عبد الظل - الفصل 2199
لاتنسو الدعاء لأخوتنا في غزة ❤️
الإعدادات
Size
A- A+Font
لون الخلفية
الفصل 2199 : من بين الرماد
تحريك جيشٍ كامل لم يكن بالمهمة السهلة. وبينما كان صني يراقب بجدية من مكانه المرتفع، بدأ معسكر الحصار يغرق ببطء في نشاطٍ محموم.
كان الجنود مرهقين، إذ لم يعودوا إلا مؤخرًا من هجوم دموي وعقيم على أسوار الحصن العظيم المنيعة. لم يرغبوا في شيء أكثر من الزحف إلى خيامهم، وإراحة أجسادهم المرهقة، والاستسلام مؤقتًا لنعمة النسيان العابرة والرحيمة.
نام المستيقظون دون رؤية الأحلام، بينما عانى الأسياد في حضن الكوابيس.
لكن بدلًا من منحهم فرصة للراحة، تم إيقاظهم وإخبارهم بالاستعداد لمعركة أخرى. هذه المرة، لم يكن هجومًا مرعبًا آخر… بل كان العدو، على ما يبدو، قادمًا عبر الهاوية لمهاجمتهم.
لم يتمكن الجنود المتثاقلون من إيجاد منطقٍ بالأمر. فلماذا قد يتخلى جيش الأغنية عن حصنه الملعون؟ فقد أصبح معقل المعبر الأعظم رمزًا قاتمًا للموت بالنسبة لجنود جيش السيف، لذا لم يستطيعوا تصور أن العدو سيتخلى عن حماية أسواره.
لابد أن هناك خطأً ما…
لكن مع استعادة وعيهم تدريجيًا وإدراكهم خطورة الموقف، حلت الرهبة محل ارتباكهم.
وسرعان ما بدأ معسكر الحصار بالغليان. كان الجنود يتجمعون في وحدات، والوحدات تحاول التشكّل في صفوف…
لكنهم كانوا متأخرين بالفعل عن جيش الأغنية، الذي بدا مستعدًا للمسير.
“…ما الذي يفعلونه؟”
كان معظم حراس النار يستقلون على متن كاسرة السلسلة، مستعدين للانضمام إلى نيفيس على الأرض، بينما بقي بعضهم في جزيرة العاج للدفاع عنها في حال قررت سيدة الوحوش وعبيدها المجنحين شن هجوم جوي آخر. لكن بقيت آيكو خاملة تمامًا، مرافقةً صني بينما يراقبان الجيشين من الأعلى.
عبس صني، غير متأكد من كيفية الإجابة. فقد كان مرتبكًا هو الآخر.
“يبدو وكأنهم… يفككون الأسوار.”
بالفعل، أسوار معقل المعبر الأعظم، التي صمدت أمام هجمات لا حصر لها وبقيت غير قابلة للاختراق، تنهار ببطءٍ في الأفق.
ارتجف قسمٌ، ثم انهار، فتبعه قسمٌ آخر. وتزاحم الجنود فوق الأنقاض الخشبية، وهم لا يبدون أكبر من النمل. تشكلت ثقوب الفجوات الشاسعة ببطء في الحاجز الذي كان يومًا ما غير قابل للاختراق للمعبر الأعظم.
كان صني مفتونًا بكآبة أثناء نظره للمشهد.
فقد رأى عددًا لا يحصى من الأشخاص يموتون وهم يحاولون الاستيلاء على هذه الأسوار، والآن، يتم تدميرها من الداخل بأيدي الذين أراقوا أنهارًا من الدماء دفاعًا عنها.
‘لماذا قد يهدمون الأسوار؟’
أراد أن يقول شيئًا آخر، ولكن في تلك اللحظة، سرق شيءٌ آخر انتباهه.
أثناء النظر إلى ظلام الهاوية الهائلة التي تفصل بين عظمة القص وعظمة الترقوة للسَامي الميت، عبس صني بشدة. وجرت ارتعاشة باردة عبر عموده الفقري.
شيءٌ ما كان يتحرك هناك، في الأسفل… ينهض من تحت الرماد.
“هراء.”
اتسعت عيناه قليلاً.
نظرت إليه آيكو بارتباك وفتحت فمها لتقول شيئًا، لكن قاطعها صني بنبرة خلت من خفته دمه المعتادة:
“عودي فورًا، آيكو. احبسي نفسكِ داخل المتجر المبهر ولا تخرجي حتى آتي لأجلكِ.”
ارتجفت قليلًا، متفاجئة من لهجته غير المألوفة.
وبعد أن منحته نظرة طويلة، استدارت آيكو بصمت وانطلقت نحو المُقلد، وقدميها تحومان فوق العشب قليلاً.
أما حراس النار الذين كانوا يستعدون لانطلاقة كاسرة السلسلة للرحلة إلى الأسفل، فقد بدا أنهم شعروا بشيء ما أيضًا. وقف بعضهم جامدين على سطح السفينة، متجهين بأنظارهم نحو الحصن العظيم.
كانت القوات ما تزال تحاول الاصطفاف في تشكيل قتالي، وازدادت حركاتهم استعجالًا.
هبت عاصفة باردة من الرياح عبر المعبر الأعظم، حاملةً معها رائحة الرماد ونتانة اللحم المتعفن.
أصبح تعبير صني قاتمًا.
وبعد لحظة، خرج شيء من ظلمة الهاوية.
في البداية، بدا وكأنه كرمة سميكة – لا تختلف عن المجسّات التي كانت الأدغال الرجسة تُخرجها للزحف إلى السطح من ظلمة شفق التجاويف الخافت. لكن هذه لم تكن قرمزية، بل رمادية.
ولم تكن كرمة على الإطلاق… بل كان كائنًا حيًا يشبه دودة عملاقة – أو بالأحرى، دمية مصنوعة من جثة هذا الكائن، إذا كان حدس صني صحيحًا.
كانت الدودة بطول عشرات الأمتار، بجسد مسطح غريب مغطى بطبقة من الرماد. في نهايتها، تواجد فك مروع مليء بعدد لا يُحصى من الأسنان، وأسفلها مباشرة، تواجدت مصاصات دائرية بدت كالقروح على جلد الوحش الشفاف.
التصقت تلك المصاصات بسطح العظام القديمة، فيما ارتفعت دودة الرماد فوق حافة الهاوية، متمايلة برأسها من جانب إلى آخر. وما إن سقط عليها نور السماء المتوهجة، حتى ظهرت حروق بشعة على جلدها، وتصاعدت خيوط الدخان في الهواء.
‘اللعنة’.
لم تكن دودة رجسة واحدة تشكل مشكلة، مهما كانت قوية. لكن في اللحظة التالية، ظهرت أخرى… ثم أخرى… ثم أخرى…
كانت ديدان الرماد ترتفع من الظلام، وتتسلق جانبي الهاوية، وسرعان ما غطّت أجسادها الرمادية جدرانها، مكوِّنة أوتارًا حية متلوّية.
ومن الظلام، خرجت أعداد لا تحصى من الأشكال، تتسلق أوتار ديدان الرماد وكأنها سلالم.
ارتجف صني.
خلال حصار معقل المعبر الأعظم، هلك عدد لا يُحصى من الجنود والرجسات المستعبدة. تم انتشال بعض الجثث، لكن معظمها سقط في الأعماق المظلمة، واختفى إلى الأبد.
كان يظن أنهم أصبحوا طعامًا للمخلوقات المروعة التي سكنت الرماد الذي يغطي قاع الهاوية. ولكن كما اتضح، أصبح سكان الرماد ضحايا للموتى، بدلاً من العكس.
طوال ذلك الوقت، كانت الملكة تخوض حربًا سرية ضد كائنات الرماد. وقد انتصرت في تلك الحرب، والآن، عاد ضحايا حصار المعبر الأعظم – كل أولئك الضحايا الذين لا حصر لهم الذين أزهقت قسوة الحرب أرواحهم – للانتقام لأنفسهم من الأحياء.
ارتفعت يد بشرية متشققة مغطاة بالدم الجاف فوق حافة الهاوية، وبعد لحظة، تسلّقت جثة مشوهة من الظلام، مغطاةً بطبقة من الرماد.
حدقت العيون الفارغة في الجيش المتجمع، ثم تألقت بنية القتل.
تقدمت الدمية بخطوتها الأولى نحو محاربي نطاق السيف.
وسرعان ما تبعها عدد لا يحصى من الآخرين.
‘اللعنة، اللعنة، اللعنة…’
ترجمة آمون