سلالة المملكة - الفصل 586
📏 حجم الخط
✍️ نوع الخط
🎨 الخلفية
🖥️ عرض النص
دعم سلالة المملكة لزيادة تنزيل الفصول :
سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم
الفصل 586: سواء أكان جلالته، وبالأخص إن كان جلالته
الأرك: لعنة المحنة الملكية
خرج ’تاليس‘ من زنزانة ’أنكر‘ عقب الاستجواب، وقد علا وجهه الوجوم وتملكه الذهول، وكأن لواعج نفسه قد أصابها الخدر.
وأمام ’رافائيل‘ و’نورب‘، تقمص ’تاليس‘ غريزياً هيئة وقار تليق بدوق ’بحيرة النجوم‘، متمتعاً برصانةٍ وجلال. واستحضر في ذهنه كل تفصيلٍ دار في ردهة الاستجواب، مدركاً كيف صاغت مكانته كلماته وأفعاله بعيداً عن مقاصدها الأصلية، مخلفةً آثاراً بعيدة المدى لا سبيل لردها.
لقد كان ذلك طالعه السعيد ولعنته في آنٍ واحد.
دنا رجال ’قسم الأسرار‘ من الأمير بكل تبجيل، بيد أنّ ريبهم ظل ملموساً وهم يسألونه: “ماذا أسرّ إليك يا سمو الأمير؟”
“لم يكن شيئاً ذا بال،” تذكر ’تاليس‘ صوته حينها، فقد كان هادئاً ومتحكماً كأن لم يحدث خطب. “لم يكن سوى رجلٍ يأبى التسليم بقدره، يتوسل طلباً للنجاة.”
لبث ’رافائيل‘ و’نورب‘ صامتين.
بيد أنّ نظرات ’رجل العظام القاحلة‘ استقرت عليه لبرهة أطول، فيما بدت تعابير ’نورب‘ أكثر تركيزاً وهو يمسح ما حولهم بنظره.
لكن كل ذلك لم يكن يهم حقاً.
“إنّ العربة على وشك التداعي؛ فماذا تنوي فاعلاً يا سيدي؟”
“تمسك بسيفك.”
كانت كلمات ’أنكر‘ الواهنة تخدش عقله كوحوشٍ جريحة، وأصداء صرخات اليأس تتردد فيه بلا هوادة، كأنها مخالب تُحك على حجر.
“سموك، تفضل من فضلك. المخرج من هذا الاتجاه،” قال ’نورب‘ وهو ينحني بإجلال وتواضع أمام ’تاليس‘ الذي بدا غارقاً في لجة أفكاره.
“تقتضي المراسيم ألا نعود من ذات الطريق الذي جئنا منه.”
وحين ظهر ’رافائيل‘ أمام ’تاليس‘ وبجانبه، ألقى نظرةً عابرة على ’نورب‘ قائلاً: “سأتولى أنا مرافقته للخارج.”
ابتسم ’نورب‘ وأومأ موافقاً، مؤثراً ألا يدخل في جدال. أما ’غاموس‘، فقد كانت نظراته تتقافز بين ’نورب‘ و’رافائيل‘، مختلساً النظر إلى ’تاليس‘ بين الفينة والأخرى.
بيد أنّ ’تاليس‘ ظل على ملامحه الفاترة.
لم يذكر الشاب سوى شكره لـ ’نورب‘ و’غاموس‘ بتهذيب قبل أن يمضي في طريقه بآلية تحت نظراتهم المليئة بالاحترام والود، وربما الزهو بلقائه.
“إذن، تقول إنك بدأت في تولي زمام الاستجواب اليوم فقط؟” درس ’رافائيل‘ تعابير ’نورب‘ الهادئة بدقة.
“هذا صحيح،” أجاب ’نورب‘ متبسماً ومومئاً وهو يراقب الأمير يبتعد.
ألقى ’رافائيل‘ نظرةً على ’أنكر‘ الفاقد للوعي.
“يا له من حظٍ عاثر،” علق قائلاً.
تحدث ’رجل العظام القاحلة‘ بنبرةٍ باردة وهو يلتفت ليلحق بالأمير.
“وملائمٍ أيضاً.”
ودع ’نورب‘ ’رافائيل‘ بانحناءة مهذبة. بيد أنه بمجرد أن توارى طيف الآخر عن الأنظار، اتخذت عيناه صبغةً عميقة وغامضة.
“حسناً، لقد غادر ذاك الأمير المزعج أخيراً،” قال ’غاموس‘ وهو يمسح عرقه، وقد بدا عليه الارتياح كطالبٍ أنهى امتحاناً عسيراً. عدّل مئزره مما جعل شحمه يهتز، والتفت إلى ’أنكر‘ العاري بتعبيرٍ مبهج. التقط زوجاً من الكماشات وأعلن: “الآن، يمكننا العودة إلى الحدث الرئيسي. شاهدني وأنا أعصره حتى الجفاف…”
“’غاموس‘.”
“نعم؟”
التفت ’نورب‘، وكان تعبير وجهه عصياً على التفسير.
“كف عن هذا،” أمر ’نورب‘ بحزم.
مشى ’غاموس‘ نحو ’أنكر‘ والكماشة في يده، بيد أنّ ابتسامته تجمدت في منتصف الطريق.
“حسناً، سأقوم فقط بـ— انتظر، ماذا؟”
دنا ’نورب‘ من ’أنكر‘ الفاقد للوعي بخطى ثابتة، متوكئاً على عصا، وملامحه تشي بعزمٍ راسخ.
“من الآن فصاعداً، لا ينبغي تعذيبه بأي شكلٍ من الأشكال، ولا حتى بشيء بسيط كحرمانه من النوم. وإن استدعى الأمر، فعليك تزويده بمسكنات الألم.”
بدا ’غاموس‘ مرتبكاً وهو يسأل: “إذن… ماذا نفعل بشأن الاستجواب؟”
هز ’نورب‘ رأسه وأجاب:
“لنتعامل مع هذا كرجال شرطة. في الوقت الحالي، سنقصر الاستجواب على التبادل اللفظي فحسب. يجب أن يكون ذلك كافياً.”
بعد العمل معاً لفترة طويلة، أدرك ’غاموس‘ النبرة الهادئة ولكن الحازمة في صوت ’نورب‘. تردد للحظة قبل أن ينطق.
“لكننا عدنا للتو إلى العاصمة بعد غيابٍ طويل، وقد عثرنا على قضيةٍ كبرى تمس ’الصحراء الغربية‘. إن لم ننتهز هذه الفرصة لإثبات فائدتنا… “
“لقد أثبتنا فائدتنا بالفعل، ” أعلن ’نورب‘، وعيناه تتجهان نحو الظلمة خارج الباب قبل أن ينحني ليتفحص أسيرهم بدقة.
“لقد حدث ذلك قبل لحظة فحسب.”
أثبتنا فائدتنا بالفعل؟
طرف ’غاموس‘ بعينيه وتردد، شاعراً بنوعٍ من الممانعة. أراد أن يؤكد وجهة نظره.
“لكنك ذكرت أنّ هناك احتمالاً بأنّ هذا الرجل لا يكشف عن كل المعلومات أو يخفي شيئاً قد يكون جوهرياً. لقد دمره المستجوبون الآخرون عملياً؛ يجب أن نستخلص منه بعض المعلومات قبل أن ينهار تماماً أو يُرسل إلى المشنقة. نحن بحاجة لتقديم شيء للورد ’هانسين‘…”
“لا،” قاطعه ’نورب‘ مرة أخرى، معتدلاً في وقفته وقابضاً على عصاه بقوة. “ثق بي.”
“لن يموت،” قالها. وبينما لا يزال ’غاموس‘ في حيرته، ألقى ’نورب‘ نظرة خاطفة على ’أنكر‘ المثخن بالجراح والكدمات، ونطق بصوتٍ خفيض:
“ليس اليوم.”
مشى ’تاليس‘ بخطى واسعة في الممر السفلي خافت الإضاءة التابع لـ ’قسم الأسرار‘، ولم يظهر تعبيره الصامد شيئاً مما يدور بداخله. لكنه في الحقيقة كان يشعر وكأنه يقف فوق ’برج الأمير الشبح‘ في ’مخيم أنياب النصل‘، يصارع الريح الجليدية والرمال اللاذعة، ويداه قد أصابهما الخدر من البرد.
“قالوا أيضاً… إن اضطررتُ لاستخدام هذا المفتاح…”
سار ’رافائيل‘ للأمام، وطيفه بالكاد يُرى وهو يشق طريقه.
“فعليّ أن أمنحه لك.”
لم يعودوا من حيث أتوا؛ بل مضوا عبر نقاط تفتيش متتالية، متجولين في الممرات التحت أرضية المتاهية. بيد أنّ ’تاليس‘ لم يكن يقوى على الاكتراث بشيء.
“ولك وحدك.”
شد ’تاليس‘ قبضته.
’لماذا؟‘
أحدق في الممر المظلم، وللحظة، شرد ذهنه إلى ’الصحراء الغربية‘، على بعد آلاف الأميال، حيث يقيم ذاك النبيل ذو المظهر البغيض المعروف بأساليبه الغريبة وضحكته الخبيثة.
منذ بضعة أشهر فقط، كان يبث آراءه لـ ’تاليس‘ بكل ثقة، مسدياً له النصح حول كيفية حكم المملكة. كان يمتلك رؤيةً فريدة وأظهر اهتماماً عميقاً بصالح الأمة ورعاياها.
ولكن لماذا؟
لقد كان هو العقل المدبر وراء ’أنكر‘، ممسكاً بالقطعة المفتاحية التي يمكنها إخضاع أسياد الإقطاع في ’الصحراء الغربية‘، بل وربما تتسبب في سقوطه هو شخصياً. ومع ذلك، اختار أن يمررها إلى… ’جاديستار‘.
كزّ ’تاليس‘ على أسنانه.
في البداية، تملكه الارتباك وعدم الارتياح. ولكن مع بدئه في استيعاب الموقف، اشتد قلقه، مما جعله يشعر بالاضطراب والهياج.
’لماذا؟‘
’سيريل فاكنهاز‘—هذا العجوز الوغد المتغطرس والمتكلف.
’ما الذي يمنحه الحق في التصرف بهذا المسلك؟‘
’من يظن نفسه؟‘
’بأي حق؟‘
’بأي منطق؟!‘
’بـ—‘
“هيه، إنه سليل أفاعي ’مورات‘!” صاح صوت رجلٍ بلهجة شمالية مميزة من خلف باب زنزانة، معيداً ’تاليس‘ إلى أرض الواقع.
“طال الفراق.”
غض ’رافائيل‘ الطرف عن لهجة الطرف الآخر المألوفة ومضى مسرعاً متجاوزاً باب السجن.
سليل أفاعي.
اعتلت ’تاليس‘ قشعريرة مألوفة غريبة بمجرد أن بلغت تلك الكلمات مسامعه. لقد أعادته إلى الأيام الخوالي في ’إيكستيدت‘، حين كان أرشيدوق ’أوركيد المرموقة‘، ’أولسيوس‘، يكيل له الشتائم، ناعتاً إياه بـ ’الأفعى الصغيرة لـ *كوكبة النجوم‘ بنبرةٍ مسمومة.
*( حتى الموقرة عبرت الأبعاد لتأتينا هنا)*
ومما زاد الأمر غرابة أنّ السجين الذي نطق بتلك الكلمات كان له لهجة شمالية واضحة.
شعر وكأنه قد نُقل عبر الزمن، إلى تلك الأيام في ’مدينة غيوم التنين‘ حين كان لا يزال قادراً على الصمود رغم المكاره، دون أثقالٍ تنوء بها الجبال، بل وكان يجد السكينة في قلب المحن.
’مدينة غيوم التنين‘.
ارتجف بؤبؤا ’تاليس‘، وتوقف عن المسير فجأة.
أدرك ’رافائيل‘ اضطراب ’تاليس‘، فقطب حاجبيه والتفت ليرى ما الذي استرعى انتباهه.
استدار ’تاليس‘ ببطء، مثبتاً نظره على الباب الحديدي الذي انبعث منه الصوت.
كان في الباب فتحة صغيرة، و’مصباح خالد‘ نادر الوجود في الممر يلقي ضوءاً شبحياً على الظل المبهم المرئي من خلالها.
“يا له من شرفٍ عظيم أن أحظى بزيارتك الكريمة،” انبعث الصوت مجدداً.
اتسعت عينا ’تاليس‘ ببطء.
استجمع أنفاسه ودنا أكثر، راجياً أن يلمح الطيف المتواري خلف الفتحة الحديدية.
فجأة، امتدت يدٌ من خلف ’تاليس‘، قابضةً على الفتحة الحديدية بقوة.
ظهر ’رافائيل‘ أمام ’تاليس‘، جاذباً الباب لإغلاقه بعنف وموثقاً إياه بإحكام.
“المخرج أمامنا يا سمو الأمير،” قال ’رجل العظام القاحلة‘ بهدوء، “أنت تتجه في المنحى الخاطئ.”
وقف ’تاليس‘ بلا حراك أمام زنزانة السجن، ونظراته مركزة بإمعان على الفتحة الحديدية المغلقة.
“لماذا؟” سأل وصوته مشوب بنبرةٍ جليدية.
“لماذا أغلقته؟”
تبسم ’رافائيل‘ رداً على ذلك وألقى بالسؤال ثانيةً على ’تاليس‘.
“ولماذا توقفت؟”
صمت ’تاليس‘ لبرهة، وعيناه لا تحيدان عن الفتحة الحديدية.
“افتحه،” قالها بثبات.
ضحك ’رافائيل‘ خفيةً، متخذاً موقفاً مستهتراً وعابثاً.
“إنه مجرد سجينٍ مفسد…”
نظر ’تاليس‘ حوله في الممر الضيق، ملاحظاً وجود عدة زنزانات أخرى شبيهة بتلك التي أمامه. وبدا واضحاً أنّ زنزانة واحدة فقط هي المشغولة حالياً.
كان السجين يقبع في حبسٍ انفرادي.
“افتحه يا ’رافائيل‘،” كرر ’تاليس‘ بهدوء.
كانت الأجواء في الردهة مشحونةً بالتوتر.
تلاشت ابتسامة ’رافائيل‘ وهو يتحدث بنبرةٍ أكثر رسمية، مخاطباً الشخص الذي أمامه: “سموك، هذا الفرد سجينٌ عالي المستوى يقع تحت سلطة ’قسم الأسرار‘ وشؤونه الداخلية…”
قاطعه ’تاليس‘ وتحدث بتروٍّ، مؤكداً على كل كلمة بنبرةٍ صلبة كالفولاذ:
“أنا آمرك يا ’رافائيل‘. افتح. الباب.”
قطب ’رافائيل‘ جبينه وقال: “سموك، وفقاً لقواعد ’قسم الأسرار‘…”
تصلبت تعابير ’تاليس‘، وانفجر إحباطه غضباً وهو يقاطع ’رافائيل‘: “افتحه فحسب، تباً لهذا الهراء!”
كل القمع والإحباط الذي تجرعه في ’قسم الأسرار‘ استحال غيظاً تفجر في صدره.
ورغم ثورة الأمير المفاجئة، ظل ’رافائيل‘ رابط الجأش فيما بدأت نظراته تزداد عمقاً.
وعجزاً منه عن كتمان صبره أكثر، خطا ’تاليس‘ خطوةً للأمام وقبض على المقبض دون تردد، جاذباً الفتحة الحديدية لتفتح برنةٍ معدنية دوت في أرجاء الممر.
لم يحاول ’رافائيل‘ منع ’تاليس‘، بيد أنّ البريق في عينيه كان حاداً ونافذاً، خالياً من أي دفء.
“ما الخطب يا ’رافائيل‘؟” رنّ الصوت ذاته مجدداً، مقطراً سخريةً وتهكماً.
“طال الفراق. أردتَ أن تدعوني لوجبةٍ دسمة؟”
ظهر وجهٌ يكسوه الشعر الكثيف عند البوابة، وأرسل صاحبه نظرةً باردة وغير مبالية نحو ’رافائيل‘.
أما ’تاليس‘، فبمجرد أن وقع بصره على وجه الشخص الآخر، اتسعت عيناه بغير تصديق.
“’جو‘؟”
تملك ’تاليس‘ الذهول والارتباك، مما جعله يهتف: “أهذا أنت حقاً؟”
تجمد الوجه ذو الملامح الشرقية الواضحة خلف البوابة لبرهة. التفت السجين نحو ’تاليس‘، وبدا عليه القليل من الحيرة.
أظلمت تعابير ’رافائيل‘، وأطلق زفرةً بالكاد تُسمع.
لم يصدق ’تاليس‘ ما رآه. دقق في كل شبرٍ من وجه السجين القادم من ’الشرق الأقصى‘، متشككاً في البداية بصوته ولكن الآن أصبح موقناً بصدق حدسه. لقد كان هو حقاً، بلا أدنى ريب.
منذ ست سنوات، لم يكن هذا الرجل سوى صاحب متجر جزارة متواضع في ’مدينة غيوم التنين‘، قدم له المأوى والطعام في صباحٍ كئيب تلا ليلة ’دم التنين‘.
“إنه أنت حقاً يا ’جو‘،” قال ’تاليس‘، ولا يزال في حالة عدم تصديق.
في لمحة بصر، انهمرت ذكريات ’مدينة غيوم التنين‘، و’شارع الغرب السريع‘، ومتجر الجزارة، و’الصعلوكة الصغيرة‘ في مخيلة ’تاليس‘.
بيد أنّ…
“من أنت؟”
نظر الرجل الشرقي الأشعث إلى ’تاليس‘ من خلال البوابة الضيقة وأشار نحو ’رافائيل‘ بابتسامةٍ ساخرة: “أهذه هي العشيقة المحرمة التي كنت تشتاق إليها؟”
لم يرد ’رافائيل‘ إلا بهمهمةٍ مستنكرة.
“أنا…”
نظر ’تاليس‘ إلى معرفته القديمة وشعر بموجة من المشاعر المعقدة. وبرؤيته حبيساً في هذه الزنزانة الضيقة والمنعزلة، كافح ليصيغ مشاعره في كلمات. أخذ نفساً عميقاً قبل أن ينطق:
“أتذكر ’ستمائة وخمسين‘؟”
ستمائة وخمسين.
تجمدت نظرات السجين وهو يعيد فحص الشاب ذي الملابس البسيطة والمرتبة الذي يقف أمامه، والذي يقل طولاً عن ’رافائيل‘ بنصف رأس فقط. وتدريجياً، أدرك هوية ’تاليس‘، وسرى شعورٌ بالارتياح في نفسه.
“آه،” استدار ’جو‘، وتوارى وجهه خلف البوابة الضيقة. ثم أصدر الباب الحديدي صوتاً مكتوماً: “إنه أنت.”
“إذن فقد نجوت أيها الأمير الصغير— لربما لم تعد صغيراً بعد الآن،” قالها بنبرة تفيض بالأسى والعاطفة.
“أنت وخادمتك الصغيرة لم تقعا في يد ذاك الـ ’كامياني‘ الماكر.”
الأمير الصغير.
كامياني.
أشعلت كلمات ’جو‘ ذكريات ’تاليس‘، ناقلةً إياه إلى متجر جزارة منذ ست سنوات. وفي مخيلته، رأى نفسه جالساً بجوار ’الصعلوكة الصغيرة‘، منحنيين فوق صحاف الحساء بقلوبٍ مثقلة وهما يغترفان المرق.
همهم ’رافائيل‘ في ضيق من أنفه.
“ما الذي يحدث هنا؟” سأل مستنكراً.
هرع ’تاليس‘ نحو الفتحة الحديدية، وصوته ملحّ وهو يخاطب ’جو‘: “لماذا أنت…”
توقفت كلمات ’تاليس‘ فجأة.
مهلاً…
إنّ صورة ’جو‘ عن الأمير لا تزال متوقفة عند ذاك الزمن، منذ ست سنوات حين اقتاده ’ماركيز شيلس‘ هو و’الصعلوكة الصغيرة‘ بعيداً.
اتسعت عينا ’تاليس‘ حين أدرك أنّ ’جو‘ يجهل تماماً ما حدث منذ تلك الليلة المصيرية، ناهيك عن القصة الذائعة للأمير الثاني لـ ’الكوكبة‘.
وبعبارةٍ أخرى…
امتعض وجه ’تاليس‘، وهو يحدق بإمعان في الظلمة وراء البوابة. ومن خلف الباب الحديدي، سمع ضحكة ’جو‘ المزدربة تتردد في الهواء.
أخذ ’تاليس‘ نفساً عميقاً، محاولاً تهدئة نفسه، قبل أن يسأل ’رافائيل‘ بنبرةٍ رصينة: “لقد سُجن هنا منذ ست سنوات،”
كافح الأمير لينطق: “لماذا؟”
شبك ’رافائيل‘ ذراعيه، وكان تعبيره كئيباً بعض الشيء.
“ست سنوات؟”
رنّ صوت ’جو‘، مليئاً بالدهشة والسخرية من الذات. “تباً، دون شمسٍ تهدينا، فمن الواضح أنّ إحساسنا بالزمن قد اختل.”
شعر ’تاليس‘ بثقلٍ في قلبه عند سماع هذه الكلمات. فكر في الحرس الملكي السابقين المودعين في ’سجن العظام‘، مستحضراً التنهيدات العميقة التي أطلقوها جميعاً حين علموا بمدة سجنهم.
“لقد أديت واجبك يا سمو الأمير،” قال ’رافائيل‘ بنبرةٍ جليدية. “لا داعي لتعقيد الأمور أكثر مما هي عليه بالفعل.”
ترددت ضحكة ’جو‘ مرة أخرى، ولم تتغير نبرتها أو حالتها.
كبح ’تاليس‘ المشاعر الغريبة في قلبه، باذلاً جهداً واعياً للتفكير بهدوء ومنطقية.
منذ ست سنوات…
بعد افتراقه عن ’جو‘، لابد أنّ خطباً ما قد أصابه.
خطبٌ جعله ينتهي به المطاف هكذا حبيس زنزانة.
عصفت ’خطيئة نهر الجحيم‘ بعقل ’تاليس‘، غاسلةً ذكرياته وجالبةً مشهداً قديماً:
“سموك، ألا تزال تذكر ما حدث في ’مدينة غيوم التنين‘ منذ ست سنوات؟”
في اليوم الذي فر فيه من ’مدينة غيوم التنين‘، تردد صدى كلمات ’بوتراي‘ من الممر السري في عقله:
“لا، ليس تلك الأحداث فحسب.
“في ذاك اليوم قبل ست سنوات، في الأصقاع المظلمة خارج ’قصر الأرواح البطولية‘ و’حي الدرع‘، حيث لم تكن أبصارنا تبلغ، وقعت أمورٌ أخرى.”
رفع ’تاليس‘ رأسه فجأة.
“في تلك الليلة يا ’رافائيل‘،”
ثبت نظره على ’رافائيل‘، محدقاً بتركيز في عينيه الضاربتين للسمرة الخفيفة.
“في ليلة ’دم التنين‘ بـ ’مدينة غيوم التنين‘،” نطق الأمير بصرامة، واصلاً لجوهر الأمر.
“بعيداً عن ’الكارثة‘، و’لامبارد‘، وما جرى في ’قصر الأرواح البطولية‘… ما الذي كنتم تنوون فعله أيضاً؟”
“ما علاقة هذا به… بـ ’جو‘؟”
بيد أنّ ’رافائيل‘ ظل ساكناً كتمثال، وتعبيره لا يشي بشيء من مشاعره المتأججة.
“ما الذي كنتم تفعلونه؟”
وبدلاً منه، تهكم صوت بلهجة شمالية رداً على ذلك:
“ما الذي كان يمكنهم فعله أيضاً؟ لا يزالون يتشبثون بالتقاليد المبجلة لـ ’قسم الأسرار‘، بل ويقبضون على عظامٍ قد سلبها الكلاب لحمها.”
التفت كل من ’تاليس‘ و’رافائيل‘ برأسيهما نحو الزنزانة؛ بدا ’تاليس‘ مرتبكاً، بينما أظلم وجه ’رافائيل‘ بحدة مكبوتة.
“تماماً كما يفعلون مع الجميع، بل وحتى معك،” نادى الشاب مباشرةً:
“الأمير ’تاليس‘.”
فتح ’تاليس‘ فاهُه لينطق، ولكن قبل أن يفعل، قاطعه ’رافائيل‘ بنبرةٍ بعيدة ومنفصلة: “سموك، رغم رغبتي في إجابة سؤالك، إلا أنّ هذه القضية لا تقع ضمن اختصاصي.”
ساءت تعابير ’تاليس‘ رداً على جفاء ’رافائيل‘.
“هراء، بل هي كذلك،” رد ’جو‘ من خلف الباب بنبرةٍ باردة قطعت كلمات ’رافائيل‘. “قبل ست سنوات، كنت أنت من عثر عليّ، أليس كذلك؟”
ضيق ’تاليس‘ عينيه وهو ينظر إلى ’رافائيل‘. لم تكن هذه المرة الأولى اليوم التي يصده فيها ’رافائيل‘.
أحدق ’رجل العظام القاحلة‘ في الظلمة وراء الفتحة، وعيناه مفعمتان بالرهبة:
“سموك، إنه لمن الاستثناء أصلاً أن يكون لك اتصالٌ خاص بـ مجرم. لا تكن متهو…”
“لقد قال اللورد ’هانسين‘…” انفجر ’تاليس‘ مقاطعاً ’رافائيل‘.
“إنّ سبب عدم اتفاقنا هو أننا نمضي دوماً في سبلٍ متفرقة ولا نلتقي أبداً،”
لبث ’رافائيل‘ صامتاً.
بيد أنّ ’تاليس‘ حصر نظراته في عيني ’رافائيل‘، وكأنه يحاول فك شفرة الأسرار المخبأة فيهما.
“هذه فرصةٌ عظيمة لتغيير المآل.”
ضحك الرجل الشرقي خلف الباب، وكان الصوت يحمل السخرية والازدراء. وفي الوقت نفسه، ظل ’رافائيل‘ هادئاً ورزيناً، صامداً أمام حدة نظرات الأمير النافذة، التي بدت قادرة على اختراق جدران الفولاذ.
“أخشى أنّ هذا ليس الزمان ولا المكان المناسبين،” أجاب ’رافائيل‘ ببرود.
وقف ’تاليس‘ و’رافائيل‘ على طرفي نقيض من باب الزنزانة الحديدي في الممر خافت الضوء، يتواجهان بصمت. وقد جعل ’المصباح الخالد‘ ظليهما يتطاولان، ممتدين كخطين متوازيين.
كانت بوابة الزنزانة تلوح بينهما، غارقةً في ظلمةٍ عميقة دامسة لا يبدو لها قرار.
“لقد أعانني، وأنا مدينٌ له بحياتي.”
شعر ’تاليس‘ بسكينةٍ عارمة تغشاه بينما كانت ’خطيئة نهر الجحيم‘ تسري في عروقه، مشحذةً حواسه ورافعةً مستوى وعيه بالممر الضيق. وكأنه كان يطل من نافذةٍ على لوحةٍ فنية، مراقباً المدى الواسع بداخلها.
“يجب أن أعرف سبب سجنه،” قال ’تاليس‘ بنبرةٍ باردة تخفي وراءها الإلحاح الذي يشعر به.
تلك الليلة.
تلك الليلة الحاسمة.
التي لم تحدد مصير أمتين قويتين والمشهد السياسي العالمي فحسب، بل لربما كانت تموج باضطراباتٍ خفية، دافنةً أسراراً لا تُحصى. لقد أثارت الريبة في نفس ’بوتراي‘، حتى دفعته لتجنب رقابة ’قسم الأسرار‘ وتحذير ’تاليس‘ سراً.
من الجليّ أنّ ’جو‘ كان قطعةً محورية في اللغز.
تحولت هالة ’رافائيل‘ ببطء من اللين والتحلل من القيود إلى حدةٍ ووعيد، مرسلةً قشعريرة في جسد ’تاليس‘. لم يعد الشخص الذي أمامه هو ذات الشاب الذي أنقذه من الأسر منذ ست سنوات، والذي خاطر بكل شيء لاحقاً ليقف بجانبه وهما يمضيان سوياً إلى ’قصر الأرواح البطولية‘.
وبدلاً من ذلك، وقف أمام ’تاليس‘ عضوٌ في ’قسم الأسرار‘ بهويةٍ غامضة ومقاصد مجهولة— ’رجل عظام قاحلة‘ مخيف وفتاك.
ورغم ذلك، أبى ’تاليس‘ الاستسلام وثبت نظره في عين الطرف الآخر بنظرةٍ مفعمة بالعزم.
“إن كنت تنوي مناشدة رحمتنا يا سيدي، فلعلك يجب أن تعلم هذا،” تعمق صوت ’رافائيل‘ وحمل نبرةً مزعجة، وتحذيره كان واضحاً جلياً:
“لقد ألحق بنا الأذى وسلبنا أرواحاً كثيرة.”
ألحق بنا الأذى.
ساد صمتٌ وجيز من جانب ’تاليس‘.
“لا أنوي إطلاق سراحه،” لانت تعابير الأمير قليلاً، بيد أنّ نبرته ظلت حازمةً وازدادت قوة. “أريد فقط الاستفسار عن شؤونٍ معينة— أسرار تخص عائلة ’جاديستار‘ المالكة.”
ضيق ’رافائيل‘ عينيه.
“أن تدرك المعرفة وتحتفظ بسريتها،” قالها باقتضاب ولكن بيقين، مرتلاً عقيدة الرئيس السابق لـ ’قسم الأسرار‘، ’رئيس الوزراء الحكيم‘ ’هالفا كرابيان‘:
“هذا هو واجب قسمنا.”
ومضت عينا ’تاليس‘ بنظرةٍ صارمة.
“لقد أغفلتَ الجزء الأول،” أشار موضحاً.
وقف الأمير صامداً، وصوته باردٌ وقاطع:
“أنتم ’أعين الملك وآذانه‘.”
همهم ’رافائيل‘ بغير اكتراث.
“حين تعتلي العرش،” جاء رد ’رجل العظام القاحلة‘ ليزيد الأجواء برودةً وتوتراً:
“حينها يمكننا الكلام.”
تعتلي العرش.
حافظ ’تاليس‘ على ثباته، ولكن تحت السطح، كانت ’خطيئة نهر الجحيم‘ تموج بداخله، مشحذةً غضبه وبروده ليصبح سلاحاً حاداً كالنصل.
انقبضت حاجبًا ’رافائيل‘، وتوترت يداه غريزياً.
“لقد أخطأت الفهم تماماً يا سمو الأمير، أيها الأمير الـ ’بالغ‘،”
تدخل صوت ’جو‘ في الحوار الجافي، مقطراً ذات السخرية والازدراء. “افتقادك للرابط مع ’قسم الأسرار‘ لا ينبع من سوء تواصل.”
التفت ’تاليس‘ و’رافائيل‘ برأسيهما نحو البوابة، حيث عاد وجه الرجل الشرقي للظهور. نقر بخفة على الباب الحديدي بنظرة ازدراء.
“إنه لأنك لا تزال بشرياً،” قالها، وهو يثبت نظره على ’رجل العظام القاحلة‘ بنظرةٍ باردة وكئيبة.
“لستَ… مسخاً.”
ظلت سحنة ’رافائيل‘ مجهولة، لا تفصح عن شعور، بينما درسه ’تاليس‘ بعينٍ فاحصة.
انفجر ’جو‘ ضاحكاً والتفت إلى ’تاليس‘ بتعبيرٍ متصنع بالرصانة: “أتعلم يا سمو الأمير؟ منذ ست سنوات، في نزلٍ يقع في ’حي الرمح‘ بـ ’مدينة غيوم التنين‘…”
وفي اللحظة التالية، تحركت ذراع ’رافائيل‘ بسرعةٍ فائقة مخلفةً طيفاً وراءها وهي تضغط على الفتحة الحديدية. استجاب ’تاليس‘ برد فعلٍ سريع كالبرق، ولكن بمجرد تلامس جلودهما، تغير تعبير ’تاليس‘ فوراً. قوةٌ هائلة، وألمٌ حاد، وشعورٌ غريب كأنّ اللحم يزحف سرى عبر يده.
كان ذلك…
فجأة، دويّ اصطدام معدني مزعج في الممر. أحدق بتعبيرٍ صلب في المشهد أمامه. كان يقبض بقوةٍ مميتة على معصم ’رجل العظام القاحلة‘، بيد أنه لم يستطع منع ’رافائيل‘ من إغلاق الفتحة الحديدية مجدداً، موارياً وجه ’جو‘ الساخر في الظلمة بفعالية.
لقد خسر.
اندفعت ’خطيئة نهر الجحيم‘ في عروق ’تاليس‘ كجحيمٍ مستعر، مشعلةً أطرافه بطاقةٍ نارية طردت الخدر والألم الباهت.
بزمجرة غاضبة، رفع رأسه وطالب: “افتحه.”
بيد أنّ ’رافائيل‘ لم يتزحزح، وذراعه تضغط بثبات على مقبض الفتحة الحديدية.
“سموك، تربطنا علاقةٌ جيدة وقد تشاركنا تجارب الموت والحياة،” تحدث ’رجل العظام القاحلة‘ بصوتٍ هامس. “أرجوك لا تضعني في موقفٍ حرج.”
هدرت ’خطيئة نهر الجحيم‘ مرة أخرى، يغذيها إحباطه. كزّ ’تاليس‘ على أسنانه واستجمع كل قواه، دافعاً بكل ما أوتي من عزم ضد ذراع ’رافائيل‘ التي لا تتزحزح. لكن الأمر كان كمن يحاول زحزحة صخرة عاتية، ولم تسفر جهود ’تاليس‘ إلا عن المقاومة.
أرخى ’تاليس‘ قبضته وزفر، مدركاً أنه قد هُزم. وتلاشى عذاب ’خطيئة نهر الجحيم‘ ببطء من يديه، مخلفاً وراءه أنيناً ساخطاً فحسب.
“أظنني فهمت الآن،” قال الأمير الثاني، ونظراته حادة كالسيف، تخترق عيني ’رافائيل‘:
“فهمت الآن لماذا لا يمكن أن تجتمع أنت و’ميراندا‘ أبداً.”
كشفت عينا ’رجل العظام القاحلة‘ عن تغيرٍ طفيف.
“ليست مكانتك هي ما يمنعك،” تابع ’تاليس‘ ببرود.
“بل أنت كشخص، ’رافائيل ليندبيرغ‘.”
وقف ’رافائيل‘ متجمداً، وتعبيره لا يُفسر، بينما نظر إليه ’تاليس‘ بإمعان وبدأ يتفكر في صمت.
ظلت جملة ’جو‘ غير المكتملة معلقةً في الهواء، لكنها كانت كافيةً لإشعال إدراكٍ في عقل ’تاليس‘. المعلومات التي قدمها الرجل الشرقي استقرت في مكانها كقطعة لغزٍ مفقودة، كاشفةً عن الخيط التالي:
القطعة المفتاحية التالية.
“أصغِ جيداً يا سمو الأمير. ما سأقوله لك تالياً هو شيءٌ لن يخبرك به ’جيلبرت‘، ذاك الثعلب العجوز المتظاهر بالتقوى، أبداً.”
تردد صدى تحذير ’بوتراي‘، المفعم بالريبة، في أفكاره:
“إنه ليس شيئاً سيخبرك به ’قسم المخابرات السرية للمملكة‘ الغامض للغاية أيضاً.
“تذكر يا سمو الأمير.”
“حين يتعلق الأمر بهذا الشأن… لا تثق بأحد…”
“نزل…” تمتم ’تاليس‘، وهو يحدق بهدوء ولكن بتركيز في ’رافائيل‘.
“ذكر ’جو‘ نزلاً في ’حي الرمح‘،” أضاف بنبرةٍ ثابتة ومتروية.
راقب بشعورٍ من الغبطة شحوب لون ’رافائيل‘ قليلاً.
بصوتٍ خفيض، قال ’رجل العظام القاحلة‘: “تلك نيته الخبيثة— أن يبذر بذور الشقاق والاضطراب في عقلك.”
لم يستطع ’تاليس‘ إلا أن يضحك بخفة. “لكنك أخبرتني بالفعل أنّ مقر ’قسم المخابرات السرية لمدينة غيوم التنين‘— والذي صدف أنه هو نفس بيت الشطرنج الذي جليتُ منه في ’حي الرمح‘— كان نزلاً قبل ست سنوات.”
كانت يد ’رافائيل‘ لا تزال تضغط على الفتحة الحديدية، ووجهه باردٌ كالثلج.
“لم أقل ذلك أبداً.”
خطا ’تاليس‘ خطوةً للأمام، والازدراء يرتسم على شفتيه.
“إذن لابد أنك نسيت،” قالها بنبرةٍ مفعمة بالاستخفاف.
ومضت عينا ’رافائيل‘.
اشتدت قبضته على مقبض الفتحة الحديدية، وسمع ’تاليس‘ الصوت الجليّ لالتواء المعدن.
قطب ’تاليس‘ جبينه وهو يراقب يدي ’رجل العظام القاحلة‘ النحيفتين والشاحبتين، مستحضراً العرض المذهل حين اقتحم الأخير السجن وسلب ست أرواح بضربة سيفٍ واحدة.
“هذا مستحيل،” نطق ’رافائيل‘ من بين أسنانه المشدودة، مفصحاً عن كل كلمة ببطء وروية. “من أين سمعتَ بذلك؟”
لم يسمح ’تاليس‘ لنفسه بأن يرهبه بأس ’رافائيل‘ المهيب، ودون أن يرمش، واجه عينيه المحمرتين بعينيه.
“’كلون بروك‘،” قالها.
وبمجرد أن خرجت الكلمات من شفتيه، لاحظ أنّ نظرة ’رافائيل‘ الجليدية ازدادت برودة. أحس ’تاليس‘ أنه على المسار الصحيح— فجواب اللغز يكمن هناك.
ودون أن تفوته لحظة، تابع ’تاليس‘: “لم يكن مجرد صاحب نزل. كان ’كلون بروك‘ أيضاً ضابط مخابرات من الدرجة الخاصة في ’قسم الأسرار‘ للمملكة. لقد عمل متخفياً في ’مدينة غيوم التنين‘ لعشرين عاماً. ولكن في ذاك اليوم العصيب، انقطعت حياته في حادثة سطو…”
بعد صمتٍ طويل، تحدث ’رافائيل‘ أخيراً بنبرةٍ مدروسة. “من أخبرك بهذا؟”
فكر ’تاليس‘ ملياً في مقر ’قسم المخابرات السرية‘ في ’حي الرمح‘ بـ ’مدينة غيوم التنين‘ والممر السري الذي أتاح له الهرب.
“لقد قابلتُ ’بروك‘ حين كنتُ في ’مدينة غيوم التنين‘. كان رجلاً حكيماً، ولا سبيل لأن يلقى حتفه في حادثة سطوٍ بسيطة.”
أطلق ’رافائيل‘ همهمةً باردة: “كنتَ مشغولاً جداً بمحاولة إنقاذ جلدك في ذاك اليوم. من المستحيل أن تكون قد قابلته.”
بيد أنّ ’تاليس‘ أبى التراجع:
“لقد قابلتُ الكثيرين،” عارضه ’تاليس‘، مستعيراً عبارة من ’ريكي‘. “وأنت… لستَ سوى جاهل.”
ظلت الكلمات معلقةً في الهواء، تاركةً ’رافائيل‘ صامتاً لبرهة طويلة.
“سموك، أخشى أنّ هذا لا طائل منه،” قال ’رافائيل‘ بغير اكتراث، وهو يتجه بنظره نحو الزنزانة حيث يُحتجز ’جو‘. “لا يمكنني تلبية طلبك غير المعقول.”
راقب ’تاليس‘ ’رجل العظام القاحلة‘، شاعراً بتصاعد إحباطه حين أدرك أنّ الرجل لا يستجيب للمنطق.
لن يتعاون.
تماماً مثل ’قسم الأسرار‘، لم يظهروا وداً للأمير قط، ناهيك عن طاعته.
لقد استنتج ’تاليس‘ هذا القدر.
فجأة، تذكر ’تاليس‘ كلمات ’العراف الأسود‘:
“سواء أحببتني أم لا، فهذا أمرٌ لا صلة له بالموضوع.”
تردد صدى كلمات ’العراف الأسود‘ في عقله:
“الأمر الهام هو، بغض النظر عن ذلك، أيمكنك تنحية المشاعر الشخصية جانباً واستخدامي لتحقيق نتائج ملموسة،”
“بينما تظل أنت ممسكاً بزمام الأمور؟”
ثبتت عينا ’تاليس‘ على ’رجل العظام القاحلة‘ الجافي. كظَم غيظه وشد قبضته ثم أرخاها تدريجياً.
“بالفعل، أنت على حق،” أكد دوق ’بحيرة النجوم‘.
“لا يمكنك مساعدتي.”
رفع دوق ’بحيرة النجوم‘ ذقنه قليلاً، مظهراً عدم اكتراث تام بمسلك الطرف الآخر.
“لعلي أذهب للعثور على ’نورب‘،” فكر ’تاليس‘ بصوتٍ عالٍ. ودون تردد، استدار على عقبيه ومضى عائداً من حيث أتى.
راقب ’رافائيل‘ طيف الشاب المبتعد بجبينٍ مقطب.
حافظ ’تاليس‘ على وتيرة خطاه الثابتة ولكنه تعمد جعل وقع أقدامه أثقل، ليرنّ الصوت كطبول الحرب في الممر خافت الضوء.
اشتدت نظرات ’رافائيل‘ مع مرور كل ثانية، حتى كاد طيف الأمير يتلاشى في الظلال.
في قرارة نفسه، علم ’تاليس‘ أنّ ’رافائيل‘ إما غير راغب أو غير قادر على تقديم العون الذي يحتاجه، وحتى ’نورب‘، الذي غاب عن ’قسم الأسرار‘ لسنوات وكان قد عاد للتو إلى العاصمة، قد لا يكون كفؤاً للمهمة المنوطة به.
ومع ذلك…
طرح جانباً أي هواجس ذهنية ومضى قدماً، مستحضراً مهارات التفاوض التي صقلها خلال أيامه كصعلوكٍ في الشوارع.
وأخيراً، حين خطا ’تاليس‘ خطوته العاشرة…
“سمو الأمير!”
توقف ’تاليس‘ في مساره، وقد كان توقفه دقيقاً. وبينما كان ظهره لا يزال موجهاً لـ ’رافائيل‘، سمح لابتسامةٍ صغيرة بأن تلوح على شفتيه.
وببطء، استدار لمواجهة ’رافائيل‘، وتعبيره صارمٌ وجاد.
أرخى ’رافائيل‘ قبضته عن الفتحة الحديدية، ولكن بدلاً من فتحها، بدأ في التحرك نحو ’تاليس‘ بخطى وئيدة ومدروسة.
“لا فائدة من طلب العون من أي شخص،” قال بصوتٍ خافت. “حتى وإن كان جلالته بنفسه.”
ساء مزاج ’تاليس‘.
جلالته.
’تباً للأمر.‘
“سموك.
“يجب عليك فعل هذا، وينبغي لك فعل هذا…
“عليك أن تنبش وتحقق وتثبت الحقيقة بشأن ’السنة الدموية‘ وأصلك.”
مستحضراً تحذير ’بوتراي‘، أخذ ’تاليس‘ نفساً عميقاً وطرح جانباً الأفكار المتعلقة بالشخص الجالس على العرش.
“حسناً، أنا على استعداد لخوض التجربة ورؤية ما سيقوله والدي،” قالها، وهو يستدير ليغادر مرة أخرى.
ولكن قبل أن يخطو خطوةً أخرى، رنّ صوتٌ خلفه.
“’شارلتون‘!”
تردد صدى الصوت على جدران الممر، مما جعل ’تاليس‘ يتسمر في مكانه.
’شارلتون‘.
’شارلتون؟‘
عند سماع ذاك الاسم الذي طواه النسيان طويلاً، شعر ’تاليس‘ بموجة من عدم الارتياح تغشاه. وانهمرت عليه ذكريات قوامٍ فاتن في ’حانة الغروب‘ والرعب الذي شعر به وهو يقفز من فوق ’جرف السماء‘.
“ماذا تعني؟” سأل الأمير الثاني، وصوته متزنٌ ومكبوح وهو يلتفت لمواجهة ’رافائيل‘. بدا وكأنّ الزمن نفسه قد تباطأ.
وقف ’رافائيل‘ أمامه، مستجمعاً أنفاسه وكأنه يحشد كل ذرة إرادةٍ يحتاجها لاتخاذ قرار.
“ذاك الرجل الشرقي يا سيدي، الذي تهتم لأمره، ’جو‘…” بدأ يسرد.
وبصوتٍ هامس، تابع ’رجل العظام القاحلة‘: “إنه حليفٌ مخلص لعائلة ’شارلتون‘. ولأكثر من عقدٍ من الزمان الآن، وهو يعمل في خفاء لصالح ’عائلة قتلة الملوك‘.”
’جو‘.
’ماذا… ماذا قال ’رافائيل‘ عنه؟‘
لم يتغير تعبيره، بيد أنّ عينيه فضحتا شعوراً متزايداً بغير التصديق.
’حليفٌ لـ…
عائلة قتلة الملوك؟‘
“أفهمتَ الآن؟” وبينما كان ينظر في عيني ’تاليس‘ الرماديتين، استعاد ’رافائيل‘ تعبيره الهادئ المعتاد.
“لا يهم من تلتمس لديه العون في هذا، فلن يجدي ذلك نفعاً.”
“حتى وإن كان جلالته.”
ضيق ’رجل العظام القاحلة‘ عينيه، وكانت كلماته لاذعة كالمدية:
“بالأخص إن كان جلالته.”
إن أعجبتكم الترجمة، أتمنى منكم دعمي بالدعاء لأهلنا وإخواننا في فلسطين والسودان، جزاكم الله خيرًا.
تمت ترجمته بواسطة ناقم الدجاج RK
✨ عضوية مميزة في فضاء الروايات ✨
🚫📢 تخلّص من الإعلانات المزعجة
💖 استمتع بتجربة قراءة سلسة ومميزات حصرية مقابل مبلغ رمزي
📌 ملاحظة: أرسل اسمك في الموقع عند الدفع ليتم تفعيل العضوية ✅
جميع ما يتم ترجمته في الفصول منسوب إلى المؤلفين، ونحن بريئون من أي معانٍ تخالف العقيدة أو معانٍ كفرية وشركية.
هذا مجرد محتوى ترفيهي فلا تدعه يؤثر عليك أو يلهيك عن دينك.
استغفر اللـه وأتوب إليه.