سلالة المملكة - الفصل 594
📏 حجم الخط
✍️ نوع الخط
🎨 الخلفية
🖥️ عرض النص
دعم سلالة المملكة لزيادة تنزيل الفصول :
سبحان الله وبحمده وجلال عرشه، سبحان الله العظيم وسعة قدره
الفصل 594: حاجة المملكة
الأرك: لعنة المحنة الملكية
ودّع ’غروف‘ بضجر أحد أوباش ’الأخوية‘ المنهكين، مدوناً حسابه غير المدفوع في دفتره، ثم جلس بتراخٍ خلف المنضدة يدفئ أوصاله بزجاجة نبيذ صغيرة، وهو يرقب زوجته وهي ترتب الرفوف.
ناهيك عن حوادث السطو المتكررة والسرقات التافهة في الأزقة، فإنه حتى لو سارت الأمور على خير ما يرام، لم يكن من الهين جني الكثير من المال من إدارة صيدلية في منطقة ’المدينة السفلى‘، بيد أن ’غروف الناعم‘ آثر الاستقرار في هذا المكنون الموبوء بالفوضى، وظل يدير تجارته هناك بأمان لأكثر من عشر سنين، وهو أمرٌ لا يستطيع نيله قلة من الناس.
وإلى جانب الصلات الطيبة التي تركها له والده قبل رحيله، كان ثمة سبب آخر لنجاحه، ألا وهو علاقته الوطيدة بـ’أخوية الشارع الأسود‘، فبات الآن في شارع ’العالم السفلي‘ يُعد من الوجهاء، فمن ذا الذي يبلغ به الحمق مبلغاً ليزعجه؟
كلما جال هذا الخاطر في ذهنه، استشعر ’غروف‘ مزيجاً من الفخر والزهو، وشعر بالرضا وهو يتأمل حانوته ويرتشف جرعات متفرقة من الخمر الدافئ.
’آه، أيها العجوز الراحل، إن عملي هذا أبهى بكثير من أيام احتيالك، أليس كذلك؟‘
دُفع باب الصيدلية فجأة، فجعل الجرس المعلق خلفه يرن رنيناً مدوياً.
ومعه، تسللت نسمة باردة قادمة من الشارع.
’لقد وافى زبون‘.
في ذلك الصرد، ارتجف ’غروف‘ ورفع رأسه على كره من خلف المنضدة، راجياً ألا يكون الطارق من أولئك اللصوص الصغار الحمقى، الذين لم يهدأ لهم بال طوال العقد المنصرم.
“لقد حل الشتاء، ونحن نعاني من نقص في الأعشاب الطبية، ليس لدينا ما يكفي من ترياق التيفوئيد! إن كنت لا تزال ترغب في الشراء، فتأهب.. فلن يكون الثمن بخساً…” كرر ’غروف‘ عباراته بآلية، وهو يرمق الزبون ثم صمت لبرهة.
كان الداخل رجلاً صنديداً صارم الملامح، أزاح عباءته ليكشف عن مقبض سيفٍ يتحلى به عند خصره، ونظر إلى ’غروف‘ بشموخ من علٍ.
وتلاه عن كثب عملاق آخر لا يقل عنه جسامة، تعثر لسوء حظه بحبل جرس الباب فانتفض برهة قبل أن يستعيد ثباته، ممسكاً بسلاحه وهو يتلفت حوله بضيق وتذمر.
تحير ’غروف‘ في أمرهما.
’أسبق لي أن سمعت عن هؤلاء في الأخوية من قبل؟ هل هما وافدان جديدان؟ أم جيا لنهب الحانوت؟‘
ولأنه قضى دهراً في ’المدينة السفلى‘، كانت ردة فعله الأولى هي مد يده إلى خنجرٍ مخبوء تحت المنضدة، بيد أن ظهور الشخص الثالث جعله يثوب عن رأيه:
كان شخصاً متوسط القامة، بوجهٍ يافع يشي بوضوح بأنه لا يزال غلاماً في ريعان الصبا.
أنزل غطاء رأسه وجعل يجيل بصره في أرجاء الصيدلية، وكأنه غارق في لجة من أفكاره.
’أمرٌ عجاب‘.
تمتم ’غروف‘ لنفسه، فعلى مر السنين، صادف ضروباً شتى من الزبائن: من يتسكعون بلا أرب، ومن يساومون بصدق، والفقراء المتصنعين للغنى، والأثرياء المقترين..
بيد أنه لم يستطع تبين الفئة التي ينتمي إليها هذا الفتى، أهو من سلالة الأثرياء والنبلاء، أم من عامة الشعب المحنكين الذين اعتادوا العيش في ضنك؟ لم يدرِ أكان يحمل ندوب قساوة الشوارع، أم كان مجرد ربيب ترفٍ ناعمٍ يفيض براءة وجمالاً.
أما الزبون الشاب، فدون أن يعير وجود ’غروف‘ أدنى اهتمام، مد يده ومررها على صفوف الرفوف وكأنه ابنٌ ضالٌ عاد إلى كنف بيته.
وعندئذٍ، وقع بصر ’غروف‘ على رفيقيه الجسيمين، كان أحدهما شديد التحفز، يتلفت وراءه بين الفينة والأخرى، بينما خلع الآخر غطاء رأسه وحدق في ’غروف‘ مباشرة، وكأنه يود النطق بشيءٍ ما لكنه يكبح جماحه.
أتاح ذلك لـ’غروف‘ رؤية وجه الأخير بوضوح، فتبدل ترفه في الحال.
“تباً للسَّامِيّن، لِمَ أنت ثانيةً؟” هتف صاحب الصيدلية بضجر وضيق، “أيها الشرطي الأبله؟”
توقف ’كوهين‘، الذي كان يهم بتحية صاحب الصيدلية، لبرهة:
“ماذا.. ماذا قلت للتو؟”
تنحنح ’غروف‘، بيد أن الازدراء في عينيه لم يخفت بتاتاً.
“أقصد.. ضابط الشرطة ’كارابيان‘”.
أشرق وجه ’كوهين‘، ودون مبالاة بالشاب المتجول في الصيدلية، اقترب من المنضدة:
“لذا، جئت إلى هنا اليوم—”
“اصنع لي معروفاً فحسب، هلا كففت عن العبث هنا؟ أنا لا أبيع عقاقير محظورة،” تنهد ’غروف‘ بعمق قبل أن ينهي ’كوهين‘ كلامه، “وليس لي أدنى علاقة بأولئك العصابات…”
وبدويٍ مجلجل…
استندت ذراع أخرى على باب الصيدلية بينما دخل رجل بدين وقصير إلى صيدلية ’غروف‘، يتلفت حوله باهتمام.
ما إن رأى ’غروف‘ الشخص بوضوح حتى ارتعدت فرائصه، وغصت الكلمات في حلقه!
“آه.. آه.. ’مـ.. موريس‘؟”
حدق ’غروف‘ في الزبون الجديد برعبٍ محض.
بيد أنه استجمع شتاته بسرعة، وعدّل وقفته خارج المنضدة، متصنعاً ابتسامة بهيجة، وبسط ذراعيه وكأنه يهم بالعناق،
“’موريس‘، ’موريس‘، ’موريس‘! يا لها من مفاجأة سارة، يا صديقي العزيز!”
لكن ’موريس‘ مد يده بقسوة وحال بينه وبين صدر ’غروف‘، صادّاً إياه عن المودة التي يرجوها.
“’غروف‘،” قالها.
اكتفى زعيم ’الأخوية‘ بإيماءة، دافعاً ’غروف‘ ببطء ولكن بحزم ليعود خلف المنضدة.
ولم يملك ’غروف‘ إلا إظهار ابتسامةٍ متوترة مشوبة بالخجل.
اتسعت عينا ’كوهين‘.
“أنت.. ألم تزعم أنك لا تعرفه؟ أنت متواطئ مع هذا الحثالة من الأخوية!” نطقها ’كوهين‘ بحنق.
ومع ذلك، تبادلا المجاملات باستخفاف، متجاهلين إياه تماماً.
“حـ.. حسناً، ’موريس‘، أهلاً بك. هـ.. هل ثمة شيء بعينه تبتغيه؟” نظر ’غروف‘ بتوجس إلى الرجل البدين الهادئ، وتفوه بكلمات تنضح بالتذلل والرغبة في الاسترضاء.
“على رسلك،” ضيّق ’موريس‘ عينيه وربت على كتف الصيدلي، “يا صديقي القديم”.
“أنا في جولة فحسب”.
ارتجف ’غروف‘ من تلك الربتة، لكنه سرعان ما استعاد رباطة جأشه ورسم ابتسامة.
“بالتأكيد، بالتأكيد!”
“هلم بنا، لنقم بجولة! يا عزيزتي، طهري الأرض! وأحضري الفطيرة التي صنعتِها!”
أمسكت زوجة ’غروف‘ بالمكنسة بجانب الرفوف بارتباك.
بيد أن ’موريس‘ قبض على كتف الصاحب بحزم!
“لا داعي للقلق؛ مجرد قضاء بعض الوقت مع صديق، ثم نمضي في سبيلنا،” صرح ’موريس‘ بهدوء.
ولكن كلما بدا زعيم ’الأخوية‘ أكثر بروداً، ازداد ذعر ’غروف‘.
“حسناً، حسناً…” لوح ’غروف‘ بيده آمراً زوجته بالعودة، واقترب من ’موريس‘ بحذر، ورمق ’كوهين‘ الساخط بنظرة ثم أشار إلى الشاب الشارد عند الرفوف.
“ماذا.. ماذا يجرى؟ لِمَ يوجد ضابط شرطة هنا؟ ومن هذا؟”
رفع ’موريس‘ حاجبه والتفت، كان ’غلوف‘ واقفاً عند الباب، يرمقه بنظرات ثاقبة، ويده اليمنى تقبض على سلاحه بإحكام، وفي عينيه تحذير لا يلين.
“حارس شخصي،” قال ’موريس‘.
نخر الرجل البدين بزهو: “حارس صديقي الشخصي”.
فوجئ ’غروف‘: “صديق؟”
“أجل، صديق صغير،” التفت ’موريس‘ نحو الشاب بين الرفوف، وكانت كلماته تحمل معنى أعمق، “وصديق ’كبير‘”.
رمش ’غروف‘ بعينيه، وتبدلت نظرته تجاه الفتى.
هتف بسرعة: “أوه، طاب وقتك في التسوق، أيها السيد الزبون! هاه هاه!”
ومع قوله هذا، جعلت عينا ’غروف‘ تتجولان وهو يفرك كفيه ببعضهما، قائلاً بملق:
“’موريس‘، بما أنك هنا، فقد رغبت في دفع ’نصيب‘ الشهر المقبل سلفاً! ’ياني‘، أحضري كيس المال!”
قطب ’موريس‘ جبينه.
“نصيب؟” كانت ردة فعل ’كوهين‘ أسرع، فاستشاط غضباً في الحال،
“هيه! أمام عينيّ، تجرؤ على جباية أتاوة حماية—”
التفت ’غروف‘ إلى ضابط الشرطة بكل جدية:
“ماذا ماذا؟ أتاوة حماية؟ لا تهذِ بترهاتك! هذا مالٌ أدين به لصديق؛ أنا أقوم برده فحسب! أتفهم؟”
“رده؟ وهل ثمة شيء يسمى ’نصيباً‘ عند رد الدين؟”
ضرب ’كوهين‘ بقدمه الأرض، ثم واصل بنبرة ناصحة:
“دعني أخبرك، لا تخشَ شيئاً. ضابط الشرطة هنا لضمان الإنصاف لك—”
وافت الزوجة الشابة لصاحب الصيدلية من بين الرفوف في الجانب الآخر وهي ترتعد:
“بيد أننا، يا عزيزي، قد دفعنا ’نصيبنا‘ عن الشهر الماضي للتو؟”
وجد ’غروف‘ متنفساً لغيظه فالتفت فجأة، وقال بحنق:
“اخرسي أيتها الحمقاء!”
جعل صياحه زوجته تنكمش على نفسها.
“’موريس‘ صديقنا الصدوق، لِمَ القلق بشأن هذه التوافه؟”
تصرف ’غروف‘ بزهو، ملوحاً بيده بثقة:
“أحضري المال هنا فحسب!”
ثم نظر إلى ’موريس‘ بمزيج من التعابير، محاولاً التودد والاسترضاء مرة أخرى.
“هيه! أتجاهلونني جميعاً؟” كان هذا ’كوهين‘ الساخط.
“بيد أن دخلنا لهذا الشهر…” كانت هذه ’ياني‘ بصوت يفيض بؤساً.
وبضربة مدوية، هوى ’موريس‘ بكفه على المنضدة بقوة، فأسكت جميع الأصوات حوله،
“كما أسلفت!”
مسح ’موريس‘ الغرفة بنظراته، وعيناه تفيضان بسطوةٍ ألجمت الجميع.
“’غروف‘، أنا في جولة فحسب”.
ابتسم ’موريس‘، واضعاً يده بثبات على كتف ’غروف‘.
“استرخِ”.
أومأ صاحب الصيدلية برأسه بآلية، بيد أن محاولته للتظاهر بالسكينة ذهبت سدى، بل شعر بالقلق تحت لمسة ’موريس‘، وقطرات العرق تتساقط على وجهه.
رفع ’موريس‘ طرف شفته، ضاحكاً بهدوء:
“لدينا قوانيننا: إن كان الدفع عن الشهر المقبل، فبإمكانه الانتظار حتى الشهر المقبل”.
تنفس ’غروف‘ الصعداء.
رمق ’موريس‘ ’كوهين‘ بطرف عينه:
“أو ربما لا تدفع شيئاً على الإطلاق؟”
ما إن نطق بهذا، حتى تصبب ’غروف‘ عرقاً بارداً مرة أخرى.
“هاه؟ ليس هذا ما عنيته…”
بيد أن ’موريس‘ ضحك بهدوء، وقد أفلت قبضته بالفعل، واستدار ليمشي بين الرفوف.
مجارياً خطى الشاب الذي يسبقه.
“قوانين؟”
مال ’كوهين‘ نحوهما، وصوته يقطر بعدم التصديق والغيظ المكتوم.
“هيه! ’غروف‘، لست مضطراً للدفع، ولا داعي للخوف منه! أعدك، إن كنت ترغب في قول الحقيقة عما تفعله عصابة ’موريس‘—كيف يضطهدون ويخادعون ويبتزون الناس—فسأضمن لك زجه في السجن…”
أما ’غروف‘ المذعور والمشوش، فاكتفى بالتحديق فيه.
وفي تلك اللحظة، مر شخص آخر بجانب المنضدة، مما بعث في النفس شعوراً بالرهبة.
ارتعد ’غروف‘!
“هيه، ’لايورك‘!”
راقب ’غروف‘ بقلق ظهر الشخص المبتعد، متصنعاً ابتسامة قسرية.
“الدواء الذي أرسلته في المرة الماضية لا يزال نافعاً…”
بيد أن ’القاتل الصامت‘ لم يعره التفاتاً، بل مر بجانب المنضدة واتبع زعيمه.
بقي ’غروف‘ ويده الممتدة بالتحية معلقة في الهواء بخرق.
نظر ’كوهين‘ إلى قفا ’لايورك‘ ثم إلى ’غروف‘ المتجمد، فشعر وكأن كل ما قاله ذهب أدراج الرياح.
وبإحباط، لحق بـ’القاتل الصامت‘:
“كلا، أنت تفعل هذا عمداً! دعني أخبرك يا ’لايورك‘، لا تزال ثمة ثلاث قضايا قتل لم تُحل في سجلك، وبمجرد أن يجمع زملائي الأدلة…”
بيد أن ’لايورك‘ لم يبالِ به، ووجهه خالٍ من أي تعبير:
“تنحَّ، أريد الذهاب إلى المطبخ لتناول الفطيرة”.
اتسعت عينا ’كوهين‘:
“فطيرة؟ إذن، لقد جئت إلى هنا حقاً لنهب الناس—”
بيد أنه قبل أن يحرك ساكناً، قام ’غلوف‘ الذي كان قريباً منه بتغطية فم ’كوهين‘ بسرعة.
“ممم! مممف! لا—أحتاج—مممف!”
وبوجهٍ جامد، قام بدفعه وصدمه بقوة، حاشراً ضابط الشرطة في زاوية مظلمة.
أخيراً، خيم الصمت والسكينة على الحانوت.
في تلك اللحظة، وعلى الجانب الآخر من الرفوف، التفت الشاب الذي كان يجيل بصره في صيدلية ’غروف‘ فجأة ونادى زوجة صاحب الصيدلية.
“اسمك ’ياني‘، أليس كذلك؟”
بغتةً من ضيقها الأخير، رفعت زوجة صاحب الصيدلية، التي كانت تنحني لترتيب الرفوف، رأسها.
“أجل، أجل، أنا.. أنا ’ياني‘. بمَ يمكنني خدمتك يا سيدي؟”
قام الشاب المتجول، ’تاليس‘، بتأمل ملامحها بدقة—وجهٌ وديع، وقوامٌ يفيض صبابة.
“أتعملين كمساعدة هنا؟”
كان من الواضح أن زوجة صاحب الصيدلية الشابة تدرك صلة هذا الشخص بـ’الأخوية‘، فبينما كانت تحاول جاهدة التخلص من توترها، أجابت بحذر:
“أجل، أنا.. أنا أعمل كمساعدة هنا…”
من خلف أحد الرفوف، حدق ’تاليس‘ في المرأة الماثلة أمامه، التي بدت مألوفة وغير مألوفة في آنٍ واحد، وفي عينيه مسحة من الحيرة.
“بيد أن صاحب الحانوت ناداكِ بـ’عزيزتي‘ و’حمقاء‘؟”
شعر ’تاليس‘ باقتراب ’موريس‘ منهما عبر الرفوف، والتفت الآخرون في الصيدلية نحو تفاعلهما الغريب.
لكن ’تاليس‘ لم يكترث.
رمقت ’ياني‘ زوجها ’غروف‘ بنظرة سريعة، وقد بدا عليه الرعب مرة أخرى.
“أنا.. أنا زوجته، تزوجته قبل بضع سنين”.
’أحقاً؟‘
نظر ’تاليس‘ إلى ’ياني‘، وكانت نظرته رقيقة مشوبة بشيء من الشجن—هي ذاتها ’ياني‘ التي اعتادت مساعدة الشحاذين، وتقديم الطعام والدواء، وكانت مراراً ما تتعرض لتقريع صاحب الحانوت بسبب ذلك.
وذاك صاحب الصيدلية المقتر، الفظ، البغيض، والنتن.
نكس ’تاليس‘ رأسه، وشعر بوقرٍ يطبق على صدره.
“أنا.. أنا زوجته، تزوجته قبل بضع سنين”.
’لقد تبدلت الأحوال.
ولكن ليست كل الحكايات تؤول إلى نهاية سعيدة‘.
ثم رفع الأمير طرفه.
“أتعلمين يا ’ياني‘، إنك حقاً بارعة الجمال ويافعة”.
ترك ذلك ’ياني‘ في ذهول ومفاجأة.
“هاه؟ أنا…”
بيد أن ’تاليس‘، وعقله يهيم في الماضي، نظر إليها بابتسامة دافئة.
“أنتِ رحيمة وودودة، دؤوبة وقادرة”.
احمرّ وجه ’ياني‘ برهة ثم نظرت بارتباك إلى من حولها، وهزت رأسها بعجلة.
“كلا، كلا، أنا…”
بيد أن ’تاليس‘ لم ينتظر ردها وواصل حديثه.
“وزوجك؟ إنه عجوز وقبيح، فوهة فمه مليئة بالأسنان الصفراء، ذو شخصية غريبة وخلقٍ سقيم”.
حين كان يأتي إلى هنا في صغره لـ’ممارسة العمل‘، كان مراراً ما يتعرض للتقريع منه.
سمع ’غروف‘ الواقف خلف المنضدة تلك الكلمات فظل متسمراً في مكانه.
وبدت ’ياني‘ مذعورة هي الأخرى.
لكن ’تاليس‘ قال لها بكل جدية، موضحاً كل كلمة:
“أنصتي: إنه لا يستحقكِ”.
ازداد وجه ’ياني‘ احمراراً، ونكست رأسها بوجل.
وفي تلك اللحظة بالذات،
“هيه!”
أقحم جسد عريض ومكتنز نفسه بين الرفوف، مقاطعاً حديثهما الغريب فجأة.
“لِمَ لا تذهبين لتطهير الرفوف هناك يا ’ياني‘؟ لقد علاها الغبار”.
قالها ’موريس‘ بابتسامة ماكرة.
وكأنها نالت صك غفران، سارعت ’ياني‘ بالتملص من نظرات ’تاليس‘ الثاقبة وهرعت إلى الجانب الآخر.
راقب الرجل البدين من ’الأخوية‘ قوام زوجة صاحب الصيدلية وهي تبتعد وأطلق نخرة ازدراء.
“أحسب أن شخصاً مثلك لم يأتِ إلى هنا لمجرد جولة عابرة أو للتحرش بالنسوة، أليس كذلك؟”
تنهد ’تاليس‘ والتفت لمواجهة ’موريس‘.
“وماذا لو كان الأمر كذلك؟”
تغير تعبير ’موريس‘، واشتعل حماسه كاللهب.
“إذن، فإن كلًا من ’المدينة السفلى‘ و’الأخوية‘ يرحب بك غاية الترحيب!”
“وسوق ’الشارع الأحمر‘ كذلك”.
ضحك ’موريس‘، وعيناه تبرقان.
“فعلى كل حال، لا يرضى كل نبيلٍ بأن تتلوث أحذيته بالوحل”.
حول ’تاليس‘ كامل انتباهه عن الحديث الخافت بين ’غروف‘ و’ياني‘، وأجاب بتفكر:
“أنت بحاجة ماسة للوحل لتشيد قصراً مشيداً”.
التقط ’موريس‘ زجاجة عقار بلامبالاة، وقذفها في الهواء وهز منكبيه،
“بيد أن بعض الناس يبتغون قصوراً طاهرة ومنزهة عن الوحل”.
ابتسم ’تاليس‘ ببرود وسرعان ما انتزع الزجاجة من يد ’موريس‘، ووضعها بعناية حيث كانت،
“حسناً، قصورهم ستؤول إلى زوال في نهاية المطاف”.
فوجئ ’موريس‘ بحركة ’تاليس‘ السريعة.
“أرجو الصفح،” قال الرجل البدين بنبرة نادمة، “نحن لا نفقه هذا الضرب من الحديث هنا”.
قال ’تاليس‘ فجأة: “ليس هنا فحسب”.
رفع ’موريس‘ حاجبه: “همم؟”
أجال ’تاليس‘ بصره في الأرجاء التي كانت مألوفة وغدت غريبة، وقال: “ليس من جانبكم فحسب، ففي الآونة الأخيرة، واجهت ’عصابة زجاجة الدم‘ خطوباً جسيمة، وفقدوا الكثير من أنشطتهم المدرة للمال، فعلى سبيل المثال، تضررت عمليات التهريب وتجارة الحبوب والحدادة لديهم، وبسبب صلاتهم الوثيقة بالعائلات النبيلة والمسؤولين وارتباطهم بالسوق القانونية، كان الأثر عليهم أشد وطأة”.
استحالت تعابير ’موريس‘ إلى الجدية، وبلمحة سريعة من فوق كتفه، رأى ’غروف‘ و’ياني‘ واقفين عند المنضدة، منذهلين ومنكمشين على نفسيهما، غارقين في رعبٍ يمنعهما من التلصص أكثر.
عندئذٍ فقط التفت الرجل البدين إلى ’تاليس‘، متحدثاً بصوتٍ خفيض: “لا أفهم—”
“بلى، أنت تفهم،” قاطعه ’تاليس‘ وهو يخطو نحو صفٍ آخر من الرفوف.
“ماذا قالت لك ’فيليسيا‘؟ ومن الذي اختطفها؟”
ضاقت عينا ’موريس‘ قليلاً، وبدا متحفزاً ومتحذراً.
“إذن، أيعني هذا أنك هنا نيابة عن ’قسم الاستخبارات السرية للمملكة‘؟” سأل.
“أم لعلك أنت من يقف وراء كل هذا، وقسم الاستخبارات يأتمر بأمرك فحسب؟” ضحك ’تاليس‘.
“أرأيت، أنت تفهم،” قال ’تاليس‘.
بيد أن وجه ’موريس‘ اتخذ تعبيراً مغايراً، وحدق في ’ تاليس‘ بنظرة باردة، مهزاً رأسه وهو يطرق بلسانه.
“أن يُلتفت إلينا بهذا الشكل هو أمرٌ يبعث على الفخر والمفاجأة في آنٍ واحد،” تمتم.
تساءل الرجل السمين في سره: ’كيف آذيت أنا أو الأخوية هذا الأمير الشاب؟
أم كان ذلك بسبب ’السيف الأسود‘ في ’مدينة سحب التنين‘ قبل ست سنوات؟
أكان ذلك هو السبب الذي جعله يبتغي الثأر عبر قسم الاستخبارات؟
أي ضغينة هذه؟!‘
رأى ’تاليس‘ الأثر الذي نشده، فهز رأسه بلامبالاة.
“على النقيض تماماً،” قال الأمير، متوقفاً بجانب رفٍ يعرض ترياق التيفوئيد وتحدث بوقار،
“ليس لي صلة بقسم الاستخبارات، وهم لا يعلمون بوفادتي إلى هنا”.
اختلجت عينا ’موريس‘.
“أأنت على يقين؟” سأل.
بدا الرجل البدين متشككاً.
“بيد أن لقسم الاستخبارات عيوناً في كل حدب وصوب…”
“أنا على يقين،” قاطعه ’تاليس‘، مستديراً بحزم.
“حين أقول إنهم لا يعلمون…”
استحالت تعابير الأمير إلى الصرامة التي لا تقبل جدلاً.
“فإنهم لا يجرؤون على العلم”.
ساد الصمت ’موريس‘ لبرهة.
“إنك حقاً مفعم بالثقة،” قالها وهو يركز بصره في وجه ’تاليس‘.
“تماماً مثل أولئك الذين سقطوا عند أقدام ’العراف الأسود‘”.
صمت ’تاليس‘ هو الآخر لبرهة.
’أولئك الذين سقطوا عند أقدام العراف الأسود‘.
لسببٍ ما، تذكرهم جميعاً فجأة: الملك الراحل ’آيدي‘، وولي العهد ’ميدير‘، والملك ’نوفين‘…
“لا أستطيع الزعم بأنني على دراية واسعة بقسم الاستخبارات السرية للمملكة، أو أنني أعلم ماهية الروابط التي تجمع بين ’العراف الأسود‘ و’عين الساهر‘ الخاصة بـ’لانس‘،” تمهل ’تاليس‘ ليستجمع أفكاره قبل أن يواصل حديثه، وعندئذٍ قطب ’موريس‘ جبينه مرة أخرى.
“بيد أن ما أعلمه يقيناً هو أن علاقتكم شائكة، وأنكم عالقون في مأزقٍ عسير،” حدق ’تاليس‘ في ’موريس‘ مباشرة، مستمتعاً بهذا الشعور العجاب لتبدل أدوارهم بعد تلك السنين الست، بينما يحاول جاهداً استشفاف شيءٍ من عيني هذا الوجيه في ’الأخوية‘.
“إن كان ’لانس‘ لا يستهوي ’العراف الأسود‘،” قال الأمير بهدوء، “فأخبره أنني لا أستهويه أيضاً، وليكن هذا هو منطلق حديثنا”.
تأمل ’موريس‘ في هذه الكلمات.
استدار ’تاليس‘ على عقبيه، ولم يعد يعير الرجل البدين اهتماماً وهو يخطو نحو المنضدة، مستأنفاً حديثه السابق.
“أأرغمكِ على ذلك؟” سأل.
“آه!” فوجئت ’ياني‘، التي كانت بجانب المنضدة، بعودة الشاب ذي العينين الثاقبتين إليها، وكانت نظرته قوية ومهيمنة كما سبق.
ثبّت ’تاليس‘ بصره على ’غروف‘ خلف المنضدة، ولاحظ فجأة أنه بينما كانت عيناه مثبتتين عليه، كان يختلس النظر إلى ’موريس‘ من خلفه، منكمشاً في وقفةٍ تنضح بالخوف—وهي صورة تتناقض بشدة مع الهيئة السامة والعديمة الرحمة التي كان عليها صاحب الحانوت يوماً.
“كنتِ تعملين هنا، وكان هو صاحب العمل، فهل ضغط عليكِ لتتزوجيه؟” سأل ’تاليس‘.
وقفت ’ياني‘ هناك متجمدة.
ازدادت نظرة ’تاليس‘ حدة.
“على سبيل المثال، هل كنتِ ستفقدين عملكِ إن لم تتزوجيه؟”
ارتعد ’غروف‘ خلف المنضدة.
“كلا—”
عندما رأت ذعر زوجها، أفاقت ’ياني‘ وتحدثت بصوتٍ يرتجف،
“كلا، بالطبع لا!”
“أنا.. لقد فعلت ذلك بملء إرادتي”.
“بإرادتك؟”
اشتدت نبرة ’تاليس‘ وهو يثبت بصره في ’غروف‘، مما جعله يشعر وكأنه يُنظر إليه من علٍ.
“كان بمقدوركِ اتخاذ خيارٍ أفضل”.
“لم يكن من الواجب أن يكون هو”.
وفي تلك اللحظة، خرج ’كوهين‘ من زاويةٍ مخفية، ليصادف هذا المشهد، فظل متجمداً لثانيةٍ في ذهول، “هاه؟”
كان ’غروف‘ على وشك النطق، بيد أنه عند رؤية حضور ’كوهين‘ المهيب، تملكه الذعر ولزم الصمت.
عضت ’ياني‘ على شفتها السفلى، وهي تقبض على يد زوجها بإحكام.
“أنا.. أنا…”
نظر ’تاليس‘ إلى ’ياني‘، ولانت عيناه،
“في الحقيقة، أنا في حاجةٍ إلى وصيفة”.
“يمكنكِ الحصول على وظيفةٍ أرقى، وحياةٍ أبهى، ومسكنٍ أليق، ومستقبلٍ مشرقٍ أيضاً”.
تسمرت ’ياني‘ في ذهول.
وشحب وجه ’غروف‘ على الفور.
ابتسم ’تاليس‘ وسأل،
“ماذا تقولين؟”
بعد أن أدرك الحقيقة أخيراً،
“هيه، يا ’سيدي‘.. أعني يا ’ويا‘،” هتف ضابط الشرطة بعدم تصديق، مدافعاً عما يعتقده حقاً،
“يجب أن أقول شيئاً حيال هذا، لا يمكنك أخذ شخصٍ قسراً رغماً عن إرادته…”
بيد أنه لم يستطع إنهاء جملته.
بلمحةٍ واحدة من ’تاليس‘، قام ’غلوف‘ بتغطية فم ’كوهين‘ بيده القوية وسحبه إلى زاوية، فبات بلا صوتٍ مرة أخرى.
وفي تلك اللحظة، قاطعه غريمٌ آخر بنوبةِ سعال.
“الأمـ.. تالـ.. يا فخا.. هه،” تنحنح ’موريس‘، واجداً أخيراً اللقب المناسب،
“يا صديقي الصغير!”
سار نحوهم بابتسامةٍ عريضة ارتسمت على وجهه.
“تعلم، الأمور تسير هنا بشكلٍ مغايرٍ لما هي عليه في الشمال، هذا الصنف من الأمور ليس مقبولاً حقاً…”
بيد أن ’تاليس‘ تجاهله، وظلت عيناه على الشابة المنذهلة.
“ماذا تقولين،” همس الأمير برفق، “’ياني‘؟”
وقفت ’ياني‘ هناك، عاجزة عن الحراك، تشعر بمزيجٍ من الخوف والمفاجأة ومشاعر شتى في آنٍ واحد، ولم تستطع إبداء أي ردة فعل.
قطب ’موريس‘ حاجبيه، بينما بدا ’غروف‘ على الجانب الآخر وكأنه على وشك البكاء.
“لا تتعجلي؛ خذي وقتكِ في التفكير”.
“سأجيل بصري قليلاً بعد”.
ابتسم ’تاليس‘، واستدار ومضى عائداً نحو الرفوف.
تجهم ’موريس‘ وهو يراقب ’ياني‘ و’غروف‘، ثم رمق ’تاليس‘ بنظرة.
“لماذا؟”
جارى الرجل البدين خطوات ’تاليس‘، وكانت نبرته تنضح بالضيق، معبراً عن استياء زعيمٍ يُنتقص من سلطته.
ودون أن يلتفت من بين الرفوف، ضحك ’تاليس‘ بخفة،
“مجرد رغبةٍ فحسب”.
استنشق ’موريس‘ أنفاساً عميقة، محاولاً تهدئة نفسه.
“كلا، ما أعنيه هو…”
ضيق الرجل السمين عينيه، مظهراً دهاءه التجاري،
“لِمَ قد يفعل ’العراف الأسود‘ هذا؟ وما الذي يبتغيه ’قسم الاستخبارات السرية للمملكة‘ حقاً؟”
“قسم الاستخبارات العظيم، وبدل أن يجمع المعلومات عن تحركات ’إيكستيدت‘ العسكرية أو يرقب الأوضاع السياسية في ممالك ’بحر الغموض‘ الثلاث، يؤثر قضاء وقته وموارده في التعامل مع شؤون عصابات الشوارع؟”
التفت ’تاليس‘، وقد أعجبته قدرة زعيم العصابة على كبح جماح عواطفه، فقد كان يتحلى ببعض خصال أولي الشأن والسطوة.
نظر إليه الأمير بدقة وسأله،
“أحقاً لا تعلم؟”
هز ’موريس‘ رأسه وقال،
“لا أفهم لِمَ قد ينزل أميرٌ مهابٌ مثلك إلى مكنوننا النتن ويجري ’محادثة‘ مع رعاعٍ مثلنا”.
كانت نبرته مشوبة بالريب.
حافظ ’تاليس‘ على تواصله البصري معه بهدوء، مستحضراً اللحظة التي كشف فيها ’موريس‘ عن هويته الحقيقية.
حتى لو ولد في كنف عائلةٍ وضيعةٍ وتسكع في الشوارع.. أجل، لا يزال ثمة أشخاص لا يستطيع ’تاليس‘ الاستهانة بهم.
وعلاوةً على ذلك…
بكل دقة، كانت هذه هي ’أخوية الشارع الأسود‘.
كانت أرض ’السيف الأسود‘.
’السيف الأسود‘.
وعند التفكير في ذلك الرجل الصنديد الذي استطاع الوقوف في وجه ’كارثة‘، تخلى ’تاليس‘ عن غطرسته ولم يجرؤ على التهاون.
“أولاً، رغم أن ’العراف الأسود‘ لا يزال حياً يرزق، إلا أنه لم يعد المسؤول عن العمليات اليومية لقسم الاستخبارات”.
عاد الأمير إلى حالة التفاوض وقال بوقار،
“خلفه ليس ذائع الصيت، بيد أنه شابٌ طموحٌ ويصعب التنبؤ بأفعاله”.
قطب ’موريس‘ جبينه وبدأ في التفكير، وهو يفرك ذقنه.
“ثانياً، كلنا ندرك أن ’أخوية الشارع الأسود‘ ربما صعدت بسرعةٍ فائقة، وأعضاؤها مزيجٌ من الصالح والطالح، ولعل ’عصابة زجاجة الدم‘ قد وهنت مع مرور الزمن وانحسار نفوذها…”
استحالت نظرة ’تاليس‘ إلى البرود، “بيد أن كليكما، لا الأخوية ولا عصابة زجاجة الدم، مجرد أوباش شوارع بسطاء”.
“سواء كان ’السيف الأسود‘ أو الشخصية التي تقف وراء ’عصابة زجاجة الدم‘”.
ترددت أصابع ’موريس‘ وهو يفرك ذقنه.
’سحقاً لهذا الأمير.
كم يعلم حقاً؟‘
“أما عن سبب قيام قسم الاستخبارات بهذا، ولِمَ يستهدفون العصابتين الأقرب إلى قاع المجتمع، فأنا لا أعلم أيضاً”.
وقف ’تاليس‘ بشموخ بين الرفوف، عاقداً ذراعيه.
“ولا أستطيع إرغام نفسي على الاهتمام بتفاصيل أفعال قسم الاستخبارات السرية للمملكة”.
وبالتأكيد لم يكن يستهويهم.
دحرج ’موريس‘ عينيه.
“ألا تعلم؟”
أطلق ضحكةً مريرة.
“إذن عما تريد التحدث معي بالضبط؟ وكيف يمكنك مد يد العون؟”
“ألقد جئت إلى هنا كأي طفلٍ مدللٍ من النبلاء، لتلقي بعض التهديدات، وتتسوق، وتستمتع بالمناظر، وتتغزل بالنسوة، هاه؟”
رمق ’موريس‘ المنضدة بنظرة، ملمحاً بلمحةٍ خاطفة من الشراسة.
“أهي رحلةٌ يوميةٌ إلى ’المدينة السفلى‘؟”
بيد أن ’تاليس‘ ابتسم وقال،
“لقد جئت لجلب بعض الدواء”.
تردد ’موريس‘،
“ماذا؟”
“تعلم، الشتاء على الأبواب،” تنهد ’تاليس‘،
“نحن بحاجةٍ لتجهيز الثياب الدافئة وادخار الدواء”.
ساد الصمت ’موريس‘ لبرهة، ثم عادت الابتسامة ترتسم على وجهه، مظهراً هالةً من البساطة والود والوضوح.
“كف عن المداورة؛ نحن لا نفقه الحديث المنمق هنا”.
وفي تلك اللحظة، رفع ’تاليس‘ رأسه فجأة وسأل ’ياني‘ بصوتٍ عالٍ، وهي التي كانت في حديثٍ خافتٍ مع ’غروف‘،
“أيتوفر لدينا هنا كل ترياق التيفوئيد؟”
انتفضت ’ياني‘ و’غروف‘ من المفاجأة.
“أجل، أجل، ثمة المزيد في غرفة التخزين…” أجابت ’ياني‘ بصوتٍ ينضح بالوجل.
رسم ’تاليس‘ ابتسامة،
“ممتاز”.
نكس الشاب رأسه مرةً أخرى وواصل انتقاء الأغراض.
رفع ’موريس‘ رأسه؛ وقد علت جبهته الغضون.
“لا يبدو عليك أنك مصابٌ بالتيفوئيد”.
أومأ ’تاليس‘ برأسه، ثم هز رأسه قليلاً.
“ليس في الوقت الراهن”.
قال ’موريس‘ بجمود،
“وأنا موقنٌ بأن القصر يغص بالأطباء أيضاً”.
أصدر ’تاليس‘ صوتاً ينم عن التفكر قبل أن يسأل فجأة،
“لماذا؟”
“طوال السنين الست المنصرمة، ومع نموكم وظفركم في الصراع ضد ’عصابة زجاجة الدم‘، ألم يتملككم العجب لِمَ سار الأمر على هذا النحو من اليسر؟”
فُجع ’موريس‘.
“أنتم، ’أخوية الشارع الأسود‘، لم يمضِ على وجودكم سوى عشر سنين تقريباً، جماعةٌ تشكلت من تلقاء نفسها، احم، من عامة الشعب،” رفع ’تاليس‘ رأسه، وكانت نبرته تنضح بالوقار.
“لِمَ حققتم النجاح بهذه السهولة؟”
حين سمع ’موريس‘ أنباءً تخص شأنه، استعاد جديته، فكر لبرهة وضحك، “نحن شباب، وأكثر تنظيماً، وأقل عبئاً، وأقوى عزيمة، ولدينا استراتيجيات بعيدة المدى أبهى”.
خطا خطوةً للأمام.
“وأيضاً، قبل ست سنوات، في معركةٍ كبرى في سوق ’الشارع الأحمر‘، أرغمنا ’عصابة زجاجة الدم‘ على الجثو على ركبها—”
بيد أن ’تاليس‘ هز رأسه بسرعة مقاطعاً إياه،
“كلا”.
تجمد ’موريس‘.
بخطواتٍ واثقة، خطا الأمير خطوةً للأمام، وثبّت بصره في ’موريس‘، وكانت نبرته حازمة.
“ذلك لأن المملكة في حاجةٍ إليكم،” قالها ’تاليس‘ بتمهل.
“الموقف يتطلب وجودكم”.
“الزمان ينشدكم”.
بقي ’موريس‘ بلا حراك.
’ماذا؟
المملكة في حاجة؟‘
ودون أن يمهل ’موريس‘ فرصةً لسؤال المزيد، استدار ’تاليس‘ وواصل حديثه،
“كقوةٍ خفية ذات حضورٍ قديمٍ في المملكة وكجماعةٍ لا تخشى تلطيخ أيديها، أنشأت ’عصابة زجاجة الدم‘ صلاتٍ وروابط متينة مع أفرادٍ وعائلاتٍ من ذوي السطوة، مما أدى إلى بناء شبكةٍ من العلاقات ذات النفع المتبادل”.
وعند هذه النقطة، نظر ’تاليس‘ إلى ’موريس‘ مباشرةً.
“على سبيل المثال، ’عائلة إيريس‘ من ’تلة الساحل الجنوبي‘، ’كوفيندير‘”.
بدا ’موريس‘ غارقاً في تفكيره.
توقف ’تاليس‘ عن خطاه وتفحص بعناية زجاجة ترياق التيفوئيد.
“هذا صحيح، بين الملك والأتباع، بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية، بين العاصمة والمملكة قاطبة…”
تاهت نظرة ’تاليس‘ بعيداً، غارقاً في لجة من أفكاره.
“’عصابة زجاجة الدم‘، التي بدأت بتهريب البضائع عبر الحدود، اتخذت خياراً مبكراً، فقد حالفوا القوى الأكثر نفوذاً ورسوخاً، والتي هي الأصعب في الزوال”.
“بكونهم أول من خاض غمار ذلك، نالوا الحماية،” قال ’تاليس‘ وهو يحدق في الدواء الذي بين يديه.
“لم أدرك هذا إلا بعد انخراطي في عالم السياسة لسنين طوال”.
“وهو أيضاً السبب وراء تمكنهم من النمو بقوة والصمود، رغم مواجهة ضرباتٍ قوية من مسؤولي المملكة طوال السنوات العشر الماضية”.
لم ينبس ’موريس‘ ببنت شفة؛ وقد علت جبهته الغضون وهو يتفكر بعمق.
“وإلا، فقبل ست سنوات في ’حرب الليلة الواحدة‘، لكنت قد استوليت على كامل سوق ’الشارع الأحمر‘ وربما نلت أكثر من ذلك،” أعاد ’تاليس‘ الدواء إلى مكانه واستذكر تلك التجربة التي غيرت حياته في تلك الليلة، وسخر بخفة.
“لِمَ أعدت نصف الإقليم الذي استوليت عليه بالفعل، وصالحت ’عصابة زجاجة الدم‘ الواهنة، ووضعت الحدود؟”
حك ’موريس‘ ذقنه، وعادت نظرته المشوشة لتصفو مرةً أخرى.
“هذا يبدو مثيراً للاهتمام،” قال.
“بل هو أكثر إثارة حين تزاول اللعب حقاً،” صرح ’تاليس‘ بحزم.
استدار بسرعة، مواجهاً ’موريس‘ مباشرة.
“رغم أن كليكما عصابات تتسكع في الشوارع، وتتقاتل وتسفك الدماء، إلا أن لـ’عصابة زجاجة الدم‘ أساساً متيناً وشبكةً واسعة، بينما بدأت ’الأخوية‘ من الصفر دون أي أرضيةٍ صلبة،” اتقدت عينا ’تاليس‘ بحدة، وكأنها تلفح الهواء.
“نظرياً، لا يمكنك منافستهم—حين يكون الحكم وصاحب الدار في الجانب ذاته، فما الجدوى من اللعب، أليس كذلك؟”
زمّ ’موريس‘ شفتيه، وبدا وجهه جاداً.
“بيد أننا نحقق النصر،” حاجج بصوتٍ أجش.
“أجل،” أومأ ’تاليس‘ برأسه، مقراً بالحقيقة.
“إنكم حقاً تنتصرون!”
بيد أن عينيه ازدادتا اتقاداً، وغدت كلماته حادةً كالنصل.
“ليس لأي سببٍ آخر”.
“بل بسبب سلسلةٍ من الأحداث التي وقعت في السنين الأخيرة…”
كان لصوت دوق ’بحيرة النجوم‘ سحرٌ خاص.
“لأنه يوجد بالفعل وريثٌ للعرش…”
“لأن حكم العائلة الملكية بات مستقراً…”
“لأن الوضع السياسي في المملكة بات جلياً…”
“لأن قوة المملكة تستعيد عافيتها تدريجياً…”
“لأن ’إيكستيدت‘ في تراجعٍ لا مناص منه…”
“لأن الصراعات الحدودية تلاشت، ورُفع الضغط عن مملكتنا…”
“بسبب كل هذه العوامل حققتم النصر”.
تحدث ’تاليس‘ بيقينٍ لا يتزعزع،
“في السنوات الست الماضية، وحتى في السنوات الثماني عشرة التي تلت ’السنة الدموية‘، شهدت رقعة شطرنج ’كوكبة‘ برمتها تغيراتٍ مفاجئة في ميزان القوى”.
“في المنطقة الوسطى، والساحل الجنوبي، والإقليم الشمالي، والبحر الشرقي، والصحراء الغربية، وحافة النصل، بينما القوى التقليدية ذات النفوذ في هذه الأماكن إما تستسلم، أو تعيد تنظيم صفوفها، أو تسقط من شدة الإعياء…”
في بادئ الأمر، كان ’موريس‘ لامبالياً بعض الشيء، بيد أنه مع توغل ’تاليس‘ في كلماته، استعاد جديته تدريجياً.
تحدث ’تاليس‘ بيقينٍ لا يتزعزع،
“في السنوات الست الماضية، وحتى في السنوات الثماني عشرة التي تلت ’السنة الدموية‘، شهدت رقعة شطرنج ’كوكبة‘ برمتها تغيراتٍ مفاجئة في ميزان القوى”.
“في المنطقة الوسطى، والساحل الجنوبي، والإقليم الشمالي، والبحر الشرقي، والصحراء الغربية، وحافة النصل؛ فبينما القوى التقليدية ذات النفوذ في هذه البقاع إما تستسلم، أو تعيد تنظيم صفوفها، أو تهوي من شدة الإعياء…”
في بادئ الأمر، كان ’موريس‘ لامبالياً بعض الشيء، بيد أنه مع توغل ’تاليس‘ في لجة كلماته، استعاد جديته تدريجياً.
“تخيل هذا: حين أُعيد تنظيم وتوزيع الأعمال المدرة للربح كالفلاحة، والتجارة، والحدادة، وصناعة الجعة، واستخراج الملح، والتبغ، تلك التي كانت مشتتة في أنحاء المملكة بسبب وهن العائلة الملكية واضطراب أحوال البلاد…”
“تخيل بقاعاً مثل ’مخيم أنياب النصل‘، حيث كان السادة المحليون والمسؤولون النبلاء يقبضون على زمام السطوة، وهي تمر بتبدلاتٍ عاصفة مع وصول جيش الملك النظامي ومسؤوليه، فلم تعد تلك الأماكن تشبه عهدها الغابر…”
كان حاجبا ’موريس‘ يضطربان، مما يشي بقلقه وعدم استقراره.
“وتخيل ’عصابة زجاجة الدم‘، تلك التي كانت تقتات على هذه الفراغات، وقد فقدت صلاتها المحلية وغطاءها الواقي، وخسرت موارد رزقها، وفقدت سندها وثقتها…”
“وحين استُؤصل رجاؤهم في طلب العون من ’عائلة كوفيندير‘، وتُرِكوا يصارعون الردى بمفردهم بعد أن خضعت ’زهور السوسن‘ لـ’النجمة تساعية الرؤوس‘ من جديد…”
أضحى صوت ’تاليس‘ أكثر صقيعاً ووقراً:
“لذا، إن أمعنت النظر، فمن الطبيعي تماماً أن تذوي ’عصابة زجاجة الدم‘—أولئك ’نبلاء الأوباش‘—الذين سادوا يوماً، وأن يواجهوا الخطوب والشرور”.
ثبّت بصره في ’موريس‘، الذي بدت على عينيه علامات الاضطراب الجلي:
“ومن الطبيعي أيضاً أن تواصلوا أنتم، أيها المتحدون الجدد، الظفر والنمو لتغدوا أكثر سطوة”.
استحالت تعابير ’موريس‘ إلى الوقار، وجفّ ريقه في فمه.
أشاح ’تاليس‘ بنظره وتنهد بعمق، وأجال بصره في أرجاء الصيدلية المرتبة، والتي كان جلياً أنها نالت عناية فائقة من يدِ امرأة.
“بعد أن عبرت عربة حرب المملكة، غدوتم أنتم، ’أخوية الشارع الأسود‘، تمثلون آمال وصراعات بؤساء الحظ. إنكم قوةٌ خفيةٌ ناشئة بلا جذورٍ راسخة، منزهة عن النبلاء المحليين الفاسدين والمسؤولين المتواطئين…”
رفع ’تاليس‘ يده وقبضها ببطء في الهواء، وكأنه يسحق شيئاً ما.
“ومع المباركة الصامتة من العائلة الملكية، وتمهيد الطريق أمامكم عبر اندثار ’عصابة زجاجة الدم‘، كان من الطبيعي أن يعلو شأنكم بلا عائق، محطمين الحواجز ومفككين النظام القديم”.
حدق ’موريس‘ بعينين متسعتين في يد ’تاليس‘.
“هكذا تمكنت ’أخوية الشارع الأسود‘ من تحدي هيمنة القوى الخفية العريقة، وإرساء فجر عهد جديد من الرخاء طوال العقد المنصرم”.
ارتجفت قبضة ’تاليس‘، واشتد نبر صوته.
“لقد انتصرتم، لسببٍ واحدٍ فحسب”.
كانت نظرة الأمير ثاقبة، وكلماته تخترق جدار الصمت.
“لأن… المملكة في حاجةٍ إليكم”.
إن أعجبتكم الترجمة، أتمنى منكم دعمي بالدعاء لأهلنا وإخواننا في فلسطين والسودان، جزاكم الله خيرًا.
RK
حقا عار
✨ عضوية مميزة في فضاء الروايات ✨
🚫📢 تخلّص من الإعلانات المزعجة
💖 استمتع بتجربة قراءة سلسة ومميزات حصرية مقابل مبلغ رمزي
📌 ملاحظة: أرسل اسمك في الموقع عند الدفع ليتم تفعيل العضوية ✅
جميع ما يتم ترجمته في الفصول منسوب إلى المؤلفين، ونحن بريئون من أي معانٍ تخالف العقيدة أو معانٍ كفرية وشركية.
هذا مجرد محتوى ترفيهي فلا تدعه يؤثر عليك أو يلهيك عن دينك.
استغفر اللـه وأتوب إليه.