصبح نقياً وشاسعاً لدرجة لم يعد من الممكن احتواؤه داخل وعاء “إلياس”. هذا الحب، هذه الشهادة العميقة والموجعة على الجمال الفاني، كان القطعة الأخيرة من التجربة.
لقد جاء فيوري إلى هنا، إلى هذا الركن الهادئ من صخرة دوارة، ليفهم شيئاً ما. ليس القوة، فقد وُلد وهو يعرف القوة. ولا الإنشاء، فتلك كانت لغته الأم التي يتحدث بها شقيقه. بل الحدود. الهشاشة. المسار الثمين والمفجع لقصة تكتب نهايتها بنفسها.
فكر في كلمات ألتيا الأخيرة، التي همست بها مع طيف ابتسامتها القديمة، ويدها باردة في يده: “يا رجلي الجميل والمؤقت. لقد ملأتَ أبديتي”.
لقد بكى حينها، دموعاً حقيقية مالحة كالبشر. هز بكاؤه جسده. والآن، جلبت الذكرى رطوبة مختلفة لعينين بدأتا ترى عبر الزمن.
بدأت التنهيدة من أعماق لُبّه، في المكان الذي تلامست فيه روح إلياس -ذلك الشيء الجميل والمُستعار والأصيل- مع الحضور اللامتناهي الذي يمثل ذاته الحقيقية. كانت تنهيدة اكتمال وامتنان وتحرر. أفلتت من شفتيه، صوتاً ناعماً ومرهقاً، لكنها سافرت للخارج مثل تموج في نسيج الواقع المحلي.
أول شيء تغير كان الضوء. سكن شعاع الشمس الممتد عبر السجاد، وتجمدت ذرات الغبار في تعليق مثالي ومتألق. صار الكوكب بأكمله لوحة فنية، رائعة التفاصيل، صامتة تماماً.
وقف إلياس وأصبح “فيوري كورانيس”. كان لا يزال يرتدي جسده الفاني القديم، لكنه وقف بحركة انسيابية وكأن مفهوم التقدم في السن لم يعد يعني له شيئاً.
سار إلى وسط غرفة المعيشة، ولم تصدر ألواح الأرضية المهترئة صريراً تحت قدميه لأن الصوت نفسه قد أُزيل من هذا العالم. راقب الشمس للمرة الأخيرة وأغلق عينيه، عيني إلياس، للمرة الأخيرة.
وعندما فتحهما، سمح فيوري لهذا الوعاء الفاني بالتمدد.
الخطوط اللطيفة على وجهه، خطوط الضحك من نكات ألتيا، خطوط القلق من حمى طفولة ليانا، خطوط الشمس من ساعات العمل في الحديقة مع كالي، تلاشت ببطء.
شعره الرمادي، الذي كان بلون الملح والفلفل، تحول إلى سواد مطلق بينما استقام جسده -الذي انحنى قليلاً بفعل السن- إلى طوله الكامل. لم يصبح أطول، بل أصبح يشغل مساحة أكبر.
لم يكن إلياس. سقط الاسم كشرنقة تلاشت. كان “فيوري أخرانوتيز كورانيس”، بدائي البعث.
كان صوت اسمه الحقيقي، غير المنطوق، بمثابة قطع لرباط أساسي، حيث بدا الواقع نفسه يلهث ويتراجع عنه. اتخذ خطوة وظهر فوق الكوكب.
رغم أنه لم يرد ذلك، إلا أنه لا يزال ينظر للخلف وشعر بالوزن الهائل والدوار للعالم الذي حمل الكثير من ذكرياته الثمينة؛ كان الأمر أشبه بمعرض احتوى، من بين تريليونات العجائب، على شجرة البلوط التي ظللت كلب ثيو، والغبار الذي كان ذات يوم ألتيا.
مع تلك النظرة الأخيرة للعالم تحته، اندفع فيوري إلى الفضاء، ومر بجانب الشمس التي قضى قرابة ثمانية عقود يراقب شروقها. تحرك عبر حلقاتها الإكليلية، لا يشعر حقاً بمفهوم الحرارة، بل شعر وكأن كلباً محبوباً قد تمسح بساقيه.
وبينما تجاوزها، تضاءل ضوء الشمس في أثره، ليصبح وهجاً دافئاً وعزيزاً في مؤخرة عقله، مثل ذكرى نار مخيم تم الاعتناء بها جيداً.
بات النظام الشمسي الآن مكشوفاً أمامه، فاتخذ خطوة أخرى للأمام، مسرعاً بمنظوره وبجسده، فانكمشت الكواكب لتصبح نقاطاً في لحظة، وفي جزء من الثانية، كان فوق المجرة.
كانت المجرة مثل دوامة حلزونية مهيبة تضم عدة مئات من مليارات النجوم، ورغم ضخامتها، كان لا يزال بإمكانه رؤية العالم الذي تركه خلفه. استدار، واتخذ خطوة أخرى وترك المجرة وراء ظهره.
الترجمة : كوكبة
✨ عضوية مميزة في فضاء الروايات ✨
🚫📢 تخلّص من الإعلانات المزعجة
💖 استمتع بتجربة قراءة سلسة ومميزات حصرية مقابل مبلغ رمزي
📌 ملاحظة: أرسل اسمك في الموقع عند الدفع ليتم تفعيل العضوية ✅
جميع ما يتم ترجمته في الفصول منسوب إلى المؤلفين، ونحن بريئون من أي معانٍ تخالف العقيدة أو معانٍ كفرية وشركية.
هذا مجرد محتوى ترفيهي فلا تدعه يؤثر عليك أو يلهيك عن دينك.
استغفر اللـه وأتوب إليه.