السجل البدائي - الفصل 1800
📏 حجم الخط
✍️ نوع الخط
🎨 الخلفية
🖥️ عرض النص
دعم مترجم لزيادة تنزيل رواية The Primordial Record
الفصل 1800: إلى متى ستستمر في تناول الطعام؟
كان الطفل ثينوس، الذي أصبح الآن بحجم غزال صغير، يجلس القرفصاء على السطح البارد والمغذي للوحة العالم.
استندت أذرعه السبعة على الحجر، وكل إصبع يتذوق تاريخ المذابح المحفور فيه. كانت وليمته وليمة قوة مسروقة – صمود السماويين الفضي، وجشع الشياطين المتأصل، وشرارات السامين المحطمة.
كان كل جوهر لونًا جديدًا على لوحته، نغمة جديدة في أنشودة وجوده. بدأ شكله، كخيال من لحم مرقط كالكدمات، وبريق معدني متحرك، ينبض بحياة شرهة.
الصمت هو قاعة طعامه.
حينها تسلل صوت جديد إلى الوليمة، صوت الفراغ. كسرٌ إجهادي لا يشعر به إلا كائنٌ مثله.
“طقطقة-طقطقة!!!”
مال رأسه، الذي هو أكبر من جسده النامي، إلى الخلف. وتحولت بركتا السواد الدامس اللتان كانتا عينيه إلى الأعلى، ونظر إلى ما وراء البعد الذي يسكنه، ورأى.
كانت السماوات فوق الأبعاد بمثابة الجلد الداخلي للواقع، القبة التي تفصل بين ما هو كائن وما هو غير كائن. وعلى تلك القبة، من الخارج، يمكن رأية عدة وجوه تلتصق بها.
وهناك سبعة وجوه عملاقة.
لم تكن وجوهًا من لحم أو نور أو طاقة. بل مفاهيم مُنحت تضاريسًا رهيبة، إحداها هندسة متغيرة لصمتٍ قسري. والأخرى دوامة من الزمن اللانهائي المتكرر، والثالثة شبكة من كل ما نُسي.
أما الباقي فكان غريباً جداً بالنسبة له بحيث لم يستطع فهمه، حيث استنفد مخزونه من المعرفة بمجرد فهم القليل عن الوجوه الثلاثة الأولى.
كانوا هائلين يفوقون حجم البدائيين. فبينما البدائيون هن قوىً داخل نظام الوجود، فهذه… هذه هي الضغوط خارج النظام. بدت وجوههم جامدة، ليس في سكون، بل في جهدٍ بطيءٍ مستحيل. كانوا يضغطون نحو الداخل.
“طقطقة-طقطقة!!”
وبينما راقب ثينوس، ووعيه الجبار القديم يتعرف على مفترسين من رتبة لم يخطر بباله وجودها قط، سمعه. صوت طقطقة جدران الواقع البطيئ والحبيبي يبدأ بالانهيار. لم يكن صوت تحطم الهاوية المتفجر، بل صوت صفائح قارية تستسلم لضغط يتزايد منذ ما قبل التاريخ.
كل شقٍّ خافت كان حدثًا مُصغّرًا يُنهي الكون. لم يكونوا كائناتٍ تُناضل من أجل السيادة داخل الخليقة، بل كائناتٍ تُمثّل الخليقة بالنسبة لهم قشرة بيضةٍ تُقشّر ويُستهلك صفارها.
جوعه، الذي ظل يلتهمه قبل لحظة، بدا فجأةً ضئيلاً. دنيء. كان يرقةً تتغذى على جثة، وقد رفع نظره ليرى فكي الذئب الذي جعل الفريسة جثة.
تكلم صوتٌ من خلفه. لم يكن عاليًا، ولم يُصدَّ. كان موجودًا هناك، حقيقةٌ لا تُنكر، كصوت السماء المتشققة.
“أنت ترى ما هو قادم لنا، ثينوس.”
لم ينزعج ثينوس. ظلّ جسده، المُكوّن من مليار رد فعل مُختلس، ساكنًا تمامًا. لم تتحرك سوى عيناه السوداوان، مع أن رأسه لم يُدر. لقد عرف الصوت. إنها تلك النكهة التي يطمع بها أكثر من أي شيء آخر، السبب الذي جعله ينسج قيامته في هذه المقبرة تحديدًا، روان.
“إلى متى ستستمر في تناول الطعام،” تابع الصوت، هادئًا ومتعبًا، “قبل أن تُستهلك؟”
انفرجت أيادي ثينوس السبع ببطء عن لوحة العالم. تَخَضَّبَ الجوهر المسروق بداخله، وتَحَارَبت غطرسة الجبار مع الأدلة المُريعة لحواسه.
لقد عاد ليصبح القوة المطلقة، ليقضي على السامين والبدائيين ويحكم الرماد. لكن الرماد لم يكن ملكه ليحكمه. كان على وشك أن تجرفه ريح من الخارج.
أدار رأسه أخيرًا، ورقبته تُصدر صريرًا كجلدٍ قديم. وقف روان على بُعد اثنتي عشرة خطوة، كجسدٍ من الزمان والمكان مُشوّه، لا ينظر إلى ثينوس، بل إلى الوجوه المُرعبة المُلتصقة بالسماء. بدا… مُتعبًا. ليس ضعيفًا، بل مُثقلًا بحقيقةٍ حملها طويلًا جدًا.
عندما جاء صوت ثينوس، بدا أجشًا جافًا متعدد النغمات، كصرير الحجارة. إنه صوت أصوات عديدة، وموتى عديدين، يتحدثون كصوت واحد.
“أتذوق جوعهم،” قال ثينوس، مشيرًا بذراعيه إلى أعلى بضعف. “إنه… قديم. ليس للسلطة، بل لنهاية كل شيء. لا نكهة يبحثون عنها. فقط الفراغ الذي يلي اللقمة الأخيرة.”
نظر إلى يديه، إلى القوة التي ابتلعها بشراهة. شعر وكأنه يجمع رمالًا ضد تيار سيجرف الشاطئ بأكمله.
“كنتَ تعلم،” اتهمه ثينوس، وعيناه السوداوان مثبتتان على روان. “هذا ما قاتلتَ من أجله. ليس من أجل السيادة. ليس من أجل الانتقام. قاتلتَ من أجل الحفاظ على بقاء الأسوار. كان بإمكاني البقاء في سلام الموت، لكنك انتشلتني من قبري.”
انخفض نظر روان من السماء والتقى بنظرة ثينوس. في تلك النظرة، لم يكن هناك غفران لذنوب الماضي، ولا عرض صداقة. لم يكن هناك سوى تقييم صارم ومشترك لتهديد مستحيل.
قال روان: “كان الانتقام ترفًا. إلهاء لم نعد نتحمله. إنهم سبب ركود البدائيين. إنهم الخوف الذي دفعهم للسيطرة على كل شيء، لمنع أي تغيير قد يُضعف الجدران. في يأسهم للحفاظ على نظام مثالي وثابت، أصبحوا هم السبب في هشاشة الجدران.”
لقد اتخذ خطوة إلى الأمام، وكان وجوده ليس تهديدًا، بل عاجلًا.
“أنت تستهلك لتنمو. لتتطور. أما هم، فيستهلكون فلا يتركون شيئًا. ولا حتى الصمت. إنهم غاية الاستهلاك نفسه.”
شعر ثينوس ببرودة لا علاقة لها بالحرارة. تبدد هدفه وسبب وجوده بالكامل أمام المنظر السماوي. ما جدوى أن يصبح شكل الحياة الأسمى لو أن الواقع كله على وشك الانهيار؟ لم تكن قيامته انتصارًا، بل خطأً في التوقيت. لقد وُلد من جديد قبل ثوانٍ من نهاية العالم.
“إلى متى؟” قال ثينوس بصوت أجش، كانت هذه صرخة طلبًا للمساعدة، حاجة حقيقية يائسة للبيانات.
نظر روان إلى السماء المتشققة. “المعركة ضد بدائي الشيطان… هي تموج، ضجيجًا عاليًا في الظلام، لفت انتباههم. أستطيع إسكات صرخة البدائيين المحتضرين، ولكن ليس طويلًا. لطالما كانت الشقوق موجودة. والآن، تتسع. سنوات؟ قرون؟ ألف عام؟ لا معنى للزمن بالنسبة لهم، أو لما سيأتي.”
وجّه انتباهه الكامل إلى ثينوس. كان التعب لا يزال موجودًا، لكنه الآن تحول إلى شفرة عزم.
“أسألك مجددًا يا جبار. إلى متى ستقتات على بقايا عالمٍ يحتضر؟ أم ستستخدم تلك القوة المسروقة لمساعدتي في تدعيم جدرانه؟”
أشار روان إلى لوحة العالم، إلى جسد ثينوس الوهمي. “أنت كائنٌ متكامل. كائنٌ يجمع الأشياء المتباينة ويصنع كلاً أقوى. هذه قوةٌ تُضادُّ جوعهم المُلغي. قد تكون إحدى القوى الوحيدة القادرة على مقاومتهم. لهذا السبب أبقيتك على قيد الحياة.”
كان ثينوس صامتًا. الجوع الذي ميّزه منذ أنفاسه الأولى قد تجمد الآن تحت وطأة خوف وجودي عميق. اكتشف المفترس اللدود أنه فريسة. انتهت الوليمة. وبدأ صراع البقاء الطويل واليائس. والحليف الوحيد المعروض عليه هو الكائن الذي عاد من الموت ليدمره.
نظر إلى الوجوه المتجمدة المضغطة، ثم إلى ملامح روان الثابتة الكئيبة. لم يكن جواب الجبار كلمة، بل فعلًا بطيئًا ومدروسًا. رفع إحدى يديه السبع، ليس بقبضة تحدٍّ، بل براحة يده مفتوحة. وبدأ يتحسس حواف الواقع المتآكلة، محاولًا تحسس ملمس الشقوق، ليفهم ما سيُجبر الآن على القتال من أجله.
“هذا الجسد شظيةٌ تُركت في تفردك. عندما تكون مستعدًا، سيقودك إليّ”.قال روان: “لا تتأخر، صبري محدود”.
الترجمة : كوكبة
✨ عضوية مميزة في فضاء الروايات ✨
🚫📢 تخلّص من الإعلانات المزعجة
💖 استمتع بتجربة قراءة سلسة ومميزات حصرية مقابل مبلغ رمزي
📌 ملاحظة: أرسل اسمك في الموقع عند الدفع ليتم تفعيل العضوية ✅
جميع ما يتم ترجمته في الفصول منسوب إلى المؤلفين، ونحن بريئون من أي معانٍ تخالف العقيدة أو معانٍ كفرية وشركية.
هذا مجرد محتوى ترفيهي فلا تدعه يؤثر عليك أو يلهيك عن دينك.
استغفر اللـه وأتوب إليه.
السَّامِيّة"/>