سلالة المملكة - الفصل 593
📏 حجم الخط
✍️ نوع الخط
🎨 الخلفية
🖥️ عرض النص
دعم سلالة المملكة لزيادة تنزيل الفصول :
سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم
الفصل 593: هل لنا أن نتحدث؟
ارك: لعنة المحنة الملكية
“إنه يشبه الإياب إلى الديار.”
بسماع كلمات ’تاليس‘، تلبّث ’أوشوك‘ برهةً ليتفحصه، ثم أطلق ضحكةً باردة متهتكة:
“قلّةٌ هم الجديرون بالاستقرار هنا يا فتى.”
خلفه، وقف أوباش ’الأخوية‘، المزدانون بالعصابات السوداء، في تلاحمٍ وثيق، وترددت ضحكاتهم في جوقةٍ موحشة. لمعت أعينهم وهم يرمقون بخبثٍ الثلاثي المحاصر عند مفترق طرق الزقاق.
’إنك لا تدري شيئاً.‘
لوى ’تاليس‘ شفتيه عن ابتسامة، غير مكترث.
متجاهلاً ’أوشوك‘ كأنه شبحٌ لا يُرى، ركز نظره إلى الأمام مباشرةً:
“أين زعيمكم؟”
“أود أن أتبادل معه بضع كلمات.”
تلاشت ابتسامة ’فأس الرعد‘ في لمح البصر.
“أنت… ’ويا‘؟” التوت تعابير ’جلوف‘ بالقلق.
’ما الذي يخطط له هذا الأمير الآن؟‘
“آه؟ أوه، صحيح، و-و-’ويا‘؟” توقف ’كوهين‘ لبرهة، وتحولت حيرته إلى حماسٍ طغى على وجهه. “ماذا، ما الذي يدور في خلدك؟”
’محاولةٌ لإنقاذ العالم مجدداً، تماماً كما في الشمال؟‘
التفت ’تاليس‘ إلى الوراء، وعلى شفتيه ابتسامةٌ ملتوية.
“زيارةٌ ودية،” صرح بذلك.
“لا تستخدم الشعلة؛ كن ظهيراً لي فحسب،” أصدر تعليماته.
بُهت كلٌ من ’كوهين‘ و’جلوف‘، وبدت المفاجأة جليّةً على محياهما.
“أنا الزعيم هنا.”
ضاقت عينا ’أوشوك‘ وهو ينظر إلى ’تاليس‘، وازدادت نظراته عدائيةً:
“تحدث إليّ فقط،” قال وهو يهز الفأس في يده باستخفاف، “أو تحدث إليها.”
أطلق ’تاليس‘ تنهيدةً، وهمّ بالرد حين تردد صدى وقع أقدامٍ متسارعة في الزقاق.
“هم هؤلاء!”
اندفعت عدة قاماتٍ عبر مجموعة الأوباش وتجمعت بجانب ’أوشوك‘ القائد. عرفهم ’تاليس‘؛ إنهم ’الساهرون‘ من ’الأخوية‘، أولئك الذين تقاطعت طرقهم معهم في ’سوق الشارع الأحمر‘ والذين طاردوهم بلا هوادة إلى ’نادي لايا‘.
“أتذكرهم!” لاهثاً، أشار ’ريدمور‘ بإصرارٍ نحو الثلاثة. “خاصةً ذلك العملاق ذو الوجه الحجري!”
زفر ’جلوف‘ بضيق.
“هل نعرفهم؟” التفت ’كوهين‘ مرتبكاً وسأل ’تاليس‘ و’جلوف‘: “وهل أبدو حقاً ذا وجهٍ حجري؟”
استحالت سحنة ’جلوف‘ أكثر تجهماً.
“أمتأكدٌ أنهم هم؟” تذمر ’أوشوك‘، غير راضٍ عن مقاطعة ’ريدمور‘ المفاجئة التي قطعت عليه حديثه: “ونحن هنا جميعاً على أهبة الاستعداد لمواجهة ’العصابات الحمراء‘، دعونا لا نضيع الوقت مع بضع أسماكٍ تافهة.”
بيد أنه من بين صفوف ’الأخوية‘، ارتفع صوت ’لايورك‘ بهدوء: “’ريدمور‘ هو أحد ’الساهرين‘. لن يخطئ في حقهم.”
رمق ’أوشوك‘ ’لايورك‘ بنظرةٍ حانقة.
“لا ريب في ذلك، إنهم هم!” استعاد ’ريدمور‘ أنفاسه، واعتدل في وقفته وهو يجزّ على أسنانه.
“عندما كنا في ’سوق الشارع الأحمر‘، كانوا يتسكعون خارج ’علاقة ليلة واحدة‘، يتصرفون بريبة، ثم انسلّوا إلى منطقة ’عصابة زجاجة الدم‘. والآن، ها هم هنا… ثمة خطبٌ مريبٌ بشأنهم حتماً!”
“يا للسَّامِيّن!” رمش ’كوهين‘ وهمس، وبدا صوته مشوباً بالمفاجأة. “كيف عرف أننا جئنا من ’سوق الشارع الأحمر‘؟”
أطلق ’جلوف‘ ضحكةً باردة، وصوته خشنٌ أجش: “لأنك تبدو تماماً من ذلك النوع الذي يلجأ لدفع المال لقاء المتعة.”
تحولت تعابير ’كوهين‘ من الحيرة إلى السخط.
في هذه الأثناء، أدار ’تاليس‘ نظره، متفحصاً كل شخصٍ في الجوار بدقة.
“لا نزال منشغلين، لذا فأنتم الثلاثة،” أرجح ’أوشوك‘ فأسه وصرح بصوتٍ هادر: “إما أن ترفعوا أيديكم استسلاماً وتعترفوا، أو تنتظروا منا—”
“لقد أخبرتك!” تحدث ’تاليس‘ فجأةً بصوتٍ عالٍ، ضامناً أن يسمعه كل فردٍ حاضرٍ بوضوح.
“رتبتك ليست رفيعةً بما يكفي. دع القائد يأتي ويتحدث إليّ!” طالب بذلك.
استحالت نظرة ’أوشوك‘ إلى الجليد حين قوطع. نظر حوله، مما جعل أوباش ’الأخوية‘ المتلجلجين يصمتون مرةً أخرى.
“في كل عام، يظهر دائماً هؤلاء الصبية النبلاء المدللون الذين لا يقرّ لهم قرار. يظنون في أنفسهم العظمة ويريدون تقمص أدوارٍ في مسرحية. يتنكرون ويأتون إلى هذا المكان الغامض ليلقوا نظرة،” قال ’أوشوك‘ ببرود، وعيناه مثبتتان على ’تاليس‘، الزعيم الظاهري للثلاثي رغم حداثة سنه.
“كل ذلك فقط ليروا مدى بؤسنا ثم يشعروا بالرضا عن حياتهم الصغيرة.”
أشعلت كلماته نظرات الحقد في أعين الكثير من الأوباش.
وفي تحولٍ مفاجئٍ في نبرته، التوت تعابير ’فأس الرعد‘ إلى ابتسامةٍ خبيثة.
“إلى أن يدركوا مدى الرخاء الذي نعيشه حقاً، ومدى فظاعة المصير الذي ينتظرهم.”
مع تصاعد التوتر، أحس ’جلوف‘ بالعدائية المتزايدة من الجمع المحيط به، ولم يملك إلا أن يجزّ على أسنانه رداً على ذلك.
“كفى.”
أخرج ’أدريانيسا‘ الملقب بـ ’واخز الفولاذ‘ من ’الأخوية‘ صولجاناً مسنناً، وكلماته تقطر بعزيمةٍ جليدية:
“إذا كان لديك ما تقوله، فقله وأنت ملقىً على قفاك!”
قبالته، استلّ ’كوهين‘ سيفه ’حامل الأثقال‘، متأهباً وحذراً.
“أنصتوا جميعاً!”
اضطر ’تاليس‘ للتنحنح بقوة.
“أعلينا حقاً اللجوء إلى هذا؟”
زفر بعمق، ومسحت نظراته الخصوم المتراصين الذين بدا أنهم يملأون كل زاويةٍ وركن.
’قريب.‘
قريبون جداً، ومع ذلك فهم يتضاءلون مقارنةً بمواجهة ’سيوف الكارثة‘ الشرسة، أو تشكيلة جيش ’لامبارد‘ المهيبة، أو الهجوم الكاسح لقطيع ’الأورك‘.
“صدقاً، لقد شختُ على مثل هذه الأمور،” قال ’تاليس‘ مع تنهيدة.
قطب ’أوشوك‘ جبينه، لكن نظراته ظلت تزيغ في الأرجاء، يقيم التشكيلات المتغيرة ويحسب اللحظة المثالية لهجومٍ كماشة.
ثم، ولفزع الجميع، بسط الشاب يديه، متجاهلاً تماماً النظرات الشرسة من الحشد.
“أتعلمون؟ لقد كبرتُ بما يكفي لكي لا أحتاج للمباهاة أو إثبات نفسي فقط لإبهار الآخرين. لا أريد أن أتصرف بتكلفٍ وأخيف أعدائي أو أجعل الناس يظنون أنني بطلٌ خارق. لستُ بحاجةٍ للشعور بالرضا عن نفسي أو الحصول على إثارةٍ من كل ذلك،” قال ذلك.
تبادل ’كوهين‘ و’جلوف‘ النظرات.
“لذا، من فضلكم، أفضل ألا أسلك هذا الطريق،” علق ’تاليس‘، شاعراً بالعدد المتزايد من الأوباش الذين يتجمعون خلفهم خفيةً.
“أنا ببساطة لست مهتماً بهذا النهج.”
استدار ’جلوف‘ و’كوهين‘، موسّعين محيطهما الدفاعي، يترقبان بحذرٍ أي بادرة حركة.
“أوه؟ إذن لدينا سيدٌ شابٌ مهمٌ آخر في حضرته، هاه؟ بمجرد أن تخبرنا من أنت…”
لمعت شرارةٌ خبيثة في وجه ’أوشوك‘ وهو يقاطعه:
“…هل يمكننا المطالبة بفديةٍ أعلى؟”
بيد أن المراهق اكتفى بالابتسام واستخف بالأمر.
“الحقيقة هي أنني أشك في أن والدي سيكلف نفسه عناء دفع فديةٍ من أجلي—بناءً على تجارب الماضي، ربما يفضل رؤيتي ممزقاً إلى أشلاء.”
حينها، قطع صوتٌ باردٌ آخر الهواء:
“وكيف عرفت؟”
’أوشوك‘، الذي قوطع مرةً أخرى، عرف المتحدث وتذمر بضيق:
“’لايورك‘…”
ابتسم ’تاليس‘ بنعومة ونظر إلى الوجه المألوف الذي رآه مراتٍ عديدة في الشوارع عندما كان طفلاً.
’معارفه القدامى‘.
’المغتال الصامت‘، ’لايورك‘.
في ذلك الحين، كان هذا الرجل دائماً مطأطئ الرأس، يداه في جيبيه، يتسكع بلامبالاة في أراضي ’الأخوية‘ بمشيةٍ مسترخية. تماماً كأي وغدٍ محليٍ آخر.
لكن حتى ’كويد‘ المتسلط والطاغية كان يفكر مرتين قبل أن يتقاطع طريقه معه.
وكل متسولٍ كان يعلم—أنه لا ينبغي للمرء أبداً أن يلتقي بنظرته.
نفض ’تاليس‘ أصداء ماضيه، مقدماً ابتسامةً خفيفة:
“لأنني أعرف والدي حق المعرفة.”
بيد أن ’المغتال الصامت‘ هز رأسه.
“لا.”
“ما أسأله هو: كيف يمكن أن تكون متأكداً جداً من أن ’موريس‘ هو من يقودنا؟”
ضيق ’تاليس‘ عينيه.
وإذ رأى سلطته تتعرض للمساءلة مرةً أخرى، حذر ’أوشوك‘ بغضب:
“’لايورك‘!”
لكن ’المغتال الصامت‘ لم يلقِ لـ ’أوشوك‘ بالاً، بل ظل نظره مثبتاً على ’تاليس‘ وحده.
نظر ’تاليس‘ إلى الوجه المنهك والمألوف. وفجأةً، استذكر الوقت الذي كان فيه يافعاً واستمع إلى التشابك بينه وبين ’فيليسيا‘.
“هذا الرجل،” أشار ’تاليس‘ إلى ’أوشوك‘.
“لقد صنع لنفسه اسماً خلال عصر ’الجنرالات الثلاثة عشر‘، بصفته النصل الموثوق لـ ’رودا‘.”
تغيرت تعابير ’أوشوك‘.
“’واخز الفولاذ‘ هو أحد أوباش ’سينزا‘، وأنت يا ’لايورك‘، صفقاتك تمر عبر ’موريس‘،” اختص ’تاليس‘ كل شخص، ناطقاً بأسمائهم بألفةٍ بل وحتى بشيءٍ من عدم المبالاة.
“أما بالنسبة لأولئك ’الساهرين‘ هناك، فهم تحت إمرة ’لانس‘.”
قطب ’لايورك‘ و’أدريانيسا‘ و’ريدمور‘ جباههم في الوقت ذاته.
ارتدى ’جلوف‘ نظرة حيرة. فرغم أنه كان متسولاً في ’عصابة زجاجة الدم‘، إلا أنه لم يكن يعرف الكثير عن الخبايا الداخلية لـ ’الأخوية‘. ’كيف للأمير أن…‘
أما ’كوهين‘، فقد ظل هادئاً.
’حسناً، ففي النهاية، آل ’جاديستار‘ يعرفون كل شيء، أليس كذلك؟‘
“على الرغم من أن ’الأخوية‘ تخوض مثل هذه العملية الكبيرة بهذه الترتيبات، إلا أنكم جميعاً لا ترفعون تقاريركم لشخصٍ واحد. وبدلاً من ذلك، تعملون تحت أوامر الأربعة الكبار. مما يعني أن هناك شخصاً آخر يتولى زمام الأمور.”
“أما بالنسبة للأقرب إلى هذا المكان، فإن الاسم الوحيد الذي يتبادر إلى الذهن هو ’موريس‘ البدين.”
مسح ’تاليس‘ المكان بنظره، رافعاً صوته:
“لماذا لم يظهر بعد؟”
لكن مع تردد صدى صوت ’تاليس‘ في الممر الضيق، لم يأتِ أي رد، بل لم يزد الأمر إلا إثارة فضول أعضاء ’الأخوية‘.
قطب ’تاليس‘ جبينه، ووجد نفسه يشك.
’هل أخطأت في حدسي؟‘
من وسط الحشد، أطلق ’أدريانيسا‘ شخيراً ينم عن الازدراء: “هذا الصعلوك يجيد الحديث ببراعة، لكنه لا يعلم…”
وقبل أن تستقر كلماته تماماً، تحرك جسده فجأةً، مطلقاً هجوماً مباغتاً سريعاً!
نحو ’تاليس‘ مباشرةً!
تحولٌ غير متوقع للأحداث أخذ كلاً من ’أوشوك‘ و’تاليس‘ على حين غرة، فظهر تغيرٌ طفيفٌ على وجهيهما.
ومع ذلك، وفي لمحة بصر، ومضت قامةٌ أخرى خلف الشاب، مصادمةً ’أدريانيسا‘ وجهاً لوجه، مما أدى إلى اصطدامٍ مثيرٍ أرسل موجاتٍ من الحماس في الأثير.
تردد صدى قرع أسلحتهم في المكان الضيق من الزقاق، مجلجلاً بسلسلةٍ من الرنات المعدنية المدوية، مما جعل كل من شهد ذلك يقطب جبينه.
ومع انتهاء المواجهة الوجيزة، جز ’أدريانيسا‘ على أسنانه وتراجع. حدق في الجرح الذي أصاب ذراعه اليمنى، ومزيجٌ من الذهول والغضب يملأ نظراته.
أمامه، وقف ’جلوف‘ حائلاً دون ’تاليس‘، يغمد سيفه ببرود، نافضاً الدماء التي لوثت نصله.
سرت جلبةٌ طفيفة عبر صفوف ’الأخوية‘، مما جعل تعابير ’أوشوك‘ تزداد قتامة.
’ففي النهاية، ليس هذا سوى رجل ’سينزا‘ الصلب، ’واخز الفولاذ‘، المعروف ببراعته في القتال.‘
’خطة اليوم… تزداد صعوبةً يوماً بعد يوم.‘
“يا للسَّامِيّن!” اتسعت عينا ’كوهين‘ دهشةً، وامتلأت نظراته بإعجابٍ مستجد بـ ’جلوف‘.
“هذا الرجل قد لا يتمكن من الإطاحة بي، ولكن تباً، إنه بارعٌ بالسيف…”
زفر ’جلوف‘ بحدةٍ من أنفه كأنما يرد بازدراء.
“لقد رأيت حركات السيف ووقع الأقدام هذه من قبل…”
مزق ’أدريانيسا‘ شريطاً من العصابة السوداء عن ذراعه وربط جرحه بإحكام، وعيناه مثبتتان على ’جلوف‘ بمزيجٍ من الوجل والحذر.
“هل خدمت في الجيش النظامي؟” تساءل.
“قريبٌ بما يكفي،” رد ’جلوف‘ بشخيرٍ بارد. وأرجح سيفه الطويل مرةً أخرى، ساداً الطريق على اثنين آخرين من أوباش ’الأخوية‘.
“خمن مجدداً.”
قطب ’أدريانيسا‘ جبينه في تفكير.
لم يعد ’أوشوك‘ قادراً على كتم غيظه أكثر من ذلك وجأر بغضبٍ عارم:
“إلى الجحيم معهم! هاجموهم معاً!”
ومع رنين كلماته، زأر الوغدان الأقرب إليهما بحنقٍ واندفعا للأمام!
اندفع الجمع المحيط، متلهفين بوضوح للانضمام إلى المعمعة.
أطلق ’تاليس‘ تنهيدة.
’أكان من المحتم الوصول إلى هذه النقطة؟‘
وبالفعل، ودون الحاجة لأن ينطق بكلمة، قفزت قامةٌ قويةٌ أخرى فوق المراهق وواجهت المهاجمين مباشرة.
وبصوتين مكتومين يقشعر لهما البدن، سقط الوغدان في المقدمة على الأرض، والدماء تسيل وصيحات الألم تملأ الأرجاء.
“جروهم إلى الخلف! نظفوا جراحهم وضمدوها. ربما لا تزال لديهم فرصة…”
أرجح ’كوهين‘ سيفه ’حامل الأثقال‘ ببراعةٍ استعراضية وحدق في الخصوم أمامه. سخر قائلاً:
“من يريد المزيد؟”
تلكأ الأوباش في اتجاهه، وأعينهم مثبتة على نصل ’كوهين‘ الملطخ بالدماء، ولم يجرؤ أحدٌ منهم على الاندفاع للأمام.
على الجانب الآخر، استل ’جلوف‘ سيفه بهدوءٍ وبلا جهد، مطيحاً بخصمٍ تلو الآخر ودافعاً إياهم للعودة إلى وسط رفاقهم، زارعاً بذور الارتباك.
تركت الفعالية الدقيقة والمدمرة لضرباتهم أوباش ’الأخوية‘ يتبادلون نظراتٍ غير يقينية، وتوقف تقدمهم مؤقتاً.
أخرج ’كوهين‘ زفرة راحة. ’الشكر للسامية أن شجارات الشوارع ليست بصرامة ساحات المعارك. إذا تمكنا من الإطاحة بالأكثر صلابةً وبأصحاب المظهر الشجاع، فسيخيف ذلك البقية…‘
بيد أن ’تاليس‘ فرك وجهه بتعبيرٍ ينم عن الحنق.
’تباً لكل هذا.‘
رمق ’أوشوك‘ مرؤوسيه بنظراتٍ غاضبة وهم يجرون الأوباش الساقطين. استشاط غضباً حين رأى مدى حذرهم.
’للوقت الراهن، دعونا ننسى مدى قوة الخصوم…‘
’ولكن هل فقد رجال ’الأخوية‘ في العاصمة مهاراتهم؟‘
’كان ينبغي أن يكون سهلاً على شخصٍ ما أن يبذل قصارى جهده ويوقف هجماتهم، حتى لو تطلب الأمر المخاطرة بحياته…‘
’يا للإزعاج!‘
’كيف انتهى الأمر بـ ’عصابة زجاجة الدم‘ مع هذين الصعبين؟‘
’حسناً إذن…‘
نظر ’أوشوك‘ إلى ’كوهين‘ و’جلوف‘، ملمحاً للآخرين ومشيراً بـ ’ذقنه‘ نحو ’تاليس‘.
ودون تأخير، عدلت ’الأخوية‘ تشكيلها.
’كوهين‘، المتمرس من سنوات الخدمة في شوارع العاصمة، استشعر نواياهم ببراعة. وبذراعٍ واسعة، اتخذ موقعه أمام ’تاليس‘، حامياً إياه.
“لا سبيل لكم للمرور.”
’جلوف‘، وبما يوافق القول، تراجع خطوةً، مشكلاً حاجزاً وقائياً حول ’تاليس‘.
بيد أن ’تاليس‘ لم يملك إلا أن يطلق تنهيدة استسلام.
“حسناً، أنا أتحدث بجدية!”
متجاهلاً تعابير الاستهجان من رفيقيه، دفع ’تاليس‘ أذرعهم جانباً وأشار بتعبٍ نحو ’أوشوك‘ و’لايورك‘.
“اذهبوا وأبلغوا ’موريس‘ أنني أستطيع مساعدته في المشاكل التي يواجهها.”
“لقد قلت ذلك بالفعل؛ أنا المسؤول هنا،” رد ’أوشوك‘، مشيراً بإصبعه بصلابة.
“وأنا لست…”
’آه، لا يهم.‘
لم يكترث ’تاليس‘ للاستماع لمحاولة ’أوشوك‘ صرف انتباههم بكلماتٍ قاسية واغتنام الفرصة لعمل كمين.
’من مظهر الأمر، حتى لو قلت صراحةً إنني أمير، فلن يتوقفوا ويجلسوا للتحدث.‘
’عليّ أن أظهر الحقيقة الدامغة.‘
“’أوشوك‘، ’فأس الرعد‘، أليس كذلك؟” رن صوت ’تاليس‘.
“بما أنك تعمل لصالح ’رودا‘، أراهن أنك لابد وأن تكون مألوفاً بالحدادين في ’الشارع الجنوبي‘، أمثال ’كاراشي‘؟”
ترددت ذراع ’أوشوك‘ في الهواء.
“أنا متأكد من أنك تشعر بضيقٍ شديد. فبعد كل شيء، عندما تمت مداهمة دكانه ومتاجر أخرى مرتبطة بعملياتكم على حين غرة، اصطدمت تجارة الأسلحة السرية الخاصة بكم، وخاصة العمل الشاق المتمثل في إصلاح المخزون القديم، بجدارٍ مسدود فجأة، مما جعل كل خطوة كأنها معركة خاسرة.”
ابتسم ’تاليس‘ بخبث. “لكنني أحسب أن هناك ما هو أكثر من مجرد ذلك الشيء الواحد الذي يجعل حياتك بائسة، أليس كذلك؟”
ومما أثلج صدر ’تاليس‘، أنه بمجرد أن غادرت تلك الكلمات شفتيه، تغيرت تعابير ليس فقط ’أوشوك‘، بل أيضاً ’أدريانيسا‘، و’لايورك‘، و’ريدمور‘، والعديد من الأعضاء الآخرين في ’الأخوية‘.
ازداد ارتباك ’جلوف‘. ’كيف لك أن تعرف كل هذا؟‘
“إنه حقاً يعرف شيئاً ما. يبدو أنه ليس مجرد نكرة،” علق الشمالي ’أدريانيسا‘ ببرود.
“أطرحوه أرضاً، مهما بلغت الخسائر،” أصدر أمره.
تقدم الناس خلفه على الفور، لكن ’تاليس‘ أدار رأسه في اللحظة المواتية:
“’أدريانيسا‘!”
رن صوت الشاب بوضوح:
“أنت رجل ’سينزا‘ الأول الذي يلجأ إليه، الشخص الذي كان يعمل جنباً إلى جنب معه في ’الأراضي الشمالية‘ و’أرض المنحدرات‘، وبشكلٍ أدق، يقاتل من أجل المنطقة ضد ’عصابة زجاجة الدم‘.”
شخر ’أدريانيسا‘.
“وعلى مر هذه السنين، وخاصة منذ رفع حالة التأهب القصوى في ’حصن التنين المكسور‘ وعودة السلام إلى الحدود، حظيت بوقتٍ سهل، مما جعل ’عصابة زجاجة الدم‘ تتراجع مراراً وتكراراً.”
“ومع ذلك، ها أنت هنا، أرسلك ’سينزا‘ مجدداً.”
هز ’تاليس‘ رأسه ببطء.
“لأنه يعلم، يعلم الأسباب وراء سنوات انتصارك، ويعلم مفتاح نمو ’أخوية الشارع الأسود‘.”
“خاصة الآن، عندما اصطدم تقدمكم بعقبة.”
وما إن تردد صدى الكلمات، حتى لمحت أعينهم حركةً خاطفة!
بقرقعةٍ معدنية…
اصطدم صولجان ’أدريانيسا‘ المسنن بسيف ’جلوف‘، ليحبسهما في طريقٍ مسدود.
“تباً!”
’واخز الفولاذ‘، الشمالي، جزّ على أسنانه، ووجهه يتلوى من الغيظ.
“أنا أكره النبلاء اللعينين!”
“يا للمصادفة،” رد ’جلوف‘ وهو في صراعٍ حادٍ مع خصمه، ومع ذلك نجح في الرد تحت أنفاسه، “وأنا كذلك.”
لكن على الجانب الآخر، ارتجف ’كوهين‘ فجأة. انطلقت غرائزه وهو يستدير بسرعة، رافعاً سيفه عالياً، ليرد نصلاً تجسد من العدم بقرقعةٍ معدنية حادة!
تراجع جسد ’لايورك‘ بسرعة، كالشبح في ضوء الشمس، متلاشياً بلمسةٍ واحدة.
في لحظة، تغيرت دفة المعركة، وملأت صيحات القتال الأرجاء.
أطبق أوباش ’الأخوية‘ من كل جانب.
زأر ’جلوف‘ و’كوهين‘ بغضب، وتردد صدى صوتهما في الفوضى. بوجود ’كوهين‘ في المقدمة و’جلوف‘ في الخلف، شكلا حاجزاً لا يُخترق حول ’تاليس‘، مطلقين العنان لكامل مهاراتهما لصد الهجوم الذي لا يهدأ من النصال والصلب اللامع.
أحس ’تاليس‘ بالخطر المحدق، لكنه مر بمواقف مماثلة مراتٍ عديدة من قبل، وكان يؤمن بمهارات ’جلوف‘ و’كوهين‘. لذا تخلى عن قلقه، وبكل هدوء…
“’لايورك‘!”
…نادى عليه.
“أنت هنا معنا، تقاتل. ألسُت قلقاً؟”
تراقصت نظرة ’لايورك‘ عبر الحشد.
“وماذا عن ’فيليسيا‘؟” سأل ’تاليس‘ بصوتٍ ثابت. “لقد هربت للتو. ألا ينبغي أن تذهب لتطمئن عليها؟”
تبدلت تعابير ’لايورك‘، وأرخى قبضته المحكمة على النصل، موقفاً رجاله خلفه.
“أم أن الأنباء التي عادت بها تركت قائدكم يشعر بالقلق؟” واصل ’تاليس‘، وابتسامةٌ رقيقة تداعب شفتيه.
تلوى وجه ’لايورك‘ مرةً أخرى، ولكن هذه المرة، ظهر تصميمٌ راسخ. أصدر أمراً لرجاله: “هاجموا، ولكن اتركوا له لساناً ليتحدث.”
تذبذبت ابتسامة ’تاليس‘.
’سحقاً.‘
على الجانب الآخر، افترق ’جلوف‘ و’أدريانيسا‘ مرةً أخرى. رقص سيف ’جلوف‘ الطويل بدقة، راسمًا أقواسًا قرمزية، مطيحاً بمهاجمين انتهزيين محتملين ومحبطاً الأعداء المتقدمين الذين سعوا للحصول على أفضلية.
في هذه الأثناء، زأر ’كوهين‘ بغضب، مشهراً سيفه بقوةٍ مدروسة، راداً هجوم الأعداء الذي لا يلين ودافعاً إياهم للتعثر والعودة إلى صفوفهم.
“ألن تظهر نفسك يا ’موريس‘؟” في خضم صيحات المعركة، استدعى ’تاليس‘ ’إثم نهر الجحيم‘، وصوته يخرق الجمع.
لكن الموقف لم يتغير بعد.
“اعتنِ بنفسك،” سخر ’أوشوك‘ ببرود. “أيها السيد الشاب الثرثار!”
سرت قشعريرةٌ في عمود ’تاليس‘ الفقري.
“أعني… ’ويا‘،” لاهثاً، قال ’كوهين‘:
“تلك الشعلات—ألا تزال لا توجد حاجةٌ إليها؟”
على الرغم من أن ’كوهين‘ و’جلوف‘ بدا أنهما يتعاملان مع الموقف بسهولة، إلا أن ’تاليس‘ لم يملك إلا أن يشعر بالقلق بينما كان الأعداء يتدفقون بلا هوادة من كل جانب.
“ماذا عن ’لانس‘؟ ’عين الأخوية التي لا تنام‘؟”
ألحق الأمير اسماً وزأر بصوتٍ هادر:
“أعتقد أن الأنباء التي شاركتها ’فيليسيا‘ قد لمست وتراً حساساً لديه أكثر من غيره، أليس كذلك؟”
“ألا يرغب في ’العودة إلى الديار ليرى بنفسه‘؟”
في اللحظة التي تلاشت فيها كلماته، ملأ صوتٌ هادئٌ ومميزٌ الأثير، وكأنه كان بجانبهم تماماً:
“توقفوا!”
استنشق ’تاليس‘ نفساً عميقاً، محدقاً بتركيزٍ في الحشد الذي لا يهدأ.
أخيراً.
برزت قامةٌ ممتلئة من وسط الجمع، وحملت كلماته سلطةً لا تُرد أخمدت ضجيج الجميع:
“تراجعوا جميعاً.”
تحير الأوباش، في خضم الصخب، للحظات، ولكن سرعان ما بدأوا، من الخلف إلى الأمام، في إلقاء أسلحتهم تدريجياً والكف عن أفعالهم، متراجعين للوراء.
توقفت صيحات المعركة ببطء.
أغمد ’جلوف‘ سيفه، تاركاً وراءه بائسين يائسين يتلوون على الأرض.
’كوهين‘، وهو يستعيد أنفاسه، أطاح بآخر وغدٍ هائجٍ بمرفقه ونظر للأعلى.
انفرج الجمع عند مدخل الزقاق ببطء، كاشفاً عن رجلٍ قصيرٍ وبدين ومع ذلك قوي البنية يقترب بخطىً هادئة.
عرف ’تاليس‘ المحيا وأحس بوقرٍ ينجلي عن قلبه.
’ست سنوات.
أراه مرةً أخرى.‘
“الزعيم ’موريس‘!”
تصلبت تعابير ’تاليس‘ فور رؤية وصوله.
“سنتمكن من الإطاحة بهم قريباً…” بدأ ’أوشوك‘، لكن ’موريس‘ اكتفى بجذب زوايا فمه، كاشفاً عن ابتسامةٍ شرسة.
“ألا ترى يا ’أكس‘؟” ربت ’موريس‘، أحد الستة في ’الأخوية‘، والحاكم لمدينة ’الحي السفلي‘ في العاصمة الملكية، على كتف ’أوشوك‘.
أدار رأسه ببرود، ناظراً مباشرةً إلى ’تاليس‘.
“إنه ليس كأولئك الضعفاء الذين اختطفتهم من قبل.”
“أولئك الأسياد الشباب المدللون الذين يظنون أنهم الشخصيات الرئيسية لكنهم ينهارون ويتحولون إلى حطامٍ مرتجف بمجرد فقدانهم لمكانتهم، أو قوتهم، أو أسلحتهم الفاخرة.”
التقى ’تاليس‘ بعيني ’موريس‘، وومض برودٌ في نظرته.
خلال أيامه كمتسول، كان هذا الرجل الذي يبدو خيِّراً ووديع الوجه هو من يبسط نفوذه على ’الشارع الأسود‘—مسقط رأس ’أخوية الشارع الأسود‘ بعينه—ويتحكم في مجمل العمليات السرية في ’الحي السفلي‘. في كل مرة كان يظهر فيها، كان معظم أعضاء ’الأخوية‘ الذين قابلهم ’تاليس‘، أمثال ’لايورك‘، و’فيليسيا‘، و’ريك‘، و’لوك‘، و’كويد‘، أو ’بيرس‘، يحنون رؤوسهم ويطيعون أوامره.
كان يشرف أحياناً ’حانة الغروب‘ بحضوره، تاركاً ’جالا‘ في حالةٍ واضحةٍ من التوتر ورب العمل بتعبيراتٍ متجهمة.
أوه، ودعونا لا ننسى أن ’موريس‘ احتفظ ذات مرة بكلب صيدٍ شرسٍ وضارٍ كاد أن يزهق روح ’تاليس‘.
لكن كل هذا تضاءل مقارنةً بواحدٍ من أفظع أفعال ’موريس‘: ففي حضور أعين الكثيرين، أطفأ بدمٍ باردٍ جذوة حياة متسولٍ هارب.
منذ ذلك الحين، كان أعضاء ’الأخوية‘ وأعداؤهم على حدٍ سواء ينظرون لـ ’موريس‘ برهبةٍ وخوف. فأي شخصٍ يواجه الابتسامة العديمة الرحمة لهذا الرجل البدين، الذي لم يكن لديه أدنى وازعٍ من إيذاء الأطفال، لم يملك إلا أن يشعر بقشعريرةٍ تسري في عموده الفقري.
تحت تحذير ’كويد‘، كان المتسولون ينكمشون ويتضاءلون، خوفاً من جلب غضبه عليهم.
ومع ذلك، في تلك اللحظة بالذات، أدرك ’تاليس‘ فجأةً أنه هو نفسه يقف هناك، ملتقياً بنظرة ’موريس‘ مباشرةً.
“هذا نبيل،” واصل ’موريس‘ تقدمه، يشق طريقه بسهولةٍ عبر الحشد بينما حنى منفذو ’الأخوية‘ رؤوسهم وتراجعوا للوراء. “من النوع الحقيقي.”
“ليس مثل هؤلاء الحمقى عديمي الفائدة والمرفهين الذين تحب ’العصابات الحمراء‘ التقرب منهم.”
أخيراً، وقف ’موريس‘ أمام ’تاليس‘.
وقف ’كوهين‘ و’جلوف‘ بواجبهما، معترضين طريق الرجل البدين الذي يبدو عادياً قبل وصوله لـ ’تاليس‘ ومصدرين تحذيراً صارماً.
نظر ’موريس‘ إلى الحارسين الشخصيين اللذين يسدان طريقه، وابتسامةٌ مكرة تداعب شفتيه، وهي السمة المميزة لرجل أعمالٍ متمرس.
في تلك اللحظة، أحس ’تاليس‘ بقلبه يتسارع!
“هذا يكفي.”
خرق صوت الشاب الصمت فجأة، مفصحاً عن نبرةٍ من الاضطراب.
“هذا قريبٌ بما يكفي!”
حذر ’تاليس‘ الرجلين: “احذرا، قدرة هذا الرجل النفسية—”
لكن كلمات ’تاليس‘ انقطعت حين عقد ’موريس‘ حاجبيه، مضيقاً عينيه بابتسامةٍ خبيثة.
“نعم، إنه قريبٌ بما يكفي.”
في لمح البصر، شحب وجها ’كوهين‘ و’جلوف‘، وتعثرا كلاهما للوراء!
أصدرت أسلحتهم صوتاً مكتوماً وهي ترتطم بالأرض في الوقت ذاته.
وقف ’تاليس‘ هناك متجمداً وهو يراقب ’جلوف‘ يرتجف، يشد ياقته، لاهثاً بحثاً عن الهواء.
“…لا… أستطيع… التنفس…”
اكتفى ’موريس‘ بالابتسام له بعينين نصف مغمضتين، وكأنه يشاهد طفل الجيران يلعب لعبةً ما.
’سحقاً!‘
استهلك ’تاليس‘ مزيجٌ من الصدمة والغضب. قدرة ’موريس‘ النفسية—كان لها مثل هذا المدى البعيد!
على الجانب الآخر، استحال وجه ’كوهين‘ إلى القرمزي، وعروقه تنبض وهو يكافح لإسناد نفسه على الأرض.
“أتذكر… الآن… الأخوية… الزعيم البدين… قدرة نفسية… هواء…”
’سحقاً. لو كانت لدي فرصةٌ واحدةٌ أخرى، لما اضطررت لأن أكون في مثل هذه الحالة المزرية أمام سموّه. لا أحتاج إلا لثانيةٍ واحدةٍ لأضرب…‘
“لكنك لا تملك تلك الثانية.”
رنت كلمات السيد ’زيدي‘ في ’برج الاستئصال‘ في أذنيه.
“إذا لم تغتنمها، فستضيع.”
ان لم تغتنمها، فستضيع.
ضرب ’كوهين‘ الأرض بإحباطٍ وألم، لكن ذلك لم يزد الأمر إلا صعوبةً عليه في التنفس.
“أوه، الآن تذكرت. أنت من وكر شرطة ’المدينة الغربية‘، ’ضابط الشرطة الغبي الأبله‘ ذائع الصيت.” تفرس ’موريس‘ بتمعنٍ في ’كوهين‘، الذي سقط غطاء رأسه، وطقطق بلسانه.
“أن تفكر في أنك وصلت بالفعل إلى هذا الحد، هاه؟ لابد أن والدك قد عانى كثيراً،” علق بلامبالاة.
ارتجف ’كوهين‘ في كل أنحائه، وجسده ممتلئٌ بالغضب.
“تباً لـ—”
تلوى وجه ’جلوف‘ إلى تعبيرٍ شرسٍ وهو يكافح للتنفس، وعيناه مثبتتان على يديه.
’سحقاً، لولا جروح السوط هذه، لتمكنتُ من…‘
اعتدل ’موريس‘ في وقفته، والآن نظر مباشرةً إلى ’تاليس‘ بابتسامةٍ لم تفتر، لكن عينيه استحالتا إلى الجليد.
“انطق بها يا فتى،” قال الرجل البدين بنبرةٍ تنم عن الازدراء.
“من أنت؟”
“أو، لنكن أكثر صراحةً—من هو زعيمك، أو ببساطةٍ أكثر، من هو والدك؟”
استنشق ’تاليس‘ نفساً عميقاً، مدركاً أنه ليس ضمن مدى قدرات ’موريس‘ النفسية.
’ومع ذلك…‘
رفع رأسه وحدق في ’موريس‘ المبتسم.
وخلفه، بابتسامةٍ شريرة، وقف ’أوشوك‘، و’أدريانيسا‘ غير الراضي، و’لايورك‘ المتجهم.
ظن أن ’موريس‘ لم يكن تهديداً كبيراً—مجرد شخصٍ يدير الأمور في ’الأخوية‘، نادراً ما يلوث يديه. لكن الأمر كان على النقيض تماماً. فإذا استُخدمت ببراعة، فإن قدرة ’موريس‘ النفسية يمكن أن تطيح حتى بنخبتين من رتبة ’عالي‘.
ولكن…
أغمض ’تاليس‘ عينيه واستنشق نفساً عميقاً.
’قبل ست سنوات، لم تكن لدي حتى فرصةٌ لمواجهته، أليس كذلك؟‘ في ذلك الحين، كان كلب ’موريس‘ وحده كفيلاً بقتله.
أما الآن…
فتح ’تاليس‘ عينيه، ونظرته هادئةٌ وصافية كالكـريستال.
“خديعتك مثيرةٌ للاهتمام تماماً.”
أطلق ’موريس‘ “همم” تنم عن الرضا ونظر بلهفةٍ إلى الشاب.
“لديك بعض الجرأة،” قال.
بيد أن جملة ’تاليس‘ التالية سرعان ما مسحت الابتسامة عن وجه ’موريس‘:
“إذن، هل مر ’سيف الأسود‘ بمثل هذه التجارب؟” سأل ’تاليس‘، وابتسامةٌ مكرةٌ ارتسمت على شفتيه.
“بسبب قدرتك النفسية على التحكم في الهواء، تدرب هو على مواقف صعبة مماثلة لمراتٍ لا تُحصى، محسناً من قدرته على الصمود من خلال التدريب المستمر. هكذا ينجح في مواجهة ’أسدا‘ بثقةٍ في كل مرة والإفلات دون أذى.”
’سيف الأسود‘.
’أسدا‘.
قطب ’موريس‘ جبينه بعمق.
ولكن بعد بضع ثوانٍ، انفجر ضاحكاً.
“حسناً، على مر السنين، واجهتُ أكثر من شخصٍ أتى على ذكر ’سيف الأسود‘ أمامي.”
مع رنينٍ تردد صداه مرتين، لم يعد بإمكان ’جلوف‘ و’كوهين‘ التشبث بمقبض السيف أكثر من ذلك وسقطا على الأرض، مستخدمين أذرعهما لإسناد نفسيهما.
كان الهواء شحيحاً، وأصبحت علامات نقص الأكسجين لديهما أكثر وضوحاً.
أحس ’تاليس‘ بوطأة الاستعجال في قلبه، لكنه أجبر نفسه على البقاء هادئاً، ناظراً مباشرةً إلى خصمه.
بيد أن ’موريس‘ اكتفى بحك ذقنه وارتسمت على وجهه نظرةٌ تنم عن الشجن:
“كان لديهم دائماً هذا الأسلوب السلس والمتمرس في الكلام، محاولين إبهاري وإقامة صلات، كما لو كانوا مهمين ويقومون بأمورٍ عظيمة—إنه أمرٌ مثيرٌ للاهتمام تماماً كقول أحدهم: ’أتفرِف ’حنق المملكة‘؟ لقد كنتُ أمزح معه في الماضي.‘”
’حنق المملكة‘.
رحل به التفكير إلى الرجل الذي حمله واندفع بلا وجلٍ إلى خطوط العدو، مفعماً بالقوة كبركانٍ ثائر. قطب جبينه.
’في هذا العالم، ربما لا يوجد أحدٌ يمكنه المزاح مع ذلك الرجل.‘
ومع هذه الأفكار، انفجر فجأةً ضاحكاً وسط الظروف العصيبة.
“أنا أعرف أفضل من ذلك،” رد ’تاليس‘، وتعبيرات وجهه مشوبةٌ بالحنين.
“لن تنطلي عليك مثل هذه الخدعة؛ أنت و’سيف الأسود‘ تجمعكما رفقةٌ قديمة، ومألوفان تماماً لبعضكما.”
“ربما منذ حوالي عشرين عاماً، عندما كنتما تعملا كمرتزقةٍ في ’الصحراء العظمى‘؟”
ضاقت عينا ’موريس‘.
ضحك ’تاليس‘ بنعومة:
“أأنا على حق، يا أحد ’القادة‘ التسعة؟”
في تلك اللحظة بالذات، اشتبكت شبكةٌ من الحيرة في عقول أعضاء ’الأخوية‘.
أحجم ’موريس‘ عن النطق بكلمة.
اكتفى بضم شفتيه وتحديقٍ في ’تاليس‘ بتعبيرٍ مهيب.
كما نظر الصبي الصغير إليه في هدوء.
ولكن فجأةً، أطلق ’موريس‘ ضحكةً مكتومة.
“أنت تحاول فقط أن تبدو ذكياً من خلال إلقاء تلميحاتٍ هنا وهناك حول أمورٍ تافهة، مما يجعل الناس يظنون أنك مطلعٌ جيداً وغامضٌ للغاية.”
“لقد رأيت هذا الأسلوب الاستعراضي من قبل.”
لم يُظهر ’تاليس‘ أي تغييرٍ في تعبيراته، مراقباً ’موريس‘ وهو يصدر هسيساً ويهز رأسه:
“إنه أمرٌ طفوليٌ جداً.”
وبحركةٍ غير مبالية من يده، قال ’موريس‘:
“قيدوه وأحضروه للداخل.”
بيد أنه في تلك اللحظة بالذات، سرت موجةٌ جديدةٌ من الاضطراب عبر ’الأخوية‘!
لم يكن الصخب قادماً من الخلف.
أطرق ’تاليس‘ رأسه، مندهشاً بالقدر ذاته.
عند نقطةٍ غير معلومة، رفع ’كوهين‘ نظره، وعيناه مثبتتان بحدةٍ على ’موريس‘.
نبض ’مجد النجوم‘ بضراوةٍ محمومة دون أي اعتبارٍ للثمن، منبثقاً من الأعماق السحيقة، ملقياً ببريقٍ متألقٍ على جلده.
لقد أمده بدفقةٍ متواصلةٍ من الطاقة الإضافية، مما مكن ضابط الشرطة من استنشاق أكسجين أكثر بكثيرٍ من المعتاد بقوة.
على الرغم من ارتعاشه وعدم استقراره، لم يكن لشيءٍ أن يعيقه بينما…
نهض على قدميه.
جزّ ’كوهين‘ على أسنانه، وسيفه يدور في يده، بينما استحال بصره تدريجياً إلى القرمزي، محجوباً بضباب.
’حان وقت رد الصاع لهم.‘
في هذه الأثناء، نهض ’جلوف‘ على قدميه بحركةٍ بطيئةٍ ومدروسة. اندفعت ’قوة الإبادة‘ الخاصة به عبر كيانه بالكامل، مذيبةً مصدر وقود جسده، ومخففةً من أي انزعاجٍ جسدي، ومخدرةً آلامه ووجعه، ومحولةً محياه إلى قناعٍ باردٍ ومنفصل.
تجمدت عينا ’زومبي‘ الفاقدتان للحياة في نظرةٍ خاوية، مثبتتين حصراً على ’موريس‘.
وكما هو الحال دائماً، تلاشت آلامه في العدم.
خبت مشاعره تدريجياً.
وجسده…
عاد إلى حالةٍ من القسوة وانعدام الرحمة، أداةً للدمار لا يردعها وازع.
’حان وقت القتل.‘
حدق ’أوشوك‘ و’لايورك‘ في القامتين أمامهما بدهشة—كانا يعلمان علم اليقين الضرر والإجهاد الذي يمكن أن تسببه قوة ’موريس‘ النفسية لضعف جسد البشر.
’هذا… لا يمكن أن يكون ممكناً، أليس كذلك؟‘
كان ’موريس‘ مندهشاً بالقدر ذاته لرؤية هذين الرجلين يتحرران من أغلال قدرته.
“لم أتوقع هذا،” قال ’موريس‘ بهدوء. “تلك مهارةٌ وصمودٌ لم يصقلهما سوى المعارك الملطخة بالدماء.”
“كلاكما بذرتان لطبقة ’الفائق‘.”
كان ’سيف الأسود‘ على حقٍ في النهاية.
’القدرات النفسية قد تأخذ المرء على حين غرة.‘
’ومع ذلك، لا يمكنها تغيير النتيجة النهائية.‘
بمشاهدة الرجلين القويين ينهضان على أقدامهما مرةً أخرى، لم يملك ’موريس‘ إلا أن يتنهد استسلاماً، ويده تلمس جبهته بلطف بينما زحفت ابتسامةٌ عاجزة عبر وجهه.
“آه، لماذا ينتهي الأمر بالنخبة دائماً في جانب العدو؟”
أومأ ’تاليس‘ برأسه موافقاً، متفهماً هذا الشعور حق الفهم.
لكن هذه المرة، لم يكن هو الطرف المتلقي.
“هل لنا أن… نتحدث الآن؟” سأل، وابتسامةٌ صادقة تعلو وجهه.
تذبذبت ابتسامة ’موريس‘ للحظات.
خلفه، أحكم ’أوشوك‘ و’لايورك‘ قبضتيهما على أسلحتهما.
وازدادت تعابير ’كوهين‘ و’جلوف‘ شؤماً.
أخيراً، استنشق الرجل البدين نفساً وبسط يديه.
أحس ’كوهين‘ و’جلوف‘ على الفور بأن الهواء من حولهما عاد لطيفاً مرةً أخرى. استنشقا أنفاساً عميقة وهدأت روعهما.
“لا تقلق، فأنا أيضاً لا أستهوي الألاعيب الصبيانية.”
هدأ روع الأمير مع تبدل موازين القوى، وصرح بصوتٍ مسموع: “نحن جميعاً بالغون هنا، على أي حال.”
رمق ’موريس‘ وجه ’تاليس‘ اليافع بنظرةٍ فاحصة، وارتفع أحد حاجبيه تساؤلاً.
أدرك ’تاليس‘ زلّة لسانه فتنحنح محاولاً التدارك:
“تعلم، في عصر الإمبراطورية، كان الذكور يبلغون سن الرشد في الرابعة عشرة؛ فيغدون قادرين على خوض الغمار وتكوين الأسر.”
خطا الشاب خطوةً للأمام.
“لذا، لا أرغب في استغلال منصبي أو سرد أنباءٍ مروعة لأرهب أحداً،” نظر إليه ’تاليس‘ بجدية، “دعني أكررها يا ’موريس‘؛ أنا هنا لأمد لك يد العون.”
فرك ’موريس‘ يديه ببعضهما، ومسحت نظراته المكان بينما بدأ الاضطراب بين أوباش ’الأخوية‘ يهدأ.
أطلق ضحكةً تنم عن الازدراء: “وكيف يمكنك المساعدة بالضبط؟”
مستعيداً ثباته في مضمارٍ يجيد خوضه، استنشق ’تاليس‘ نفساً عميقاً.
“رغم نفوذ ’أخوية الشارع الأسود‘، إلا أنه لا حاجة لحشد ’القادة‘ الأربعة الكبار لمجرد عملية سطوٍ عادية في الشارع—حتى لو كان الطرف الآخر يملك زوجاً من الأتباع مفتولي العضلات،” صرح بذلك.
هزّ ’كوهين‘ رأسه، بينما نفض ’جلوف‘ ذراعه بسرعة، مستفيقين من حالة الذهول التي تملكتهما سابقاً.
تابع ’تاليس‘ بصوتٍ خفيض، متأملاً في أحداث الأيام الماضية: “ثمة سببٌ واحدٌ فقط يمكنه جعلكم جميعاً على جمرٍ من التوتر.”
حدق ’موريس‘ في الشاب بجمود.
“أنت تهذي،” قالها باقتضاب.
لم يعر ’تاليس‘ لكلماته اهتماماً وابتسم بخبث.
“ولكن، ماذا لو لم يكونوا هم؟” ألقى التحدي في وجهه.
توقفت يدا ’موريس‘ القلقتان عن الحركة.
“ماذا لو كان الأشخاص الذين اختطفوا ’فيليسيا‘ في عقر داركم، أولئك الذين يعيثون فساداً في تجارتكم، ويعيقون تقدمكم، ولا يسببون لكم سوى المتاعب… ليسوا هم الخصوم القدامى الذين ظننتموهم؟” استرسل ’تاليس‘.
استحالت نبرته إلى الحدة: “ماذا لو لم تكن ’عصابة زجاجة الدم‘ هي الجانية؟”
لم ينبس ’موريس‘ ببنت شفة، لكن من خلفه—’أوشوك‘، و’لايورك‘، و’أدريانيسا‘، وغيرهم—بدت عليهم ردود فعلٍ متباينة.
“بالطبع، أنتم تعلمون هذا بالفعل—مباشرةً من لسان ’فيليسيا‘،” نطق ’تاليس‘ بنبرةٍ تقشعر لها الأبدان. “الأمر ليس أنكم تجهلون الحقيقة، بل أنكم في حيرةٍ من أمركم عما يجب فعله.”
وتابع ضاغطاً على الوتر الحساس: “نظراً لمدى قوة خصمكم هذه المرة، يبدو أن المقاومة لن تجدي نفعاً.”
طبق ’موريس‘ شفتيه بإحكام، ونظرته مثبتة بصلابة على المراهق المتخفي تحت الرداء.
اندفع ’تاليس‘ متجاوزاً ’جلوف‘ و’كوهين‘، ضارباً بنظراتهما القلقة عرض الحائط. اقترب من ’موريس‘ حتى أصبح على بعد ذراعٍ منه، والتقت أعينهما.
ولدهشته، تبين أنه أصبح بالفعل في طول ’موريس‘.
ونظرة هذا الرجل البدين المرهوب الجانب أمامه… هل كانت مشوبةً بالخوف؟
أحس ’تاليس‘ بلحظةٍ من الارتباك لكنه سرعان ما استعاد تركيزه وتحدث بحزم.
“لكنني هنا، وأنا أملكم الوحيد في هذا المأزق الذي تواجهه ’الأخوية‘،” صرح ’تاليس‘. “الآن، هل لنا أن نتحدث؟”
أنهى ’تاليس‘ حديثه وركن إلى الصمت، منتظراً في أناة.
ساد السكون في الأثير.
ظل ’موريس‘ صامتاً، وازدادت نظرته قتامة.
لا إرادياً، أحكم الجميع قبضاتهم أو قبضوا على أسلحتهم.
التقت نظرة ’لايورك‘ الباردة بنظرة ’كوهين‘، بينما اشتبكت عينا ’جلوف‘ بـ ’أدريانيسا‘ في تحدٍ صامت.
أخيراً، ووسط هذا الصمت المطبق، انفجر ’موريس‘ في ضحكٍ صاخب.
ربما بسبب قدرته النفسية على التحكم في الهواء، تردد صدى ضحكته في الزقاق الضيق، مما أثار الريبة في نفوس من سمعها.
ضغط ’لايورك‘ على أذنيه بضيق وجز على أسنانه: “الزعيم—”
لكن فجأة، استدار ’موريس‘!
“تراجعوا!” أمر بذلك.
ارتدى الرجل البدين تعبيراً ينم عن الغبطة، ملوحاً بذراعيه ببهجة: “لنعد إلى الديار! ليمضِ كلٌ منكم في شأنه!”
بُهت أعضاء ’الأخوية‘ من هذا التحول المفاجئ.
أخرج ’تاليس‘ زفرةً، وارتسمت ابتسامةٌ على وجهه.
وفي اللحظة التالية، استدار ’لايورك‘، الذي تبع ’موريس‘ لسنوات، بحزمٍ وأصدر الأمر. ووسط أصوات وقع الأقدام المبعثرة، تفرق رجال ’موريس‘ دون تردد.
ظل ’ريدمور‘ و’ساهروه‘ بلا تعبير، لكنهم انصهروا بصمتٍ في الظلال، متلاشين في متاهات الأزقة السرية.
تردد ’أدريانيسا‘ برهة، ثم أومأ برأسه واستدار مع رجاله.
أخيراً، تنفس ’جلوف‘ و’كوهين‘ الصعداء.
تلاشى ذلك الحشد المهيب في الزقاق في لمح البصر، ولم يبقَ سوى قلةٍ قليلة.
“الزعيم ’موريس‘…” نظر ’أوشوك‘ إلى ’تاليس‘ بشيءٍ من الممانعة في عينيه. “ألا نزال ذاهبين إلى ’سوق الشارع الأحمر‘ اليوم؟”
لم يعره ’موريس‘ اهتماماً، وظلت نظرته مثبتة على الأمير ’تاليس‘ بتعبيرٍ يملؤه الفضول. كرر قوله: “تراجعوا.”
استنشق ’أوشوك‘ نفساً عميقاً وقال: “الزعيم ’موريس‘، بما أننا حشدنا بالفعل هذه القوة الكبيرة، ألا ينبغي أن نعود بشيء؟ يمكننا على الأقل القيام بجولةٍ في ’سوق الشارع الأحمر‘ ونرسل تحذيراً لأولئك ’العصابات الحمراء‘…”
رد ’موريس‘ ببطء، كأنه تذكر شيئاً فجأة، ولوح بيده بلامبالاة: “أوه، صحيح. هذه نقطةٌ جيدة. اذهب إذن؛ الأمر متروكٌ لك.”
توقف ’أوشوك‘، ناظراً إلى المجموعة الهزيلة خلفه بشيءٍ من التردد.
“ولكن يا زعيم، إذا أردنا ملاحقة ’عصابة زجاجة الدم‘، فنحن بحاجةٍ لمزيدٍ من الرجال. نحتاج إلى العدد. الزعيم ’رودا‘، هو…”
“أوه! ’رودا‘! صديقي القديم!” نقر ’موريس‘ ببطء على أذنه، كأنه عجوزٌ ثقيل السمع. “أهو هنا أيضاً؟”
زمّ ’أوشوك‘ شفتيه: “لا يا زعيم، ولكن—”
استحالت تعابير ’موريس‘ إلى التجهم: “إذن لماذا تضيع أنفاسك هباءً؟”
أدار الرجل البدين رأسه بلامبالاة، ونظرته تطفح بالبرود: “هل تصادف أنك ’رودا‘ أيضاً؟”
امتقع وجه ’أوشوك‘ على الفور.
ومع ذلك، سرعان ما قيم الموقف وقرر ألا يطيل الجدال. استدار بحزمٍ وقاد أتباعه بعيداً.
ما كان يوماً قوةً مهيبة لـ ’الأخوية‘ تضاءل الآن ليصبح ثلاثة أشخاصٍ فقط: ’موريس‘، و’لايورك‘، وتابعٌ آخر كان يمهد الطريق.
“حسناً إذن…” فرك ’موريس‘ يديه ببعضهما، وابتسامةٌ مبهجة تعلو وجهه وهو ينظر إلى ’تاليس‘. “صاحبنا الوسيم والجذاب…”
“لماذا؟” قاطعه ’تاليس‘، وصوته يخرق الصمت. “لماذا قلت إن هذا ’نبيلٌ حقيقي‘؟”
توقف ’موريس‘، وتراقصت عيناه في محجريهما.
“لأنني رأيت ذلك،” أجاب.
ضيق ’تاليس‘ عينيه.
أفلتت ضحكةٌ مكتومة من شفتي الرجل البدين الودود من ’الأخوية‘: “النبل الحقيقي لا يتعلق بمظهرك أو من أين أتيت. إنه يتعلق بشيءٍ يكمن في أعماق روحك وعظامك.”
خبت ابتسامة ’موريس‘ قليلاً، وحل محلها بريقٌ في عينيه الصغيرتين. “حتى لو علقوا في الوحل، أو وُلدوا في وضاعة، أو جُرّدوا من كل شيء…”
“فإن قدرهم أن يكونوا نبلاء.”
تأمل ’تاليس‘ في هذه الكلمات.
عبث ’موريس‘ بملابسه واقترب، مادا يده بطريقةٍ مهذبة. “حسناً، دعني أعرفك بنفسي. أنا ’موريس‘؛ بلا اسم عائلة،” ضحك بخفة. “مجرد وغدٍ عاميٍ من الشوارع.”
راقب ’تاليس‘ موقف الآخر وتملكته فجأةً عاصفةٌ من العواطف. ’الكثير يمكن أن يتغير في ست سنوات.‘
قرر الشاب ألا يطيل التفكير في الأمر ورد بابتسامة، مصافحاً أصابع ’موريس‘ المكتنزة. “أنا ’ويا كاسو‘،” صرح بذلك.
حافظ ’موريس‘ على ابتسامته المبهجة حتى نطق ’تاليس‘ بالكلمات التالية: “أنا مرافق أمير ’الكوكبة‘، أمثل لورد ’بحيرة النجوم‘ النبيل والموقر، المعروف بطيبته وحكمته، الأمير الثاني…” استحالت سحنة ’تاليس‘ إلى الجدية،
“سموّ الأمير، ’تاليس جاديستار‘.”
توقفت يد ’موريس‘ عن الحركة.
تبادل ’جلوف‘ و’كوهين‘ النظرات.
أمام نظرة ’تاليس‘ الهادئة والواثقة، بدا ’موريس‘ مرتبكاً بعض الشيء.
رمش بعينيه وتراجع خطوةً للوراء، بينما التقطت أذناه همساً من أحد رجاله.
بعد بضع ثوانٍ، استدار الرجل البدين، وتبدلت تعابيره في لمح البصر.
“أوه، أوه، إذن أنت مرافق الأمير، أليس كذلك؟!” قبض ’موريس‘ على يدي ’تاليس‘ مرةً أخرى، مصافحاً إياهما بحماس، ووجهه يطفح بالسرور.
“يا له من شرف!” هتف بذلك.
“الشرف لي أيضاً،” رد ’تاليس‘، تاركاً ’موريس‘ يصافح يده، وصوته يشوبه تنهد. “ربما لا يمكنك حتى تخيل…”
مال ’موريس‘ مقترباً، مصغياً بتمعن.
نظر الشاب إلى ’موريس‘ الودود أمامه، مفكراً بصدق: “منذ زمنٍ بعيد، لم أكن لأتخيل يوماً أنني سأكون هنا، أتحدث إليك بهذا الشكل،”
شد ’تاليس‘ على يد ’موريس‘ بقوة: “الزعيم ’موريس‘.”
بدت ابتسامة ’موريس‘ وكأنها تمتد لتصل إلى ما وراء أذنيه وهو يهز رأسه، مصدراً صوتاً لعوباً: “ يا الهـي ، أنت لطيفٌ للغاية…”
راقب ’جلوف‘ و’كوهين‘ كيف كانا يتصرفان باحترامٍ مبالغٍ فيه تجاه بعضهما البعض، وارتسمت على وجهيهما نظرة ازدراء.
“فقط ثمة شيءٌ صغيرٌ واحد…” تملق ’موريس‘ وضحك بمداعبة، مما جعل منحنًى طفيفاً يرتسم على شفتي ’تاليس‘.
“بصفتك ابن الكونت ’جيلبرت كاسو‘، ومرافق الأمير المنحدر من عائلةٍ عريقة، فإن السير ’ويا كاسو‘ يبلغ الرابعة والعشرين من عمره هذا العام،” تحدث ’موريس‘ بحماس، لكن كلماته جعلت وجه ’تاليس‘ يتغير فجأة.
“وهو بالتأكيد لا يشبهك بتاتاً.”
تصلبت تعابير ’تاليس‘.
“حسناً، على الأقل هو ليس بوسامتك وجاذبيتك!”
ربت ’موريس‘ ببهجةٍ على يد الشاب وانحنى انحناءةً خرقاء بارتباك، وعيناه تلمعان ببريقٍ ساطع:
“النبيل والموقر، تجسيد الطيبة والحكمة…”
“سموّ الأمير، ’تاليس‘؟”
إن أعجبتكم الترجمة، أتمنى منكم دعمي بالدعاء لأهلنا وإخواننا في فلسطين والسودان، جزاكم الله خيرًا.
RK
✨ عضوية مميزة في فضاء الروايات ✨
🚫📢 تخلّص من الإعلانات المزعجة
💖 استمتع بتجربة قراءة سلسة ومميزات حصرية مقابل مبلغ رمزي
📌 ملاحظة: أرسل اسمك في الموقع عند الدفع ليتم تفعيل العضوية ✅
جميع ما يتم ترجمته في الفصول منسوب إلى المؤلفين، ونحن بريئون من أي معانٍ تخالف العقيدة أو معانٍ كفرية وشركية.
هذا مجرد محتوى ترفيهي فلا تدعه يؤثر عليك أو يلهيك عن دينك.
استغفر اللـه وأتوب إليه.
السَّامِيّة"/>