سلالة المملكة - الفصل 589
📏 حجم الخط
✍️ نوع الخط
🎨 الخلفية
🖥️ عرض النص
دعم سلالة المملكة لزيادة تنزيل الفصول :
سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم
الفصل 589: وحش الغيرة
الآرك: لعنة المحنة الملكية
ترجل ’تاليس‘ من العربة، واطئتًا قدماه زقاقًا منزويًا لم يجرؤ إلا النزر اليسير على ارتياده، وقد تسربل بعباءته الفضفاضة، بينما وقف عن يمينه وشماله كل من ’كومودور‘ و’غلوفر‘ وهما يرتديان أسمالًا مماثلة.
بدا الرجلان على حذرٍ شديد، تزيغ أبصارهما بريبة وتحوط، كأنهما غاوِيَان يفرّان من شركائهما إخفاءً لمآربهما الدنيئة.
تولى ’غلوفر‘ الزمام، يقود الفئة الصغيرة بمهارة عبر مدخلين وسلسلة من الممرات والنوافذ المتعرجة، يتفادى ببراعة العوائق من أعمدة الغسيل ونضح مياه الصرف، حتى انتهى بهم المطاف إلى الباب الخلفي لبناءٍ ضخمٍ يلفه الغموض.
كان الدرب الذي سلكوه وعرًا دنسًا، يغص بالحفر والنتوءات، وقد صادفوا في طريقهم بضعة متسولين حذرين، مما بعث في نفس ’تاليس‘ حنينًا عابرًا استدعى ذكريات طفولته الخالية.
“أشعر بشيء من الغثيان… أعلم أننا هنا للتواري عن الأنظار فحسب،” أطلق ’كومودور‘ أنينًا منخفضًا وهو يتحسس برفق موضع جبهته الذي ارتطم بالنافذة، ثم رفع حاجب الريبة نحو الباب الخشبي الماثل أمامهم.
“ولكن أين نحن بالضبط؟ أرجو من ’السامين‘ ألا يكون هذا المكان وكرًا مريبًا أو غير قانوني.”
كان من الجلي أن ضابط الشرطة السابق، الذي اعتاد خدمة علية القوم، لم يجد راحته في مثل هذا المقام.
’إن مصطلحات “القانونية” و”اللاقانونية” لا تجد لها موضعًا هنا،‘ ضحك ’تاليس‘ في سره، ’ففي الحقيقة، يكاد كل عمل مشروع في “سوق الشارع الأحمر” لا يخلو من شائبة، بينما يتدثر كل عمل غير قانوني بكساء من الشرعية.‘
أحكم ’غلوفر‘ غطاء رأسه وهز رأسه نحوهما، ثم فتح الباب الخلفي الرث بمرانٍ معهود قائلاً: “هذا نادٍ عريق وله واجهة معتبرة، وإنما دخلنا من باب الخفاء.” ثم أزاح الستار القرمزي الداكن وأدخلهم.
وما إن ولج ’تاليس‘ و’كومودور‘ الداخل، حتى بهرا بالتباين الصارخ مع الزقاق الضيق؛ فقد ازدان كل شيء بألوان دافئة تتماشى مع الإضاءة الخافتة، وعبق الجو بعطرٍ يبعث السكينة في الأنفس، وازدانت الجدران بمنسوجات ولوحات فاخرة، وتدلت من الردهات ستائر حريرية شفافة، وصنع كل شيء بذوقٍ رفيع وتدبيرٍ محكم.
بيد أن جوًا غريبًا كان يطبق على المكان، وبفضل حواسه التي تشبه جحيم ’نهر الجحيم‘، استطاع ’تاليس‘ سماع قهقهات خافتة لرجل وامرأة في إحدى الغرف.
أخفى ’غلوفر‘ وجهه تحت عباءته ولم يلقِ بالًا لجارية حسناء بثيابٍ كاشفة مرت بهم حاملةً صينية شراب، واقتادهم إلى ردهة في الطابق الأول تكتظ بغرفٍ متلاصقة بعد صعود درج خشبي يئن تحت الأقدام.
“أوه، يبدو هذا المكان مألوفًا لي…” قال ’كومودور‘ وهو يحك رأسه متفكرًا.
صدح رنين جرس عذب فوق رؤوسهم، مما جعل الثلاثة يرمقون الأعلى بأبصارهم.
هناك وقفت شابة ممشوقة القوام، فائقة الجمال، تتلفع بأقمشة رقيقة، منسدلة الشعر، ذات عينين ساحرتين وحاجبين كأنهما نونا القلم.
كانت تجلس بدلال على درج الطابق الثاني، تبتسم لهم وهي تهز قدميها الحافيتين ببراءة لعوب.
وبوثبة رشيقة، هبطت الفتاة الدرجات، وجلاجل خلخالها تنشر رنينًا مبهجًا.
“أهلًا بكم في ’نادي لايا‘!”
ولكن ما إن نطقت بـ “هي”، حتى جفل الثلاثة في دهشة جلية.
استنتج ’تاليس‘ بسرعة من ذلك الصوت الذي يجمع بين الخشونة والنعومة أن المتحدث ليس امرأة، بل هو شاب وسيم، بض غض الإهاب، ملامحه من الرقة بحيث يستعصي تمييز جنسه.
كان يرتدي رداءً خفيفًا ولفافة من نسيج شفاف حول عنقه وخصره، يتحرك بوقارٍ وتؤدة تزرع الألفة في القلوب.
“آه، من الواضح تمامًا أنكم ضيوفٌ مبجلون،” قال الشاب الودود مبتسمًا بخجل، “بما أنكم استطعتم الولوج من ذلك الباب. اسمي ’سيسي‘، ويشرفني بعمق أن أخدمكم بصدقٍ تام!”
وبدلالٍ غريبٍ وآسر، نفض شعره للخلف.
نظر ’غلوفر‘ حوله قبل أن يرفع حاجبه متسائلًا: “أين العمة ’إيلي‘؟”
طاف ’سيسي‘، الشاب اللعوب، حول الجماعة وقال بغمزةٍ ماكرة وهزةٍ غنجة لخصره: “واأسفاه، لقد فارقت الحياة قبل بضعة أسابيع، ولكن لا تقلقوا، لم تكن ميتتها بمرضٍ خبيث، فنحن منشأة شرعية تخضع لفحوصات طبية دورية!”
اربدّ وجه ’غلوفر‘ ووقر فيه الجد.
وبعد أن ألقى ’كومودور‘ نظرة سريعة على الأمير وزميله، أدرك أن عليه تولي الحديث، فتنحنح وتقدم قائلًا:
“حم، نود البقاء بعيدًا عن الأنظار.”
وبحركة متكررة، أخرج حفنة من العملات النحاسية ووضعها في يد ’سيسي‘.
اختفت العملات كأنها لم تكن، وقال ’سيسي‘ متهللًا: “أمركم مقضي! لن تكون هناك مشكلة في ذلك بما أن السادة الثلاثة الموقرين دخلوا من الباب الخلفي.”
لاحظ ’تاليس‘ أن صوت الطرف الآخر له جودة مميزة وأنيقة، يخلو من التصنع، بل يبدو عفويًا وطبيعيًا، وفي لحظة عابرة، بدا جنسه مبهمًا، خاصة مع تلك الرشاقة الشبابية في حركاته وسكناته.
“إذًا، أي نوع من الخدمات ترغبون؟ ولكم من الأشخاص؟”
استرعى ’تاليس‘، الذي بدا الأقل شأنًا في المجموعة، انتباه ’سيسي‘ الذي توقف عن المسير وعبث بطرف نسيج شفاف.
“آه، نحن منشأة ذائعة الصيت ومرموقة! نلبي كافة الخيالات، من تبادل الأدوار إلى القيود والهيمنة والمجون، وكل ما تشتهيه أنفسكم. وبالحديث عن أهل الشمال الذين نالوا حظوةً مؤخرًا في العاصمة… فقد استقبلنا لتوّنا دفعة جديدة من الفتيات والفتيان.”
ابتلع ’كومودور‘ ريقه بتوتر والتفت إلى ’تاليس‘ بملامح مضطربة: “في الحقيقة، نحتاج فقط لمكانٍ نستريح فيه…”
ولكن قبل أن ينبس ببنت شفة، دفعه ’غلوفر‘ جانبًا وتقدم بخطى ثابتة، وكان نبر صوته باردًا ووجهه خاليًا من التعبير: “نحن ثلاثة،” قال باقتضاب، “ونرغب في خدمات ’ليليان‘.”
تقدم ’الزومبي‘ خطوة ووقف حائلًا أمام ’تاليس‘ بوضعية الحماية.
“خدمات الآنسة ’ليليان‘ لثلاثة؟” تفكر الشاب الجميل وهو يقف على أطراف أصابعه وينقر بسبابته على خده، ولم تزدد تلك الحركة إلا براءةً وتحببًا. رمق ’كومودور‘ القصير الممتلئ، و’تاليس‘ المطأطئ (بينما كان ’غلوفر‘ يحجب الأمير مرة أخرى)، وشد وشاحه بتفكر.
“حسنًا… لعلكم بحاجة لمزيدٍ من الجواري أو الغلمان؟”
احمر وجنتا ’سيسي‘ قليلًا، ومع رفرفة خجولة لأهدابه، اقترح قائلًا: “تعلمون، يمكنني أنا أيضًا أن…”
“لا،” قاطعه ’غلوفر‘ بفظاظة، مانعًا ’سيسي‘ من استعراض عنقه البض سواء كان ذلك بعمدٍ أو بغير عمد، “فقط ’ليليان‘.”
وعندما أدرك ’سيسي‘ أن الطرف الآخر لا رغبة له في عرضه المغري، تسرّبت الخيبة إلى نفسه. “حسنًا، كما ترون، الآنسة ’ليليان‘ هي درة تاجنا،” قال وهو يحول بصره بسرعة ويناور بجسده ليقترب من أمام ’تاليس‘. “إنها مشغولة الآن، ولكن يمكنني تقديمكم إلى ’أوليفيا‘ أو ’كوزيت‘ بدلًا منها…”
بيد أن ’غلوفر‘ أمسك بـ ’سيسي‘ بقوة، مانعًا إياه من الدنو من ’تاليس‘، فأطلق ’سيسي‘ أنينًا خفيفًا وهو يدافع معصم ’غلوفر‘ القوي، وعيناه تعكسان شذى من الحنق.
تصلبت تعابير ’الزومبي‘، وأرخى يده عن ’سيسي‘ بحركة آلية، وقال بنبرة باردة وموزونة: “ربما مضى زمنٌ على آخر زيارة لي، ولكني خبيرٌ بالقواعد.”
“قدنا إلى ’ليليان‘،” أمر ’غلوفر‘، “وإلا اضطررنا لاستشارة ’الأم لايا‘ لمعرفة رأيها.”
بدا ’سيسي‘ منكسر الخاطر وهو يتحدث: “حسنًا، حسنًا. إذا كنتم قد عقدتم العزم على ’ليليان‘، فلتكن هي. لا داعي لهذه الغلظة وإقحام ’الأم لايا‘ عند أول بادرة…”
ثم استطرد ’سيسي‘ قائلًا: “بالمناسبة، كيف أناديكم؟”
“ليس من شأنك،” بدأ ’غلوفر‘ بالرفض، ولكن ’تاليس‘ وكزه بخفة في خصره.
تنحنح ’تاليس‘ من تحت عباءته، وتقدم ليقف بجانب ’غلوفر‘ قائلًا: “رافائيل،”
“إنه ’رافائيل ليندبرغ‘.”
تبادل ’كومودور‘ و’غلوفر‘ النظرات.
رفع ’سيسي‘ حاجبيه وحدق في ’تاليس‘ الذي لم يظهر منه سوى النصف السفلي من وجهه. وفجأة، اقترب منه وابتسم بمكر، وعطره يلف ’تاليس‘: “وماذا عنك أيها الشاب الموقر؟”
تراجع ’تاليس‘ خطوة، وقد جفل قليلًا من دنوّ ’سيسي‘، قبل أن يجيب: “حم… ’ويا‘، اسمي هو ’ويا‘.”
شرد بصر ’سيسي‘ في الأفق، وانفرجت شفتاه قليلًا وهو يردد الاسم همسًا.
“خاطبني أنا بدلًا منه،” وضع ’غلوفر‘ نفسه بينهما بنبرة متصلبة. “أخي… الصغير لا يزال غض الإهاب؛ فابتعد عنه.”
ظل يرقب الشاب الجميل بعين الحذر.
أما ’سيسي‘، فقد عبس ورمق ذلك القوام الفارغ الذي يحجب ’تاليس‘ بنظرة حنق.
“لا بأس يا ’رافائيل‘،” ابتسم ’تاليس‘ وأشار بهدوء للحارس المنطوي بالتراجع. “كن هيّنًا ولينًا فحسب.”
أطلق الأمير لـ ’سيسي‘ ابتسامة رقيقة: “لا تبتئس منه، هكذا هو دأب أخي.”
اتسعت ابتسامة ’سيسي‘ لمبادرة ’تاليس‘ الودية. “حسنًا يا ’ويا‘،” قال ببريق مبهج في عينيه. “سأتجاوز عما سلف من أجلك…”
رسم الفتى الغلامي وجه “قبلة” لعوب لـ ’تاليس‘ بينما كان ’غلوفر‘ منشغلًا، ثم دار على عقبه برنينٍ حادٍ لأجراسه قائلًا: “إذًا، تريدون رؤية الآنسة ’ليليان‘؟ حسنًا، اتبعوني.”
أومأ ’تاليس‘ خفيةً لرفيقيه المضطربين، فتبعوا ’سيسي‘ الذي كان يقود الطريق. ومعًا، ساروا عبر تجمعات الستائر ودخلوا ردهة كئيبة نوعًا ما.
وبينما كان يرقب القوام الرشيق لـ ’سيسي‘ أمامه، لم يتمكن ’تاليس‘ من منع نفسه من سماع همس ’كومودور‘ من خلفه: “تبًا، هذا الفتى أجمل من الفتيات.”
“إنه ليس فتى،” همس ’غلوفر‘ في المقابل، ويقظته لم تفتر قط. “إنه خصي.”
فزع ’كومودور‘ قائلًا:
“ماذا؟”
جذب ’غلوفر‘ ’كومودور‘ إليه، وصوته خفيض وهو ينقل إليه خبرته.
“إنهم يخضعون لاختيار وتدريبٍ صارم،” قال بصوتٍ يكاد لا يُسمع. “في سنٍ مبكرة، يتم إخصاؤهم لإزالة الخصائص الذكورية مثل تفاحة آدم، وشعر الجسد الزائد، والعضلات المفتولة، وعظام الحوض العريضة، وما إلى ذلك. كل ذلك من أجل دخول البلاط وخدمة النبلاء.”
دُهش ’تاليس‘ بدوره، وتقطب جبينه وهو يرقب قوام ’سيسي‘ النحيل يقودهم عبر الردهة.
أما ’كومودور‘، فقد كان لا يزال تحت وطأة الكشف. “أنا… كنت أعلم أن الإخصاء كان يمارس في العصور الخوالي،” قال وصوته ينم عن عدم التصديق. “ولكني كنت أحسب… كنت أحسبه أثرًا من غابر الأزمان.”
“لم نعد نفعل ذلك هنا حقًا،” أجاب ’غلوفر‘ بجفاء، “فقد بطل هذا الصنيع منذ عهد الإمبراطورية. أما الآن، فأمثال هؤلاء يُجلبون غالبًا عبر البحر من شبه الجزيرة الشرقية أو جزر الغرب النائية.”
لم تبدُ على ’كومودور‘ علامات الاكتفاء، واستمر في السؤال بصوتٍ هامس.
خصي.
طأطأ ’تاليس‘ رأسه، غارقًا في فكرٍ عميق، حتى تغلغل عطرٌ طيب في انفه.
“كم تبلغ من العمر؟”
جفل عندما شعر بضغط خفيف على ذراعه، ورفع رأسه ليرى أن ’سيسي‘ قد تسلل بجانبه.
“ماذا؟”
ضحك ’سيسي‘، ويده تنكز كتف ’تاليس‘ بلعب. “لقد رأيت صنفك من قبل،” قال، “إخوة كبار مستهترون يجرون إخوتهم الأصغر لـ “قضاء وقت ممتع”…”
شعر ’تاليس‘ بغصة من الحرج، واختلج حاجبه ردًا على تلك الكلمات.
“ولكن في مثل سنك، لن تأخذك السيدات على محمل الجد. فإما أن يداعبنك ويغازلنك، أو يمتصصن ما عندك— محفظتك وجسدك معًا.”
احتضن ’سيسي‘ يده ووضع رأسه على كتفه. “لمَ لا آخذك لتناول شرابٍ والتنزه قليلًا؟” عرض عليه. “وعندما ينتهي أخواك، يمكنك الانضمام إليهما مجددًا.”
شعر ’تاليس‘ بنعومة جسد ’سيسي‘ وبنسمة عطره الفواحة، فتصلب جسده وهو يغالب رغبته في دفعه بعيدًا.
“أنا… لا أستطيع…” تمتم قائلًا.
“دعني أفضي إليك بسر،” همس ’سيسي‘، وهو يزيح غطاء الرأس برفق عن أذن ’تاليس‘، فدغدغت حرارة أنفاسه شحمة أذنه.
“الحقيقة هي أن ذلك الأمر بين الرجال والنساء… ليس بالروعة التي يصورونها.”
’ماذا؟‘
التفت ’تاليس‘ برأسه في تيبس.
غمز له ’سيسي‘ وأعطاه ابتسامة مشرقة.
“أنا جاد،” قال بصوتٍ رقيق كالسكر.
ألقى ’سيسي‘ نظرة ازدراء خلف كتفه.
“يهرع الرجال إلى هذا المكان،” لاحظ، وقبضته على ذراع ’تاليس‘ تشتد. “ولكن لا يغرنك ذلك؛ فهم لا يأتون إلى “سوق الشارع الأحمر” حبًا في المتعة أو الرغبة. إن السبب الوحيد لمغامرتهم في هذا المكان هو عجزهم عن إيجاد من يلبي حاجتهم في مكانٍ آخر.”
سخر ’سيسي‘، وقلب شفتيه بازدراء.
“أو أنهم يأتون هنا لإثبات أمرٍ ما، ليعبّوا من رغباتهم الدنيئة ويتلذذوا بغزواتهم، منتشين بمجد إنجازاتهم— تمامًا كما فعل أخوك حين أحضرك إلى هنا.”
رمش ’تاليس‘ بعينيه.
“لذا،” استطرد ’سيسي‘، ونظرته تزداد حدة وهو يثبت عينيه في عيني ’تاليس‘.
“ذلك الأمر،” قال، “ليس ممتعًا. خاصة عندما تضطر لفعله مع رجلين آخرين، حتى وإن كانا أخويك.”
ازداد تعبير ’تاليس‘ حرجًا فوق حرج.
ولم يتمكن الفتى الجميل من منع نفسه من الضحك على مظهره المحرج.
“كيف لك أن تعرف حال الرجل مع المرأة؟” حاول ’تاليس‘ التفكير في وسيلة للخلاص، وقال دون تفكير: “أنت لست…”
امتقع وجه ’سيسي‘، وطأطأ رأسه ليعض على شفته.
شعر ’تاليس‘ باليد التي كانت تمسكه ترتجف.
وإذ أدرك أن كلماته قد مست وترًا حساسًا، قال بسرعة: “أنا آسف. لم أقصد الإساءة إليك…”
ولكن ’سيسي‘ رفع رأسه فجأة، وعلى شفتيه ابتسامة واهنة. “أعلم أنك لم تقصد ذلك،” قال برقة، وبريق من المكر في عينيه. “أنت لست مثلهم.”
توقف ’سيسي‘ لبرهة، ثم دنا أكثر من ’تاليس‘ وهمس في أذنه بثقة: “على أية حال، لا زلت غض الإهاب.”
وقف ’تاليس‘ متجمدًا، وذراعه لا تزال أسيرة قبضة ’سيسي‘.
“ولكني أقول لك، المرة الأولى مع امرأة لا تعني شيئًا،” اقترب ’سيسي‘ أكثر، ولم يستطع ’تاليس‘ إلا أن يتنشق عطره. “المتعة الحقيقية هي في تجربتها مع رجل أو كائنٍ ليس برجل ولا امرأة!”
*( احد يمسك المعتوه دا)*
صمت ’تاليس‘ مرة أخرى، وملأت ضحكات ’سيسي‘ الماكرة الأجواء ردًا على ردة فعله.
ذلك الشاب، الذي فاق جماله أي جارية، لا يزال يمسك بيد ’تاليس‘، ويمرر أصبعه على ظهرها.
“تعلم،” قال وصوته منخفض ومغرٍ، “لو كنت مكانهما، لأريتك طرقًا شتى للمتعة لا تحلم بها أخواتي الكبيرات. إن جسدي قادرٌ على أشياء تتجاوز خيالك الجامح… ثق بي، ستبلغ من النشوة حدًا لا تعرف معه أين المشرق من المغرب.”
*( قررت ان أغلق مخيلتي لنهاية الفصل )*
كان صوت ’سيسي‘ يقطر غواية وهو يغمز لـ ’تاليس‘، محاولًا استدراجه، فظل ’تاليس‘ شاخص البصر، ووجنتاه تصطبغان بالحمرة.
صدح صوتٌ شق ذلك الجو المشحون، فقد انتبه ’غلوفر‘ أخيرًا لـ ’سيسي‘ وهو يلتصق بـ ’تاليس‘.
“هيه!” زأر قائلًا. “لقد أخبرتك بالفعل! ابتعد عن أخي!”
امتدت يد ’الزومبي‘ الضخمة وانتزعت ’تاليس‘ ليعيده إلى جانبه، وأشار بإصبع التحذير نحو ’سيسي‘ وهو يزمجر: “وإلا ستعرف طعم قبضتي عن قرب.”
رمق ’سيسي‘ ’الزومبي‘ بنظرة حنق قبل أن يحول اهتمامه لـ ’تاليس‘، والتوى وجهه بتعبيرٍ مفجع قبل أن ينخر ويشيح بوجهه بعيدًا.
ولكن هذه المرة، وبجانب هزة أردافه المتبخترة، فتح الفتى فاه مناديًا بصوتٍ عالٍ: “أوامر السيد ’رافائيل‘: ثلاثة أشخاص يطلبون خدمات الآنسة ’ليليان‘!”
امتقعت وجوه ’غلوفر‘ و’كومودور‘ من الفزع.
“لقد أخبرتك أننا لا نود لفت الأنظار إلينا!” هرع ’كومودور‘ ليلحق به، ولكن عند تفكره في هوية الطرف الآخر، ارتعشت يده وأسقطها جانباً.
نفخ ’سيسي‘ وهو يتبختر في الردهة، وهتف بلامبالاة: “أوه، معذرة! السيد ’رافائيل‘ لا يريد لفت الأنظار!”
كان ’غلوفر‘ يغلي غضبًا وهمّ بقول شيء، لكن ’تاليس‘ كبحه ليمنعه من مواجهة ’سيسي‘ مجددًا. “لا بأس،” قال ’تاليس‘ بابتسامة متكلفة. “يا ’سيسي‘، فقط قدنا إلى الطريق.”
سعل ’كومودور‘ وكف بحكمة عن إثارة الخصي النزق، والتفت إلى ’غلوفر‘ وتحدث بصوتٍ خفيض:
“تعلم، ربما يجدر بك يا سيدي أن تكون أكثر رفقًا بهم…”
رمقه ’غلوفر‘ بنظرة غاضبة.
جفل الجميع عند سماع صوت باب يُفتح فجأة، وقبل أن يبدي أحدٌ رد فعل، امتدت يد وقبضت على كتف ’سيسي‘ بقوة. أطلق ’سيسي‘ شهقة فزعة، إن لم تكن مسرحية، وارتجف؛ وغاض اللون من وجهه.
وفي الضوء القاتم، برز أمامهم رجلٌ مفتول العضلات ذو هالة مخيفة، مزيحًا الستائر.
كان وجه الرجل محجوبًا في الظلمة تحت عباءة بسيطة غير متكلفة، يبدو كأي زبونٍ آخر يبتغي لذةً محرمة، يختلط بالثلاثة الذين أمامه. رعد صوته الأجش بالوعيد وهو يقول: “هل هؤلاء… يبتغون ’ليليان‘؟”
عند رؤية عائق في طريقهم، قطب كل من ’غلوفر‘ و’كومودور‘ جبينيهما وتقدما ليقفا أمام ’تاليس‘.
“مهلًا يا سيد! كدت تسبب لي سكتة قلبية،” شهق ’سيسي‘ وهو يتنفس بعمق ليستجمع رباط جأشه، وانتهز الفرصة ليدلك العضلات المفتولة للرجل الواقف أمامه.
“هذا صحيح، كما ترى، هذا السيد ’رافائيل‘ وإخوته، قد صرحوا بأنهم يريدون الآنسة ’ليليان‘. ما الخطب؟”
أرخى الزبون الذي تحت العباءة قبضته وسار ببطء نحو جماعتهم، يتفرس في ’غلوفر‘، قائدهم، في الضوء الخافت. طأطأ ’الزومبي‘ رأسه غريزيًا، مخفيًا وجهه عن الأنظار.
“إذًا، أنتم الثلاثة المختبئون خلف أغطية رؤوسكم. تريدون أن تؤانسكم ’ليليان‘، يا ’رافائيل‘… أليس كذلك؟”
تفحص الزبون القوي قوامهم، ثم بابتسامة ساخرة، حول نظره نحو ’تاليس‘ الواقف خلفهم. “دعني أحزر، أنتم حراس، خرجتم مع سيدٍ شاب في ليلة لهو؟”
أطلق ’غلوفر‘ نخرة باردة: “ليس هذا من شأنك اللعين.”
وعند سماع تلك النبرة الهجومية، اتخذ صوت الزبون حدةً جديدة: “يا لك من خبير… هل يعني هذا أنك أتيت لرؤية ’ليليان‘ من قبل؟”
تردد ’غلوفر‘ لبرهة، ورمق ’تاليس‘ قبل أن يجيب: “نعم، وماذا في ذلك؟”
سخر الزبون، والتوت شفته السفلى في انحناءة ازدرائية لم تخفها عباءته. “حسنًا إذًا،” قال.
“سأدفع الضعف.” وأخرج الزبون كيسًا ثقيلاً من العملات ووضعه باستهتار في يد ’سيسي‘. “حتى المساء، ’ليليان‘ لي وحدي.”
التوت ملامح ’غلوفر‘ غضبًا.
تبادل ’تاليس‘ و’كومودور‘ نظرة ثقيلة وهما يرقبان الكيس الوازن، وصمتهما مشوبٌ بالاستسلام.
وزن ’سيسي‘ الكيس، ونظر بداخله، فتهلل وجهه بالبشر.
“شكرًا جزيلاً يا زعيم! أنت جنتلمان حقًا!”
رفع الفتى إبهامه، مستفزًا ’غلوفر‘ بنظرة تحدٍ قبل أن يقترب بسرعة من الزبون الجديد.
“ممتاز، يا أيها الزعيم الذي يدفع الضعف، تفضل باتباعي. نحن نرحب بالزبائن أمثالك، الجسورين والكرماء…”
ولدهشة الجميع، رفع ’غلوفر‘ رأسه فجأة وأمسك بذراع ’سيسي‘، مانعًا إياه من الرحيل.
“أأنت مهتمٌ بـ ’ليليان‘ أيضًا؟” سأل ’الزومبي‘ بصوتٍ بارد ورتيب.
“نعم،” سخر الرجل الضخم. “ومن الآن وحتى حلول الليل، أخشى أنها لن تجد وقتًا لتمنحه لك.”
صمت ’غلوفر‘ لبرهة.
تنحنح ’كومودور‘: “حم، ربما يجدر بنا تجربة بعض الـ—”
“ثلاثة أضعاف!” لم يلقِ ’غلوفر‘ لـ ’كومودور‘ بالًا… وبغضبٍ غليان في داخله، مد يده لكيس عملاته الخاص وقذفه نحو ’سيسي‘. “سندفع ثلاثة أضعاف! وأنت، انصرف من هنا.”
عند ذلك، بهت كل من ’تاليس‘ و’كومودور‘.
“حم، ’رافائيل‘؟” تردد ’كومودور‘ وربت على كتف ’غلوفر‘. “أعتقد أنه من الأفضل ألا…”
“ يا الهـي ، يا لهذا السخاء! أيها الزعيم، أنت أكثر سخاءً!”
رفع ’سيسي‘ كيسي العملات ورمش بعينيه في ذهولٍ مبهج. وهرع لجانب الرجال الثلاثة ورمق الزبون المتلفع بالعباءة بنظرة، وأكتافه تنحني استسلامًا.
“حسنًا يا أيها الزبون العزيز، بما أن السيد ’رافائيل‘ قال ذلك، فلا أحسب أن لي خيارًا…”
“ثلاثة أضعاف؟”
أطلق الزبون تحت العباءة ضحكة باردة وتقدم قائلًا: “ماذا، أتحسب نفسك شأنًا عظيمًا لمجرد أنك تملك المال؟”
قبض ’غلوفر‘ على يده وأطلق نخرة غاضبة. اقترب منه الرجل الضخم، وكان يضاهيه طولًا.
“أتعرف من أنا؟” زمجر الرجل بصوتٍ منخفض ومتوعد. “أتعرف أني بفرقعة من أصابعي، أستطيع أن ألقي بك في غياهب السجن لتلبث فيه حتى الأسبوع القادم؟”
لم يتزحزح ’غلوفر‘، وظل واقفًا بصلابة، وتعبير وجهه كالثلج. “’ليليان‘ لي— وانتهى الأمر.”
وفي الضوء الشحيح للردهة، تبادل ’غلوفر‘ وخصمه نظرات حادة، كل رجلٍ حبيس معركة صامتة للإرادات.
“حسنًا جدًا،” قال الزبون، وهو ينقر بلسانه ويخفض صوته إلى همسٍ خشن وهو يخرج ورقة نقدية. “سأعرض عليك أربعة أضعاف الثمن— وإن لم يكن ذلك كافيًا، فسأزيد. من الآن فصاعدًا، ’ليليان‘ ملكي وحدي.”
ارتفع حاجبا ’سيسي‘، ولكن قبل أن يتمكن حتى من حساب حصته المحتملة من الصفقة، قاطعه ’غلوفر‘ مرة أخرى.
“أي مبلغ لن يجدي نفعًا،” تقدم ’الزومبي‘ خطوة أخرى، حتى كادت جبهته تلامس جبهة الزبون، وكلماته تقطر وعيدًا يقشعر له البدن.
“أنت. اغرب. عن. وجهي.”
“’ليليان‘ لي، ولي وحدي.”
كان صوت الرجل الضخم يفيض حنقًا. “ألديك الجرأة لتقولها ثانية؟”
لم يرتجف ’غلوفر‘. “قلت،” كرر قوله، ونبرته ثابتة لا تلين. “اغرب عن وجهي لعينًا.”
لم يرَ ’تاليس‘ هذا الجانب من ’غلوفر‘ قط، فتبادل مع ’كومودور‘ نظرة قلقة قبل أن يتقدم بخطوة مترددة.
“غلو— رافائيل! لا يمكننا فعل هذا…” بدأ قوله، ولكن ’غلوفر‘ كان غارقًا في غضبه لدرجة تمنعه من سماعه.
رفع ’سيسي‘، الذي شهد نصيبه من النزاعات التي تحركها الغيرة بين الضيوف، صوته آملًا في جذب مزيد من العون. “هيه، هيه، هذا… حم، السيد ’ليندبرغ‘؟ لا يسعك الحديث هكذا. لنادي ’لايا‘ قواعد، وكل الضيوف مرحب بهم…”
ولكن قبل أن ينبس ’سيسي‘ بمزيدٍ من القول، قاطعه الرجل الضخم: “انتظر.”
رفع الزبون رأسه، كاشفًا عن فكٍ حادٍ منحوت، وتحدث بنبرة باردة: “ماذا قلت أن اسمك هو؟ ’ليندبرغ‘؟”
التوت شفتا ’غلوفر‘ في ضحكة ازدرائية. “رافائيل،” قال، وصوته مشوبٌ بحدة خطيرة. “’رافائيل ليندبرغ‘.”
“ماذا، ألديك مشكلة في ذلك؟”
أدار الزبون رأسه بحركة بطيئة ومدروسة، ومزاجه يتبدل معها.
“ليس على الإطلاق،” قال بنعومة، ولكن نبرته كانت غير مستساغة.
“فقط، صدف أن شخصًا بهذا الاسم يعمل لدى الشرطة…” استمر الرجل المتلفع بالعباءة، وهو يفك مشبك عباءته بتكاسل بينما يتحدث، وأصابعه تصدر سلسلة من الفرقعات الحادة. “وصدف أيضًا أنه يحمل ضغينة ضدي.”
ازدادت نظرة ’غلوفر‘ حدة، وتشنجت تعابير وجهه التي كانت غامضة عادةً إلى عبوسٍ شرس وضارٍ.
“جيد،” هسّ من بين أسنانه المحتقنة، وقبضتاه تشتدان وترتخيان في إيقاعٍ سريع ومضطرب. “سأساعدهم في تسويتها.”
وبينما بدأ كلا الرجلين في التحرك، تراجع ’سيسي‘ بذكاء خطوة للخلف، واضعًا مسافة بينه وبين الشجار الذي يلوح في الأفق.
كانت صرخاتهم قد اخترقت سكون الردهة، مما جعل الأبواب تئن وهي تُفتح واحدًا تلو الآخر، كاشفة عن رؤوس فضولية تطل من الشقوق. كانت معظم الوجوه تعود لجواري حسان بثيابٍ كاشفة، وعيونهن تلمع توقًا لمشاهدة النزاع المحتدم.
“واهاً، أهو بسبب ’ليليان‘ مجدداً؟”
“أجل، فكونها الخيار الأول له مزاياه…”
“من قال لهن أن يكنّ من يتولين مهام ’الأم‘…”
“لابد أنه ’سيسي‘ يثير المتاعب ثانية…”
“أهم من النبلاء؟ من أولئك الأغنياء والمتنفذين الذين يسعهم إعالتي؟”
“آه، كلاهما من صنفِي المفضل؛ أيمكنني الحصول عليهما معاً…؟”
“تؤ تؤ، انظري لذلك الكيس؛ لابد أنه يحوي ثلاثين قطعة ذهبية على الأقل…”
“آه، هذه تسلية إضافية!”
“أراهن على الذي على اليسار ليفوز…”
وفي خضم الهمسات الخافتة، نظر ’تاليس‘ و’كومودور‘ حولهما، مستشعرين خطرًا يلوح في الأفق.
قبض ’كومودور‘ على كتف ’غلوفر‘، فلم يلقَ منه إلا نفضة استهجان.
قطع صوت ’غلوفر‘ السكون كأنه سكين، باردًا وحادًا كالثلج. “تراجعا كلاهما. أعطوني ثلاثين ثانية.”
“لن يستغرق الأمر كل ذلك الوقت،” قال الرجل المتلفع بالعباءة بهزة رأس عابرة. “عشر ثوانٍ ستفي بالغرض.”
فتح ’تاليس‘ فاه ليتحدث، ولكن قبل أن ينطق بكلمة، انهار الجو المشحون بالحركات الفجائية والانفجارية للرجل الضخم و’غلوفر‘. وبضربة مدوية، أدى اصطدامهما إلى هبوب ريحٍ قوية في كل الاتجاهات بينما اشتبكت أيديهما في استعراضٍ وحشي للقوة.
اعترض الرجل المتلفع بالعباءة قبضة ’غلوفر‘ براحته ببراعة، وحركاته كانت سريعة وسلسة، وقطب الطرفان جبينيهما وهما يقدران مهارات بعضهما البعض.
غلى ’كومودور‘ غضبًا وهو ينجح بالكاد في جذب ’تاليس‘ بعيدًا عن طريق الأذى، متمتمًا بلعنة تحت أنفاسه: “تبًا…”
“يبدو أنك تملك بعض المهارة،” لاحظ الرجل الضخم. وشعر بقوة قبضة ’غلوفر‘، وذراعه ترتجف قليلًا من جهد اشتباكهما. “أخضعت لتدريبٍ ما؟”
تشنج تعبير ’غلوفر‘ إلى زمجرة وهو يكز على أسنانه. “الكثير،” نفث قائلًا، “في فراش والدتك.”
تبدلت نظرات الرجل الضخم، وتراجعت قبضتاهما للحظة قبل أن تصطدما مجددًا بارتطامٍ يكسر العظام.
كانت تلك هي المرة الأولى التي يشهد فيها ’تاليس‘ ’غلوفر‘ في خضم قتال. وبوصفه من “الطليعيين”، كان أسلوب ’غلوفر‘ القتالي يركز بشدة على الهجوم—وحشيًا، مباشرًا، ومفعمًا بقوة هائلة. لكماته، المليئة بـ “قوة الإبادة” الخاصة به، أثارت ريحًا عاتية، كافية لتجميد الدماء في العروق.
بيد أنه كان من الجلي أن خصمه لم يكن صيدًا سهلًا هو الآخر؛ فقد واجه الزبون المتلفع هجومًا غاشمًا ومستمرًا، ومع ذلك لم يتضعضع أو يفر. بل ثبت في مكانه وتبادل الضربات، مثبتًا أنه كفءٌ للهجوم الضاري لخصمه.
أطلق كلا المقاتلين عنان قوتهما الكاملة، يمطران بعضهما البعض باللكمات بتهور، غير آبهين بما يصيب جسديهما. بدا الأمر وكأنهما عقدا العزم على القتال حتى الرمق الأخير، مهما كان الثمن.
حجب ’كومودور‘ ’تاليس‘، ووجهه ينم عن القلق. “هذا سيء. إنه أيضًا من ’السادة‘ ويمتلك قوة إبادة هجومية ثقيلة،” قال قلقًا. “كيف سينتهي هذا…”
شعر ’تاليس‘ بصداعٍ حادٍ يداهمه. لم يأتوا إلا للتخاري من “الأخوية”، ولكنه لم يتخيل أبدًا أن ’غلوفر‘، الذي كان عادةً رزينًا ومنطويًا، سيفقد أعصابه بسبب الغيرة ويبدأ شجارًا.
لم يكن العراك بين الرجلين الضخمين خفيًا على أحد، وراقب الحضور خلف الأبواب المصطفة في الردهة المشهد بتلهف، وهم يدلون بملاحظاتهم وانتقاداتهم بين الفينة والأخرى.
“يا ’للسامين‘! لقد بدأوا القتال ثانية! هلمّوا وانظروا!”
“ماذا عن ’عصابة زجاجة الدم‘؟ أيكتفون بجمع “الإيجار” ويغضون الطرف عن هذا؟”
“’تينك‘! ’تينك‘، أين أنت؟ عليك حفظ النظام هنا!”
“ستصاب ’الأم‘ بصداعٍ آخر من كل هذا…”
“أوه لا، تلك ستارتي المفضلة… أرجوكم لا تفسدوها!”
لاقت قبضة ’غلوفر‘ جسد الطرف الآخر بضربة مكتومة، واشتبك الجسدان في تشابكٍ للأطراف. وبقبضة شرسة على ذراع خصمه، دفع ’غلوفر‘ خصمه نحو الجدار، وأسنانه محتقنة غضبًا.
“’ليليان‘ لي،” زمجر قائلًا، وكلماته مشددة بصوت ارتطام أجسادهم بالجدار، “أنت، ابقَ بعيدًا عنها.”
دفع الرجل المتلفع للخلف، مستخدمًا وزنه لإجبار ’غلوفر‘ على عبور الردهة.
“ها! أأنت من أولئك الصبية النبلاء الذين يأتون لرؤية ’ليليان‘؟ أنت لست أهلاً لمسح حذائها،” سخر الزبون.
سدد ’غلوفر‘ لكمة “خطافية” قوية، مرسلاً الرجل الآخر يترنح للخلف بشهقة حادة.
زمجر قائلًا: “أنت. غير. مسموح. لك. بالدنوّ. منها. ثانية!”
بصق الزبون خيوطًا من الدم واندفع نحو ’غلوفر‘، مطيحًا به أرضًا بارتطامٍ شديد.
“هذا أمرٌ أقرره أنا،” تصارع الرجلان على الأرض، والزبون يغرس أصابعه بيأس في عنق ’غلوفر‘ بينما يقاوم الأخير، رافضًا أن يُخنق.
“’ليليان‘ حرة في خياراتها وتكون مع من تشاء…”
رد ’غلوفر‘ بحركة سريعة، مثبتًا خصمه تحته.
“لا تهذِ؛ فقط اغرب عن وجهي لعينًا—”
وللحظة قصيرة ولكن مكثفة، تبادل الرجلان الضربات بضراوة مطلقة، غارقين تمامًا في أتون المعركة. انتقلوا من تسديد اللكمات والركلات إلى المصارعة على الأرض، ومن الإمساك والتقييد إلى استعراض القوة البدنية الخام. رمق ’تاليس‘ المشهد بحاجبٍ مرفوع.
ومن جانبه، صفق ’كومودور‘ فخذه إحباطًا.
“تبًا، لن ينتهي هذا!” تمتم قائلًا.
التفت إلى ’تاليس‘، ملاحظًا تعبيره المضطرب، وقال: “يا صاحب السمو، أرجو أن تبقى في مكانك. سأذهب لفض هذا.”
اتجهت عينا ’تاليس‘ إلى الرجلين، اللذين يتبادلان الضربات بضراوة وهما حبيسا معركة محتدمة، وأبدى شكوكه قائلًا:
“أأنت متيقن؟”
نفض ’كومودور‘ عباءته بلامبالاة وأطلق ابتسامة واثقة:
“لا ضير. تعلم يا سيدي، حينما كنت أعمل في مركز شرطة المدينة الداخلية، شهدت نصيبي الوافر من نزاعات الغيرة أثناء حماية الصبية المدللين في نزهاتهم،” قال معلقًا.
لا يزال الشك يساور ’تاليس‘: “ولكن…”
فرقع ’كومودور‘ مفاصل أصابعه ببريق ثقة في عينيه:
“طالما استطعنا الفصل بينهما،” صرح قائلًا، “فهناك فرصة ليضعا حدًا لهذه المهزلة…”
همّ ’تاليس‘ بقول المزيد، ولكن ’كومودور‘ كان قد اندفع بالفعل إلى المعمعة، صائحًا: “ألم تكتفيا بعد؟!”
استعرض “الحامي” مهاراته في القتال القريب، مظهرًا نفس الحركات التي أبداها أثناء تدريبه مع ’تاليس‘. وبلكمة موقوتة هنا ونكزة هناك، نجح في الفصل بين ’غلوفر‘ وخصمه وأرسلهما كلاهما ليرتطما بالجدار.
وبينما يلهثان طلباً للأنفاس، تسلق المقاتلان أقدامهما.
أطلق ’كومودور‘ لـ ’تاليس‘ ابتسامة “لقد أحكمت السيطرة” وتحرك للتدخل قبل أن يواصل الرجلان قتالهما الأرعن. وبنفس الوقار والسلطة التي كان يتمتع بها في أيام مركز الشرطة، تحدث بصوتٍ مهيب.
“أصيخا السمع،” أمر قائلاً. “لا حاجة للقتال على امرأ—”
ولكن في رمشة عين، تبدل تعبير ’تاليس‘.
وانجلى المشهدُ أمام ناظريه كأنما يُعرضُ ببطءٍ شديد: ’غلوفر‘ ينهضُ على قدميه، يزأرُ زئيرًا محتدِمًا وهو يندفعُ نحو غريمه بلكمةٍ مدوية:
“يا حُثالة!”
أما الرجلُ المتلفعُ بالعباءة، والذي كان لا يزال يستندُ إلى الجدارِ مستجمعًا قواه، فقد استدار بتعبيرٍ شرسٍ ناضحٍ بالوعيد، رافعًا مِرفقهُ عاليًا:
“هلمَّ إليَّ!”
كان وقعُ الاصطدامِ ثقيلًا وعنيفًا لدرجةٍ خُيّلَ فيها أن الأرضَ تحت أقدامهم قد اهتزت واضطربت.
وهناك كان ’كومودور‘، الذي انبرى للتوسطِ بينهما والابتسامةُ لا تزالُ ترتسمُ على محياه؛ فباغتتهُ الضربةُ على حينِ غرة، وتلقى كاملَ قوةِ وطأتيهما، فارتعدَ جسدهُ كأنهُ دُميةٌ من الخرقِ تذروها الرياح.
شعر ’تاليس‘ بمرارةِ الألمِ تكتسحُ كيانه، فغطى وجههُ بيديهِ هلعًا، مستشعرًا كلَّ ذرةٍ من عُنفِ تلك الضربة.
وفي اللحظةِ التالية، زاغت عينا ’كومودور‘ وانقلبتا في محجريهما، وخرَّ صريعًا إلى الخلفِ متصلبًا كأنهُ لوحٌ من خشب.
إن أعجبتكم الترجمة، أتمنى منكم دعمي بالدعاء لأهلنا وإخواننا في فلسطين والسودان، جزاكم الله خيرًا.
تمت ترجمته بواسطة لورد التسويف RK
✨ عضوية مميزة في فضاء الروايات ✨
🚫📢 تخلّص من الإعلانات المزعجة
💖 استمتع بتجربة قراءة سلسة ومميزات حصرية مقابل مبلغ رمزي
📌 ملاحظة: أرسل اسمك في الموقع عند الدفع ليتم تفعيل العضوية ✅
جميع ما يتم ترجمته في الفصول منسوب إلى المؤلفين، ونحن بريئون من أي معانٍ تخالف العقيدة أو معانٍ كفرية وشركية.
هذا مجرد محتوى ترفيهي فلا تدعه يؤثر عليك أو يلهيك عن دينك.
استغفر اللـه وأتوب إليه.