سلالة المملكة - الفصل 587
📏 حجم الخط
✍️ نوع الخط
🎨 الخلفية
🖥️ عرض النص
دعم سلالة المملكة لزيادة تنزيل الفصول :
سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم
الفصل 587: من أجل العثور على امرأة
الأرك: لعنة المحنة الملكية
“’جو‘؟ ’شارلتون‘؟” كرر ’تاليس‘ بغير تصديق، محاولاً فك طلاسم الذكريات والأفكار المشوشة التي تلاطمت في ذهنه وهو ينظر تارةً إلى ’رافائيل‘ وتارةً أخرى إلى زنزانة ’جو‘.
“فسّر لي،” طالب الأمير بنبرةٍ مشوبة بسيطرةٍ محكمة على انفعالاته، وهو يثبت نظراته الحادة على ’رافائيل‘. “الآن.”
ركن ’رافائيل‘ إلى الصمت لبرهة، وقبض على ذراعه بتوتر قبل أن يتحدث. “سموك،” بدأ بحذر، “رغم أنك عضو في العائلة المالكة، إلا أنّ ’قسم الأسرار‘ لم يكشف بعد عن مستوى تصريحك الأمني…”
قاطعه ’تاليس‘ بحدة ونفاد صبر: “فسّر لي!”
رد ’رافائيل‘ ببرود قاطعاً كلماته: “أنا أفسّر،” قالها. “ولكن يجب أن أوضح يا سمو الأمير، أنني لا أستطيع كشف معلومات استخباراتية تتجاوز مستوى *’المجنون‘، طالما أنّ ذلك لا ينتهك أي لوائح.”
*(Insane)*
مستوى ’المجنون‘…
هز ’تاليس‘ رأسه، وبدا ضيقه ملموساً: “تجاوز قواعد ’قسم الأسرار‘، وأعطني التفسير الذي أحتاجه فحسب.”
أفلتت ضحكة خالية من المرح من ’رافائيل‘ وهو يتحدث: “أنا لا أقول هذا من أجلك على أي حال.”
رفع ’رجل العظام القاحلة‘ ذراعه ببطء شديد، ومع فعلته تلك، ظهر شق أسود على ساعده. تلوى النسيج العضلي بداخله بمهارة، ملقياً بظلالٍ غريبة بدت مألوفة تماماً لـ ’تاليس‘— تماماً كما كان الحال قبل ست سنوات.
شعر ’تاليس‘ بتجمد جسده، وتسمر عقله عند ذاك المشهد. أشاح بنظره عن ذراع الرجل، مرغماً نفسه على التركيز على الموضوع المطروح.
همس ’رافائيل‘ بصوتٍ خفيض وهو يشير نحو باب زنزانة ’جو‘: “كما تعلم،” همس. “هذا الرجل يُدعى ’جو تانغ‘— على الأقل، هذا هو الاسم الذي يختاره للاستخدام العلني.”
“وُلد ’جو‘ في عائلة من المسؤولين الحكوميين في سلالة *’ماني إيت نوكس‘ ، وهي عائلة تمتعت يوماً بمكانة مرموقة في الشرق. ولكن كما هي الأقدار، مالت كفتهم وساءت حظوظهم.”
*(Mane et Nox)*
“بمرور الوقت، وجد ’جو‘ نفسه مجنداً في ’حراس الرداء الغرابي‘، وهي منظمة الاستخبارات الخاصة بالعائلة المالكة هناك.”
’جو تانغ‘. حراس الرداء الغرابي.
ومضت عينا ’تاليس‘ بالارتباك وهو يتحدث: “دعني أتأكد من أنني فهمتك بشكل صحيح. أنت تقول إنه عميل سري لسلالة ’ماني إيت نوكس‘؟”
أومأ ’رافائيل‘ بإيجاز، لكنه هز رأسه بعد ذلك. “أو بالأحرى، كان عميلاً سرياً— هذا ما تشير إليه معلوماتنا الاستخباراتية.”
“كان؟” كرر ’تاليس‘، واتجهت نظراته نحو زنزانة ’جو‘. فجأة، أدرك ضآلة ما يعرفه عن الرجل الذي منحه يوماً المأوى والطعام قبل ست سنوات.
بينما كان ’رافائيل‘ يتحدث، توتر ساعده بشكل غير طبيعي. ومع ذلك، ظل تعبيره دون تغيير وهو يواصل سرده.
“قبل تسعة عشر عاماً، في ’مدينة كيرين‘، أطلق عضو من الجيل الأصغر لعائلة ’تشن‘ المالكة انقلاباً في محاولة للإطاحة بـ ’الملكة المتألقة ياو‘ المتوجة حديثاً. تسبب الاضطراب الذي أعقب ذلك في انقسام ’الحراس الغرابيين‘، الفيلق العسكري النخبوى، إلى فصيلين. في النهاية، برز ’لين دو‘، ’الملازم الأخضر‘ الموالي للملكة ’ياو‘، منتصراً وتولى قيادة الحراس، مطهراً الفيلق من ’الخونة‘ الذين دعموا الانقلاب.”
الملكة المتألقة ياو.
الملازم الأخضر.
رغم ارتباك الأمير الواضح، واصل ’رافائيل‘ حديثه دون توقف:
“’جو‘،” قال، “ينتمي إلى المجموعة التي انتهى بها المطاف في الجانب الخاسر. وبعد تواريه عن الأنظار، فرّ إلى ’شبه الجزيرة الغربية‘، حيث كسب عيشه من كل شيء، من تجارة البضائع إلى القتال كمرتزق. ولكن لم يجد شغفه الحقيقي إلا حين وصل إلى ’مدينة غيوم التنين‘— المتاجرة بالمعلومات. لقد استغل تداعيات المعركة الوحشية بين ’إيكستيدت‘ و’كوكبة النجوم‘، متحرراً عبر الظلال والمتاجرة بالأسرار.”
استجمع ’تاليس‘ أنفاسه، شاحاً بنظره بعيداً عن الباب الحديدي لزنزانة ’جو‘.
“ما علاقة كل ذلك بك— بنا؟”
تقوست شفتا ’رافائيل‘ في ابتسامة باردة وساخرة.
“اكتشفنا لاحقاً أنه خلال فترة وجوده في ’مدينة غيوم التنين‘، انخرط ’جو‘ في ما هو أكثر من تجارته المعتادة في شراء وبيع المعلومات،” قال.
ركز ’رجل العظام القاحلة‘ نظراته بإمعان على القضبان الحديدية للباب.
“إلى جانب تهريب المعلومات، تضمنت أعمال هذا ’الشرقي الأقصى‘ أيضاً العمل كوسيط بين القوى الكبرى المختلفة لتسوية نزاعاتهم.”
“وبالنسبة لنزاعات معينة كانت مستعصية على الحل ولا يمكن تجاهلها…”
أصبحت نظرة ’رافائيل‘ جليدية: “كان يستعين بـ القتلة.”
شعر ’تاليس‘ بتوتر أعصابه.
’مهلاً‘.
مدينة غيوم التنين، ’جو‘، الاتجار بالمعلومات، القتلة، قبل ست سنوات— ببطء، استقرت القطع في مكانها، وتغير تعبير ’تاليس‘ تدريجياً وهو يربط الخيوط ببعضها.
“هذا صحيح،” تعمقت ابتسامة ’رجل العظام القاحلة‘ الباردة وهو يراقب تغير تعبير المراهق.
“قبل ست سنوات في ’مدينة غيوم التنين‘، كانت القوى تحت الأرض مبعثرة في الزوايا المظلمة تحت سلطة الملك ’نوفين‘،” قال. “كان ’غليروارد‘ يسيطر على الشوارع، و’فلاد‘ يهيمن على السوق السوداء، وكان الـ ’كاميون‘ يتربحون من كلا الجانبين، ووقفت فصائل أخرى لا حصر لها في شبكة من العلاقات المعقدة والتشابكات والفوضى.”
“وهو،” رفع ’رافائيل‘ ذقنه نحو باب زنزانة ’جو‘ وتحدث عنه. “صديقك الشرقي قضى عقداً من الزمان في بناء سمعته تدريجياً في العالم السفلي لـ ’مدينة غيوم التنين‘. لقد ارتقى ليصبح الاتصال الأكثر بروزاً وموثوقية للقتلة، من بلطجية الشوارع إلى ’درع الظل‘ المتواري عن الأنظار و’زهرة القتلة‘ الفتاكة.”
اتسعت عينا ’تاليس‘ وهو يستوعب كلمات ’رافائيل‘.
“أو بالأحرى،” واصل ’رافائيل‘، “بصفته خبيراً في التجارة المميتة، كان يناور ببراعة عبر شبكة الإجرام الغادرة والفاسدة بسهولة. يشتري ويبيع الأرواح بأيدٍ ماهرة، مخفياً مواهبه وموسعاً نفوذه بعيد المدى.”
’درع الظل‘. ’زهرة القتلة‘.
ثبّت ’تاليس‘ نظره دون أن يرمش على زنزانة ’جو‘، ولم يتزعزع تركيزه ولو لمرة.
بيد أنّ تحولاً طفيفاً قد طرأ على عينيه.
إذا كان ’جو‘ بالفعل هو الوسيط الأبرز للقتلة في كل ’مدينة غيوم التنين‘، فإنّ ذلك لا يعني سوى شيء واحد— قبل ست سنوات…
ظل صوت ’رافائيل‘ خالياً من أي مشاعر وهو يكشف عما كان ’تاليس‘ يخشاه: “تشابمان لامبارد، الذي كان أرشيدوق ’الرمال السوداء‘ في ذلك الوقت، تعاون مع ’درع الظل‘ عبر ’جو‘ لتشكيل تحالف معهم.”
التفت ’تاليس‘ برأسه في تيبس.
’تحالف بين تشابمان لامبارد ودرع الظل. وكان وسيطهم هو… ’جو‘؟‘
لم يستطع منع نفسه من استحضار نسخته الأصغر سناً، وهو يقبع مع ’الوغدة الصغيرة‘، يرتجف في العربة بينما يصغي بأنفاس محبوسة للمحادثة بين أرشيدوق ’الرمال السوداء‘ و’ستيك‘.
بيد أنّ لدى ’رافائيل‘ المزيد ليضيفه:
“في النهاية، ونظراً للطبيعة المعقدة للهدف، لم يدخر ’جو‘ جهداً واستدعى أثمن اتصالاته للاستعانة بخدمات أقوى وأفتك قاتل في العالم. وبنصل قتل شرير وماكر، تمكن القاتل من اختراق الدفاعات المتعددة لـ ’حراس النصل الأبيض‘ خلال فوضى ’الكارثة‘ ونجح في حصد رأس الملك الذي وُلد ملكاً.”
وقف ’تاليس‘ متسمراً في مكانه، دون حراك تماماً.
ضيق ’رافائيل‘ عينيه قليلاً وقال: “وأعتقد يا سمو الأمير، أنك تعرف من يكون ذلك الشخص، أليس كذلك؟”
ساد الممر صمتٌ يصم الآذان. بدا وكأنّ الزمن قد توقف بينما كافح ’تاليس‘ لزفر أنفاسه:
“أعرف.”
أطلق ’رافائيل‘ ضحكة باردة ومزدرية، غير آبه بتعبير الأمير الشاحب تماماً: “إنه يعرف كيف يتصل بـ عائلة قتلة الملوك، التي اختفت دون أثر بعد ’السنة الدموية‘،” قال. “هذا وحده كافٍ لنا لإبقائه مسجوناً حتى نهاية أيامه— أو حتى يعترف.”
ظل ’تاليس‘ صامتاً، لكنه قبض بيده اليسرى ومرر أطراف أصابعه فوق الندوب الموجودة على راحة يده، وهي الجروح التي أحدثها خنجر ’جي سي‘ مرات لا تحصى.
“لكن هذه ليست المرة الأولى،” واصل ’رافائيل‘، “بناءً على سجلات ’جو‘، يبدو أنك يا سيدي قد تورطت في معاملات سابقة تتعلق بـ ’نصل الجراد المهاجر‘.”
تسارعت أفكار ’تاليس‘ وهو يحاول معالجة المعلومات الجديدة. رفع رأسه، ملتقياً بنظرة ’رافائيل‘. لكن في رمشة عين، تحولت حدة تعبير ’رافائيل‘ إلى صقيع.
“سموك،” بدأ ’رافائيل‘، “قبل ست سنوات، خلال مهمتك الدبلوماسية إلى الشمال، وقعت أنت و’غضب المملكة‘ في فخ جيش منطقة ’الرمال السوداء‘ التابع لـ ’لامبارد‘ في ’حصن التنين المكسور‘. هناك، تعرضتم لقصف لا هوادة فيه من قبل قوات ’البنادق الصوفية‘…”
“من تظن أنه دبر وصول هؤلاء القتلة المهرة، القادرين حتى على تحويل مدربي ’البنادق الصوفية‘ إلى قضيتهم، إلى عتبة دار الأرشيدوق ’كونكراي بوفريت‘؟ كل ذلك حتى يتمكن من تحقيق مخططه الملتوي لمشاهدتك تهلك وسط صفوف جيش ’لامبارد‘؟”
’البنادق الصوفية‘.
تقطب جبين ’تاليس‘، شاعراً وكأنه قد نُقل مرة أخرى إلى الحصن قبل ست سنوات، وسط الضجيج الصاخب للسيوف والنصال.
تحدث بوقار، وصوته بالكاد يعلو عن الهمس: “هل تدعي أنّ الهجوم كان من تدبير ’جو‘ أيضاً؟”
أطلق ’رافائيل‘ همهمة ساخرة ولوح بذراعه بلا مبالاة:
“وأنت، هل تدعي أنه ساعدك في ’مدينة غيوم التنين‘ وأنقذ حياتك؟”
انجرفت نظرات ’تاليس‘ لا إرادياً نحو زنزانة ’جو‘.
“إذن فكر في هذا ملياً،” قال ’رافائيل‘ ببراعة ظاهرية، لكن خلف كلماته كمن تلميح للظلام.
“سموك، هل تعتقد حقاً أنّ ’كاسلان مزلزل الأرض‘ ، الذي خان الملك ’نوفين‘، كشف لك عن وسيلة العثور على ’جو‘ في النزل لمجرد أنه أعجب بك؟ هل تعتقد حقاً أنه فعل ذلك لمساعدتك في العثور على هذه الشخصية المحايدة ظاهرياً في العالم السفلي عندما كنت تهرب من حصار ’مدينة غيوم التنين‘؟”
’كاسلان‘. ’ستمائة وخمسين‘.
تسمرت عينا ’تاليس‘ على بوابة زنزانة السجن، واشتدت قبضتاه مع كل لحظة تمر حتى ابيضت مفاصله.
“سموك، هل تعتقد حقاً أنه كان هناك الكثير من الشرقيين ذوي النوايا الحسنة في ’مدينة غيوم التنين‘ الذين، خلال الأحكام العرفية، كانوا سيرحبون بفتى نبيل شاب ذي هوية غامضة بأذرع مفتوحة ويغمرونه بالطعام الفاخر والنبيذ والسكن لمجرد أنه لطيف وذكي وطيب القلب؟”
’الشرقي‘. ’السكن‘.
كزّ الأمير على أسنانه وكافح لاستحضار المشهد من ذلك الصباح عندما كان هو و’الوغدة الصغيرة‘ في متجر جزارة ’جو‘.
“سموك، هل تعتقد حقاً أنها كانت مجرد مصادفة أنه وسط الفوضى التي اجتاحت كل ’مدينة غيوم التنين‘، تمكن مخبر مشبوه من الخروج من منزله لمدة دقيقتين والعودة بنجاح مع مبعوث أجنبي، الماركيز ’شيلس بامرا‘ من ’مدينة التدفق الجيد‘، الذي صدف أنه كان وحيداً وعالقاً هناك؟ كل ذلك فقط حتى يسلمك لـ ’تشابمان لامبارد‘ في غضون لحظة؟”
’المخبر‘. ’شيلس‘.
قطعت كلمات ’رافائيل‘ الهواء كالنصل الحاد، مسددةً طعنة تلو الأخرى ضد دفاعات ’تاليس‘.
“هل توقفت يوماً يا سيدي للنظر في كل هذه الأسئلة، وهذه المصادفات الغريبة، وهذه التفاصيل التي تبدو منطقية ولكن لم يتم فحصها قبل أن تصوره كمنقذ لك؟”
أخذ ’تاليس‘ نفساً عميقاً، مهدئاً ’خطيئة نهر الجحيم‘ التي كانت تغلي بداخله.
إذا، فقط إذا، كانت شكوك ’رافائيل‘ في محلها…
فإنّ ذلك يعني أنّ الأشياء التي اعتبرها يوماً حقيقة…
“نعم، ’جو‘،” كان صوت ’رافائيل‘ جامداً، ولم يترك للأمير وقتاً لاستجماع شتات عقله. “إنه لم يساعدك قط، بل على العكس تماماً،” واصل، “لقد كان هو من باعك.”
أغلق ’تاليس‘ عينيه بهدوء.
ستمائة وخمسين… لم يساعدك قط… لقد باعك…
للحظة وجيزة، فقدت الزنزانة التي تأسر ’جو‘ قبضتها على انتباههما. عاد الممر إلى حالته السابقة من السكون المزعج.
أطلق ’رافائيل‘ تنهيدة ثقيلة، وكشفت نظراته عن خليط من المشاعر وهو يلتفت نحو باب الزنزانة:
“وهو أيضاً، قد باعنا.”
بذل ’تاليس‘ جهداً كبيراً لتماسك نفسه، وعند سماع الكلمات، فتح عينيه ببطء، محاولاً الحفاظ على نبرة متزنة: “هل تعاون مع ’قسم الأسرار‘ للمملكة، معك؟”
أومأ ’رافائيل‘ موافقاً وقال: “نعم، هذا صحيح.”
حدق ’رجل العظام القاحلة‘ في باب زنزانة ’جو‘ وأطلق همهمة مزدربة. “من الواضح أنّ تاجر المعلومات هذا الذي يدعي الحياد قد اعتاد على ’التعاون‘ مع الجميع، سواء كانت ’إيكستيدت‘، أو مملكة ’الكوكبة‘ ، أو ’اتحاد كاموس‘، أو ’درع الظل‘، أو ’برج الإبادة‘. إنه يأخذ المال من جميع الأطراف ويضرب بعضهم ببعض. ثم، عندما ينشغل عملاؤه بذبح بعضهم البعض، ينقض هو لجني الفوائد. الفرق الوحيد هو أنه هذه المرة، قد أخطأ التقدير حقاً.”
تشنج وجه ’تاليس‘ بالتوتر. “ماذا فعل؟” سأل.
ساد صمت وجيز بينما رتب ’رافائيل‘ أفكاره. “كما قلت، كان ’كلون بروك‘ واحداً من الضباط ’الحكماء‘ القلائل في ’قسم المخابرات السرية للمملكة‘. كان موته خسارة لا يمكننا تحملها.”
“وعندما اتخذنا القرار الصعب بالتخلي عن المقر الرئيسي في ’مدينة غيوم التنين‘ بعد ست سنوات، كان ذلك جزئياً بسبب هذا الحدث. لم يكن لدينا خيار آخر.”
زفر ’تاليس‘ تنهيدة ثقيلة، محاولاً تخفيف الثقل والضيق الجاثم على صدره. “ماذا حدث؟”
هز ’رافائيل‘ رأسه، ملقياً نظرة خاطفة على زنزانة ’جو‘. “هذا هو بالضبط ما نأمل في اكتشافه.”
“منه.”
وقف ’تاليس‘ بهدوء، وعقله يموج بمزيج من المشاعر التي كافح للتعبير عنها.
أطلق ’رافائيل‘ تنهيدة مستسلمة، وعادت ملامحه إلى واجهة هادئة ورزينة.
“سموك،” قال ’رافائيل‘، “حتى في مواجهة أدلة تبدو قاطعة من الماضي، لا تزال هناك تفاصيل كثيرة مزعجة ومجهولة تكمن تحت السطح.”
“لهذا السبب، قبل ست سنوات، بينما كنت تقاتل بشجاعة لتغيير مسار الأحداث في ’قصر الأرواح البطولية‘، لا تنسَ أنّ عملاء ’المخابرات السرية‘ كانوا محبوسين في مناوشات مميتة في الظلال، يقاتلون على جبهات مختلفة لكسب ولو أدنى ميزة لك وللمملكة— سواء كانت قصاصة ورق، أو فقرة نصية، أو إشارة، فكل شيء كان ذا قيمة. وكان ’كلون بروك‘ واحداً منهم.”
ومضت نظرات ’تاليس‘.
“مؤخرة الأمير— هذا اسم سيثير ضحكك بالتأكيد، أليس كذلك؟”
التفت ’رافائيل‘ بحدة، واخترقت نظراته الظلال في الممر الذي بدا وكأنه لا ينتهي.
“ومع ذلك، كل واحد منهم هو ناجٍ من عملية ’دم التنين‘ التي غيرت مسار العالم قبل ست سنوات. حارب ’قسم الأسرار‘ للمملكة بكل ما أوتي من قوة ضد خصوم هائلين مثل الملك ’نوفين‘، و’الغرفة السرية‘، و’حراس النصل الأبيض‘، و’تشابمان لامبارد‘، و’درع الظل‘، والـ ’كاميون‘. وسط الفوضى والجثث والتضحيات، كانوا هم الناجين.”
رفع ’تاليس‘ رأسه، وبدا عليه الاندهاش.
“وليس الأمر أننا لا نثق بك يا سمو الأمير، ولكن بعض المعلومات لا يمكن مشاركتها. على عكسنا، لا يمكنك ببساطة التخلص من أعبائك، ونسيان نفسك، والانغماس تماماً في الأعماق العكرة للمهمة لتحقيق أهدافك.”
أشار نحو زنزانة ’جو‘، ونظراته نافذة.
“حتى لو كنت تعتقد… أنك مدين لهدفك بحياتك.”
“في النهاية، إذا كنت تكتفي بأنصاف الحقائق، فكلما توغلت في هذا الطريق، زاد ضياعك. ستفقد قدرتك على التمييز بين الحقيقة والخيال، وقبل أن تعرف ذلك، ستكون دمية ترقص على أنغام شخص آخر.”
’لا يمكنك ببساطة التخلص من أعبائك.
نسيان نفسك.‘
تقطب جبين ’تاليس‘ قليلاً.
“أنت لست من صنفنا يا ’تاليس‘. لقد قُدر لك أن تنعم بدفء الشمس والسماء الزرقاء،” تنهد ’رافائيل‘، مخاطباً الدوق دون أي لقب تشريفي، وهو أمر غير معتاد.
“دعنا نواجه الفراغ الذي لا يُسبر غوره.”
كانت عيناه الحمراوان الكئيبتان تفيضان بصدق لا يتزعزع. ومع ذلك، ما تذكره ’تاليس‘ هو التعبيرات المختلفة التي أظهرها ’رافائيل‘ خلال استجواباته مع تاجر النبيذ ’داغوري‘، والحداد ’جيلبورن‘، والنبيل من ’تلة حافة النصل‘، و’فيليسيا‘.
ساد الممر صمتٌ ثقيل. ولم يكسر هذا السكون إلا بعد مرور بعض الوقت صوت الأمير، وكلماته مشوبة بنبرة مبحوحة: “كيف يمكنني أن أثق في أنّ من يقودونني ليسوا جميعكم؟”
تردد ’رافائيل‘ لبرهة.
“عندما تجلس على هذا العرش يا سمو الأمير،” تلاشت ابتسامته تدريجياً، “وتمتلك القوة لإصدار أمر بأي شيء بكلمة واحدة فقط، لتحكم الأهداف والمهمات والعمليات والميزانيات والتطوير ومستقبل ’قسم الأسرار‘ للمملكة…”
توقف للحظة وقال: “عندها، وعندها فقط، ستعرف حقاً.”
استمع ’تاليس‘ لكلمات ’رافائيل‘ بتعبير فارغ، شاعراً وكأنه قد سمعها من قبل. ومع ذلك، وعلى عكس المرات السابقة، اختار ألا يجادل.
بقلب مثقل، تبع ’تاليس‘ ’رافائيل‘ خارج الممر السفلي المتاهي، متجاوزين نقاط تفتيش متعددة، حتى خرجوا أخيراً من العقار الرئيسي لمقر ’قسم المخابرات السرية‘ عبر نفس البوابة التي ترجلوا فيها من عربتهم.
بيد أنّ تعبير ’رافائيل‘ ساء وهو يسأل: “هل استدعيت أحداً ليأتي ويقلك؟”
أفاق ’تاليس‘، الذي كان غارقاً في أفكاره، من شروده.
“ماذا؟” سأل، وهو مرتبك قليلاً.
ذُهل الأمير نفسه عندما رأى عربتين متوقفتين أمامهما— إحداهما كانت هي نفس العربة التي وصلا بها من ’قصر النهضة‘، ولكن الأخرى…
“سموك!”
بصرخة مألوفة، قفز رجل قصير وبدين يرتدي ملابس الحرس الملكي من مقعد الحوذان في العربة— لم يكن سوى ’كومودور‘، الحارس الذي تدرب مع ’تاليس‘ يوماً في ’قاعة مينديس‘.
“سموك، الأمير ’تاليس‘، أنت هنا حقاً…”
رغم كونه غارقاً في العرق، إلا أنّ روحه انتعشت بمجرد رؤية ’تاليس‘، وانحنى انحناءة احترام عميقة.
“أنا هنا لخدمتك يا سيدي، بناءً على طلب القائد ’مالوس‘،” أعلن.
بدا ’تاليس‘ متحيراً قليلاً، واستقبل ’رافائيل‘ وحوذي العربة الأخرى وصول ’كومودور‘ بتعبيرات باردة ومعادية.
ومع ذلك، وإدراكاً منه للتوتر، تحدث ’تاليس‘ بسلطة هادئة. “لا بأس،” طمأنهم. “إنه معي، عضو من حراس ’بحيرة النجوم‘.”
أصدر ’رافائيل‘ همهمة صغيرة وسأل:
“هل أنت متأكد؟”
زمّ ’تاليس‘ شفتيه واقترب من ’كومودور‘.
“’كومودور‘؟” ناداه.
استجمع الأمير شتات نفسه، منتحياً بمشاعره المضطربة جانباً. “أليس من المفترض أن تكون في ’قاعة مينديس‘؟ ماذا تفعل هنا؟”
شاح ’كومودور‘ بنظراته المحذرة بعيداً عن ’رافائيل‘.
“أعطاني القائد ’مالوس‘ أمراً قبل دخوله القصر يا سمو الأمير،” أوضح. “أمرني بأن أراقب أي أحداث غير متوقعة، وإذا حدث أي شيء، أن أجمع القوات وآتي إلى هنا لمساعدتك. كان ذلك لتجنب… أي إزعاج لسموك.”
’مالوس؟‘
إزعاج.
أدرك ’تاليس‘ شيئاً والتفت إلى ’رافائيل‘ خلفه. وبعد توقف لحظة، تراجع ’رجل العظام القاحلة‘ خطوة إلى الوراء في عرض دقيق للتفهم…
أعاد ’تاليس‘ انتباهه إلى ’كومودور‘، وتعبيره مركز وهو يضغط للحصول على مزيد من التوضيح.
“ماذا تعني بـ… ’أحداث غير متوقعة‘؟” استفسر.
“بعد فترة وجيزة من دخول سموك والقائد إلى القصر،” كشف ’كومودور‘، بتردد طفيف ولكنه التزم بالحقائق، “وصلت فرقة حاملي الأعلام.”
فرقة حاملي الأعلام.
’إذن كانت فرقة حاملي الأعلام، واحدة من الفرق الست لحراس القصر، بقيادة نائب القائد «فوغل تالون»، كما ذكر «دي دي»؟‘ ’لماذا أتوا؟‘
بدا ’تاليس‘ متحيراً قليلاً، “ماذا تعني؟”
راقب ’كومودور‘ ’تاليس‘ بعين حادة، مقدراً رد فعله بعناية. “لكي تفهم يا سمو الأمير،” بدأ ببطء، “كان قائد المجموعة هو نائب حامل العلم ’جايدن‘. ودون أي سابق إنذار، أغلقوا ’قاعة مينديس‘ واحتجزوا كل من بداخلها، مدعين أنهم سيجرون تحقيقاً شاملاً.”
شعر ’تاليس‘ بصدمة تسري في جسده.
’ماذا؟ إغلاق… قاعة مينديس؟‘
“لماذا؟”
أجبر ’كومودور‘ نفسه على ابتسامة متوترة، “قال نائب حامل العلم ’جايدن‘ إنّ ذلك بسبب الحادث الذي وقع في مأدبة الأمس،”
زفر ’تاليس‘ أنفاساً متوترة ومليئة بالأسى.
كما كان يخشى، لقد عاد الأمر لذلك مجدداً.
“ادعوا أنّ إهمالنا قد يعني وجود ثغرات أمنية أو حتى خائن، مما قد يشكل تهديداً لسلامة الأمير. ومن ثم، رأوا أنه من الضروري إجراء تحقيق شامل من القمة إلى القاع.”
أطلق تنهيدة تعبر عن إحباطه الشديد. “كان التحقيق الذي أجرته فرقة حاملي الأعلام مكثفاً للغاية،” واصل. “لم يُطلق سراح ’جونفيلد‘ إلا بعد ساعتين من الاستجواب، ولم يبدُ بخير عندما خرج. أما ’مورغان‘ فقد سُحب عملياً ويداه مقيدتان، بل وشُك في أنّ ’كوستاد‘ جاسوس أجنبي.”
“أخبرنا ’ستون‘ أن نمتثل وألا نقاوم، لكن ’نيس‘ كاد أن يدخل في عراك جسدي معهم، بينما حاول ’باترسون‘، ضابط العقوبات، استخدام مكانته للالتماس من أجل الرأفة. ومع ذلك، يُعرف نائب حامل العلم ’جايدن‘ بقسوته ولن يعامل أحداً معاملة خاصة، بغض النظر عن مكانته…”
تقطب جبين ’تاليس‘ بشكل أعمق.
“بشكل عام، كانت عملية كبيرة، بوجود جنود ’جاديستار‘ الخصوصيين، و’مركز شؤون النبلاء‘، وضباط مركز شرطة المدينة الداخلية أيضاً،” روى ’كومودور‘. “بل وأشك في وجود أشخاص من ’قسم المخابرات‘ للمملكة بينهم. كان الفريق ضخماً، وربما شهد الكثيرون ما حدث.”
شعر ’تاليس‘ بنوع من عدم التصديق يتسلل إليه وهو يستمع لحديث ’كومودور‘.
’ما معنى هذا؟ قاعة مينديس، المسكن في العاصمة الملكية الذي وهبه الملك لدوق بحيرة النجوم، تحت الحصار والتفتيش؟‘
أخذ ’تاليس‘ نفساً عميقاً، مرغماً أصابعه على الاسترخاء وهو يكافح لاستيعاب المأزق الحالي.
“كيف تمكنت من التسلل والهرب؟” استفسر.
“كنت أتجول كثيراً في مركز شرطة المدينة الداخلية يا سمو الأمير،” رد ’كومودور‘، متهرباً بنظراته من ’تاليس‘، وكأنه متردد في استحضار جوانب معينة من ماضيه. “عرفني عدد قليل من الضباط المسؤولين عن السيطرة على المحيط،” أضاف.
“كان بإمكان ’بروكا‘ الانضمام إلينا، لكن ’جايدن‘ يحمل ضغينة طويلة ضده، وكان يراقبه عن كثب. ومن المستبعد جداً أن يتركه يرحل بهذه السهولة.”
حول ’كومودور‘ نظره إلى الجزء الخلفي من العربة قبل أن يقول: “الشخص الوحيد الذي استطعت العثور عليه هو غلوفر،” أخبره. “لقد غادر هذا الصباح ليداوي جراحه، بعد أن عوقب. ولم تكن فرقة حاملي الأعلام مسرورة بذلك على الإطلاق.”
تقطبت حاجبًا ’تاليس‘، “’غلوفر‘؟”
بمجرد أن أنهى كلامه، ظهرت شخصية مألوفة من الجانب الآخر للعربة. لم يكن سوى ’الزومبي‘ غلوفر، طليعة الدرجة الأولى مفتول العضلات في حراس ’بحيرة النجوم‘، بكامل عتاده ووقف أمام ’تاليس‘ بتعبير جاد.
“سموك،” خاطبه. “يجب أن نعود إلى المدينة فوراً. لدي شعور مزعج بأنّ شيئاً معادياً يكمن بين الأشجار.”
بمجرد أن وقعت عينا ’تاليس‘ على ضابط الطليعة المألوف، أطلق تنهيدة داخلية، مرخياً دفاعاته أخيراً. ومع ذلك، سرعان ما تحول تعبيره إلى قلق وهو ينظر إلى ظهر ’غلوفر‘. “ولكن إصابتك…”
هز ’غلوفر‘ رأسه وكشف عن الضمادات تحت ياقته. “ليست مشكلة،” طمأن ’تاليس‘. “قوة الإبادة الخاصة بي يمكنها تخفيف الألم، وعلاوة على ذلك…” صمت لبرهة، مشيراً بذراعه بينما تقطب جبينه قليلاً.
“اللورد ’مالوس‘، خلال عقابي، أظهر لي بعض الرحمة.”
“يبدو الأمر وكأنه… وكأنه توقع حدوث شيء كهذا وأنني قد أظل ذا فائدة.”
تردد ’تاليس‘ للحظة، لكنه تذكر كلمات ’مالوس‘ في وقت سابق من ذلك اليوم. كان ذلك قبل أن يقدم له الأخير شرحاً عن ’المعبد‘ و’الأسلوب الإمبراطوري‘:
“ألم يأتِ أحد من قصر النهضة بعد؟” “لكنني أؤكد لك، سيأتون، عاجلاً أم آجلاً.”
كبح ’تاليس‘ مشاعره السلبية، وكأنه أدرك شيئاً ما فواصل استجوابه:
“وماذا عن «دي دي»؟ هل تعمد «مالوس» جلده أيضاً لكي يجنبه الكارثة في قاعة مينديس؟”
هز ’غلوفر‘ رأسه رداً على ذلك. “لا، لقد رأيت ذلك. يبدو أنّ إصابات ’دويل‘ حقيقية، وقد تعرض لضرب مبرح.”
’من ناحية،‘ فكر ’غلوفر‘ بصمت، ’عائلة «دويل» في عين العاصفة بعد أحداث الأمس.‘ ’ومن ناحية أخرى، كان من الممكن تماماً أن اللورد «مالوس» كان يحمل ضغينة.‘ لم يستطع ’غلوفر‘ التخلص من شعوره بأنّ ’مالوس‘ كان لا يزال يغلي بعد نوبة ’دي دي‘ السكرية في المأدبة، حيث صرخ في وجهه قائلاً “تورموند الصغير”.
“إذن، ’مالوس‘ كان يعلم بقدوم هذا،” قطعت كلمات ’تاليس‘ حبل أفكار ’غلوفر‘. “لقد دخل قصر النهضة معي، ولكن أين هو الآن؟”
من الجانب، تحدث ’كومودور‘. “ويل، وهو أحد معارفي من فرقة حاملي الأعلام، يدين لي بمعروف. لقد أخبرني للتو أنّ اللورد ’مالوس‘ لا يزال في قصر النهضة.”
تردد ’كومودور‘ للحظة قبل أن يواصل. “إنه مع… نائب القائد ’تالون‘.”
زفر ’تاليس‘ نفساً لم يدرك أنه كان يحبسه.
’أرى ذلك.‘
إذن ’تورموند مالوس‘، قائد حرسه المفضل.
حتى لو توقع الموقف الحالي…
فهو لا يزال في خطر في الوقت الحالي.
“فرقة حاملي الأعلام، ’فوغل تالون‘،” تنهد الأمير. “لديهم جرأة حقاً.”
تبادل ’كومودور‘ و’غلوفر‘ نظرة سريعة.
التفت ’تاليس‘ ونادى بصوت عالٍ على ’رافائيل‘ في البعيد، “’رافائيل‘، هل أنت على علم بهذا الموقف؟”
اقترب ’رجل العظام القاحلة‘، ولاحظ ’تاليس‘ أنّ عينيه قد تم تمويههما مرة أخرى بلون مختلف.
تحت النظرات غير المرحبة للحارسين الملكيين، ارتسمت على وجه ’رافائيل‘ ابتسامة ودودة وسأل: “أي موقف؟”
ألقى عليه ’تاليس‘ نظرة سريعة وهمهم ببرود، “لا يهم.”
“إذا كان سموك يواجه أي إزعاج،” قال ’رافائيل‘، مظهراً مهارته الواضحة في قراءة تعابير الناس. لقد التقط بعض الخيوط من الأفراد الثلاثة.
“سيسر ’قسم المخابرات السرية‘ إذا قمت يا سيدي بتمديد إقامتك لبضع ساعات أخرى…”
“شكراً لك، لكن هذا ليس ضرورياً،” رفض ’تاليس‘ بحزم. “لا أظنك ستمانع إذا عدت مع حرسي الخاص، أليس كذلك؟”
بعد تقييم ’تاليس‘ لبضع لحظات، أومأ ’رافائيل‘ برأسه.
“بكل سرور،” ابتسم ’رجل العظام القاحلة‘ ابتسامة عريضة، ونبرة صوته مشوبة بالفخر وهو يسرد أسماء وأصول الاثنين الآخرين. “’كاليب غلوفر‘ من عائلة غلوفر، و’جان لوكا كومودور‘، سليل حارس ملكي معروف وضابط سابق في مركز الشرطة المركزي. يمكننا بالتأكيد ضمانهما.”
تبادل ’غلوفر‘ و’كومودور‘ نظرة مرتبكة بينما انحنى ’رافائيل‘ ومضى بعيداً.
“كان ذلك…” تلاشت كلمات ’غلوفر‘ وهو يراقب طيف ’رافائيل‘ المبتعد، وعندها فقط أرخى قبضته ببطء عن مقبض سيفه الذي كان قد شده دون وعي.
“ماسح مؤخرتي،” تذمر ’تاليس‘ بإحباط.
دون مزيد من التأخير، توجه الأمير نحو العربة. “لنعد إلى قاعة مينديس الآن ولنتعامل مع فرقة حاملي الأعلام.”
ومع ذلك، هز ’غلوفر‘ رأسه بحزم. “لا يا سمو الأمير،” قال.
تغير تعبير ’تاليس‘ قليلاً.
“ما عناه القائد ’مالوس‘،” تولى ’كومودور‘ الكلام بابتسامة قسرية نوعاً ما، “هو أنك يا سيدي لا يجب أن تتسرع في العودة إلى قاعة مينديس بعد.”
بدا ’تاليس‘ متحيراً.
تحدث ’كومودور‘ بحذر، “أفراد فرقة حاملي الأعلام، إنهم يحملون… مرسوم الملك معهم.”
مرسوم الملك.
تجمد ’تاليس‘ للحظة.
“والناس من جميع الأقسام هناك…” ضغط ’كومودور‘ على كلماته بارتباك. “إذا ظهرت على عجل، فقد يصبح الموقف غير لائق…”
لم يسهب في الحديث، لكن ’تاليس‘ كان قد استوعب الموقف بالفعل.
وقف الأمير أمام العربة، وعقله يموج بالأفكار.
“إذن،” تمتم ’تاليس‘ بشرود، “لقد وطأت قدماًي قصر النهضة، ومن ناحية أخرى، تم دهم عريني. والآن، أجد نفسي بلا مكان ألجأ إليه؟”
بدا ’كومودور‘ نادماً.
“أعتذر بشدة يا سمو الأمير. لقد فشلنا في توفير الأمن الكافي في المأدبة، مما أدى إلى هذا الحادث غير المتوقع…”
“لا،” قاطعه ’تاليس‘. أخذ نفساً عميقاً وحاول فهم الموقف الفوضوي. “لا، لا، لا.”
“صدقني،” شعر ’تاليس‘ فجأة بلمحة من التسلية بمجرد أن فهم، “هذا بالتأكيد ليس خطأكم.”
بعد قضاء الكثير من الوقت بعيداً عن ’الكوكبة‘، كان ’تاليس‘ يلتزم بدقة بالقواعد، ولم يجرؤ قط على التصرف بتهور.
ولكن الليلة الماضية، اتخذ أخيراً خياراً جريئاً وجسوراً منذ عودته— لربما كان خياراً محفوفاً بالمخاطر.
ونتيجة لذلك، دفع ثمناً باهظاً. ضحك ’تاليس‘ بسخرية، تاركاً الحارسين ينظران إلى بعضهما البعض في ذهول.
بسبب تجاوزاته، حضر بتوتر مؤتمراً إمبراطورياً كعقاب، أعقبه توبيخ وحشي من الملك تركه محطماً عاطفياً. ثم نُقل إلى ’قسم الأسرار‘، حيث تحمل الوجود الثابت لـ ’العراف الأسود‘. حتى ’قاعة مينديس‘ وحراس ’بحيرة النجوم‘ عانوا من عواقب وخيمة. ثم…
تحدث ’غلوفر‘ بصوت خفيض، “لقد اقترح اللورد ’مالوس‘ أن نعود إلى قصر النهضة.”
أطلق ’تاليس‘ ضحكة مزدربة للفكرة، وصوته مشوب بلمحة خفية من السخرية بالكاد لاحظها هو نفسه. “العودة إلى قصر النهضة؟ للبحث عن والدي، على ما أظن؟”
“لا، للعثور على السيدة جينس،” دقق ’كومودور‘ في تعبير ’تاليس‘. “صرح القائد أنها وحدها من تستطيع…”
’حمايتك،‘ ترك ’كومودور‘ بقية جملته دون أن ينطق بها.
سكت ’تاليس‘.
’العثور على جينس. إذن لقد وصل الأمر إلى هذا.‘
شعر وكأنه عاد إلى أيامه الأولى في ’قاعة مينديس‘، قبل ست سنوات. في مواجهة العديد من الأخطار المعروفة وغير المعروفة، تُرك مرة أخرى لينجرف بلا هدف، معتمداً على الآخرين للحماية.
قبل ست سنوات…
وقف الأمير بصلابة، متكئاً على العربة دون أي تعبير على وجهه.
مر الوقت ببطء.
أخيراً، وبعد أن أشار ’كومودور‘ لـ ’غلوفر‘ للمرة الثالثة، أغمض دوق ’بحيرة النجوم‘ عينيه وأخذ نفساً عميقاً قبل أن يزفر ببطء.
“لا،” أعلن. “لن نعود إلى قصر النهضة. ولن نبحث عن السيدة ’جينس‘.”
تبادل ’كومودور‘ و’غلوفر‘ نظرات مرتبكة بالتساوي. فتح ’تاليس‘ عينيه.
“سنذهب إلى الحي الغربي، إلى سوق الشارع الأحمر ،” أعلن.
*( يريد يخرب الليلة )*
للحظة، ذُهل الحارسان.
“ماذا؟” صاحا في وقت واحد.
شد ’تاليس‘ قبضته على عجلة العربة وكزّ على أسنانه.
“هناك نادٍ في الحي الغربي يسمى ’ليلة واحدة‘ ،” قال.
اتسعت عينا ’كومودور‘، بينما أصبح تعبير ’غلوفر‘ جاداً.
“سموك، ماذا ستفعل هناك؟” سأل ’كومودور‘ بحذر.
“ماذا سأفعل غير ذلك؟ حسناً…” ترك ’تاليس‘ العجلة وألقى عليهما نظرة هادئة.
“للعثور على امرأة، طبعاً.”
في البداية بدا لـ ’كومودور‘ أنه جواب منطقي، ولكنه واجه بعد ذلك معضلة:
“ولكن يا سمو الأمير، مكانتك…” تردد في القول.
تهكم ’تاليس‘.
“من قال إنني سأذهب إلى هناك بصفتي أميراً؟”
صعد الأمير إلى العربة وأشار إلى الرجلين.
“أنت تقود الطريق يا ’كومودور‘. سنغير ملابسنا إلى ملابس غير رسمية أولاً. ثم ستقود أنت الطريق إلى الداخل يا ’غلوفر‘.”
ارتجف ’الزومبي‘، “لكن يا سمو الأمير…”
ومع ذلك، قاطعه ’تاليس‘ دون أي لباقة، “وتذكر يا ’غلوفر‘، بمجرد وصولنا إلى هناك…”
“سيكون اسمك…” تلاشت ابتسامة ’تاليس‘، وتحول صوته إلى برود جليدي.
“رافائيل ليندبيرغ.”
إن أعجبتكم الترجمة، أتمنى منكم دعمي بالدعاء لأهلنا وإخواننا في فلسطين والسودان، جزاكم الله خيرًا.
تمت ترجمته بواسطة رابط المناديل RK
✨ عضوية مميزة في فضاء الروايات ✨
🚫📢 تخلّص من الإعلانات المزعجة
💖 استمتع بتجربة قراءة سلسة ومميزات حصرية مقابل مبلغ رمزي
📌 ملاحظة: أرسل اسمك في الموقع عند الدفع ليتم تفعيل العضوية ✅
جميع ما يتم ترجمته في الفصول منسوب إلى المؤلفين، ونحن بريئون من أي معانٍ تخالف العقيدة أو معانٍ كفرية وشركية.
هذا مجرد محتوى ترفيهي فلا تدعه يؤثر عليك أو يلهيك عن دينك.
استغفر اللـه وأتوب إليه.