السجل البدائي - الفصل 2008
📏 حجم الخط
✍️ نوع الخط
🎨 الخلفية
🖥️ عرض النص
دعم مترجم لزيادة تنزيل رواية The Primordial Record
الفصل 2008: ابقَ
لم يرد إيوس “المخطوطة الحية”؛ فثمن هذا التطوير مَثل عبئاً فوق طاقته. بعد كل ما خسره وما توقع خسارته في القتال القادم، لم يرغب في شطب أي حياة بسهولة حتى يتيقن من انعدام الخيارات سوى هذا الخيار.
في البداية، نظر إلى السجل البدائي بخوف وريبة، لعجزه عن سبر أغوار قدراته، لكن إيوس أدرك الآن أنه رغم كل قواه وإمكاناته، مَثل هذا التفرد كياناً لا يشبه “لوحة العالم”، بل يمكن اعتبار السجل البدائي طفلاً.
بالطبع، لن ينطق بهذا الشعور علناً، وإلا سيستشيط التفرد غضباً، لكن إيوس لم يجد سبباً يدفعه للتضحية بحياته طواعية حتى قبل أن ينال فرصة العيش.
لا يزال إيوس يشير إلى التفرد بلفظ “هو”، لكنه تمنى يوماً أن يناديه باسم يجسد ماهيته التي سيستقر عليها.
لذا، نحاه إيوس جانباً بتعمد بينما ركز على إنشاء تجسيداته ودفع تطوره الذي بات يملك اتجاهاً راسخاً.
إذا سار كل شيء وفق الخطة، فسيتمثل هذا في تطوره النهائي، على الأقل في حال خسر المعركة. أما إذا انتصر، فستوجد مستقبلاً إمكانية مؤكدة لمواصلة ارتقائه وتطوره اللامتناهي، لكن في الوقت الحالي، وضع إيوس كل أوراقه على الطاولة واختار أعظم هيئة ممكنة له حتى نهاية هذا القتال.
مرت آلاف السنين وبلغ اكتمال تجسيداته ثلاثين بالمائة، وطوال هذا الوقت، كان التفرد يضغط على إيوس للإقرار بتطوره إلى “المخطوطة الحية”، وأخيراً فتح إيوس عينيه، مدركاً عدم قدرته على تأجيل هذا الأمر أكثر من ذلك.
أوقف عملية إنشاء تجسيداته ونهض ببطء. لأكثر من مائة ألف سنة، لم يبرح إيوس عرشه، والآن وقد فعل، تمنى لو استطاع التنهد راحة، لكن جسده مَثل الكمال، وأي ذكرى عن آلام الجسد بسبب فترات الخمول الطويلة هذه دُفنت بعمق في الماضي لدرجة العدم.
بسط كفه واستدعى التفرد، فظهر الكتاب الأزرق فوق راحة يده ساطعاً كالنجم. وصفُه بالكتاب مَثل بخساً لقدره وهو الذي شابه جوهرة منحوتة يخبو ضوء النجوم في جوفها.
بينما استقر فوق كفه وشعر بدفئه، غمرت الذكريات عقله، منذ اللحظة الأولى التي فتح فيها عينيه داخل تريون حتى وقوفه هنا، وطوال ذلك، وجد ثابتاً وحيداً في حياته، ومَثّل ذلك هذا التفرد.
ربما صُمم ليكون شيئاً ينجذب إليه طبيعياً، لكن التفرد أثبت له في الماضي أن البقاء معه مَثل خياراً حراً.
مع موت روان، ملك التفرد خيار اختيار أي شخص في جواره، لكنه انتظر إيوس. مَثل التفرد صديقاً له، وهي حقيقة أدركها إيوس ببطء على مر السنين.
نبض الكتاب الأزرق في كفه، فابتسم إيوس ووصلت سعادته إلى عينيه الجميلتين. مر وقت طويل منذ قدرته على الابتسام بهذا العمق. “أشعر بعزيمتك في كل صفحاتك، لكن قراري حُسم، ويمكنك لوم تجسيدي روان على اتخاذ هذا الخيار”.
تنهد لعلمه المسبق بالإجابة التي سيمنحها. تطلع إيوس للأعلى، مخترقاً ببصره عوالم الأصل وصولاً لأعماق الليمبو. لم يبصر أحداً من أعدائه بعد، لكنه استشعرهم.
إنهم قادمون لأجله ولأجل كل ما هو غزيز عليه، وإذا سلك مسار “المخطوطة الحية”، فسينجز اندماج القوة داخل التفرد بسرعة تفوق توقعات البدائيين بمليون مرة. وباقتران ذلك بتطوره النهائي الوشيك، سيخضع معظم جوهر الأصل في الوجود لسيطرته… مَثل النصر هدفاً في متناول يده، لكنه لم يستطع اغتنامه.
لقد ضحى إيوس بأصدقائه، وبأطفاله وعائلته، وضحى بنفسه مرات عديدة لتحقيق انتصارات صغيرة عبر السنين، ورغم جرحه العميق بسبب هذه الخيارات، لم يتردد قط، لإيمانه بأن ثمن تلك التضحيات مَثل قيمة تستحق الدفع.
لماذا الآن، في النهاية، يتردد في السماح لهذه الحياة بالموت لتقربه خطوة من هدفه؟
يُفترض أن يكون هذا سهلاً عليه في هذه المرحلة. كم حياة رآها تنتهي؟ وكم حياة أنهاها بيديه؟ وكم حياة أخرى سينهيها قبل انقضاء كل هذا؟
لقد وقف هنا من قبل، حين وقف ابنه أندار، وصديقته مايف، ووالدته إلورا، وأطفاله، أسطع النورانيين أمامه. أخبروه أن يكرم تضحياتهم، ومنذ تلك اللحظة، مَثل كل نفس يشهقه تخليداً لهم.
نبذ إيوس اسمه، وتخلى عن الحب والراحة، مَثّل كل يوم معركة للمضي قدماً، لإيمانه بأنه بلا حدود ولن يسقط أبداً… لكنه كان مخطئاً.
ثمة أثقال كفت لتحطيمه.
لقد راقب البدائيين القدامى وهم ينتزعون حريتهم، ورأى السهولة التي تلاعبت بها تلك الأهوال القديمة بقلوب وعقول الجميع، وتسائل إن كان يجدر به القتال بقوة أكبر بدلاً من السماح لتلك التضحيات بالحدوث… ففي النهاية، ألم يصب ذلك فقط في مصلحة النهاية؟
“طوال حياتي، عشت بفلسفة أن الغاية تبرر الوسيلة، وأنه لا يوجد ثمن باهظ في سبيل هدفك، وأنت تريد مني إزهاق حياتك لأجل نصري. أعلم أنك تؤمن بأن هذا هو المسار الوحيد للفوز، لكني تعلمت أن النصر المولود من حياة بريئة لا يمثل نصراً؛ بل هزيمة سأحملها للأبد. لم أقاتل لأصل لهذه اللحظة كي أفقدك فيها. سنجد طريقاً آخر، أو نسقط معاً. مكانك بجانبي، لا تحتي. هل تسائلت يوماً كيف نمت النهاية بهذه القوة؟ إنها تتغذى على الموت والدمار، ومهما كان ما أبذله لأزداد قوة، فإنه يغذي هذا العدو أيضاً”.
فجأة، نطق صوت خلفه، فارتجف إيوس، لعلمه أن الطريقة الوحيدة التي قد تجعله يغفل عن اقتراب شخص منه بهذا القدر هي أن كل التجسيدات هنا، رغم عدم استيقاظها الكامل، لا بد أنها استدعت هذا الشخص لإدراكهم حاجته لنصيحته: “لا أعتقد أن النهاية ربحت من تلك التضحية كما تظن، لقد خسرت أكثر بكثير مما ساومت عليه”.
التفت إيوس ليرى إيفا، بدائية الوحي، وعيناها غارقتين بالدموع؛ فربما أكثر من أي شخص، علمت قصته كاملة، وفهمت لماذا لا يزال الرجل الذي يملك كل شيء وحيداً.
هزت رأسها وحدقت فيه بحدة: “أدرك أنني قد لا أفهم أبداً مدى قوة هذه القوة الغامضة أو مداها، وحتى لو استطاعت استمداد القوة من تضحية من حولك… فلا تستهن بالتغيرات التي طرأت بسبب تلك التضحيات يا إيوس… جهودك وكل من حولنا ستؤلم، لكنها لأجل خير يتجاوزنا جميعاً…”.
اتسعت عينا إيوس، وتراجع متعثراً، وهمس وهو يضغط على السجل البدائي: “أرجوكِ، لا تطلبي مني تحمل هذا. لقد خسرتُ ما يكفي. لا تجعلي من ذكراكِ حجر الزاوية لبقائي. أفضل التعثر للأبد معكِ في الظلام على السير في طريق مشمس تطارده أشباحكم. قوتي تنبع من وقوف من أحب بجانبي، لا من رمادهم. ابقَ. قاتل معي. عِش معي… واسقط معي”.
الترجمة : كوكبة
✨ عضوية مميزة في فضاء الروايات ✨
🚫📢 تخلّص من الإعلانات المزعجة
💖 استمتع بتجربة قراءة سلسة ومميزات حصرية مقابل مبلغ رمزي
📌 ملاحظة: أرسل اسمك في الموقع عند الدفع ليتم تفعيل العضوية ✅
جميع ما يتم ترجمته في الفصول منسوب إلى المؤلفين، ونحن بريئون من أي معانٍ تخالف العقيدة أو معانٍ كفرية وشركية.
هذا مجرد محتوى ترفيهي فلا تدعه يؤثر عليك أو يلهيك عن دينك.
استغفر اللـه وأتوب إليه.