سلالة المملكة - الفصل 573
📏 حجم الخط
✍️ نوع الخط
🎨 الخلفية
🖥️ عرض النص
دعم سلالة المملكة لزيادة تنزيل الفصول :
سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم
الفصل 573: أنت حقاً كلب
لو سألت امرءاً من أهل مملكة الكوكبة عن أي الدواوين التابعة للملك هي الأكثر ترويعاً، لتمتم على الفور بعبارة: “ديوان الاستخبارات السري”.
لكنك لو سألته عن كنه ذلك الرعب وسببه، لألفيته عاجزاً عن الإتيان بجواب شافٍ.
أما بالنسبة لـ “تاليس”، فقد كان هذا الديوان بمثابة “خليل قديم”؛ فمنذ لقائه بـ “العراف الأسود” في قاعة مينديس، إلى غياهب السجن في مدينة سحب التنين، وصولاً إلى لقائهما العاجل في مخيم أنياب النصل، تواترت لقاءاتهم حتى غدت أكثر من أن تُحصى.
ولكن، واأسفاه، لم تكن تلك اللقاءات مبهجة على الإطلاق.
والآن، يقف أمام ناظريه ذلك الديوان الغامض الذي لم يفتأ يعمل منذ عصر “ملك النهضة”، وهو أعلى جهاز استخباراتي في المملكة.
“أهذا هو ديوان الاستخبارات السري؟”
ترجل تاليس من العربة، وأخذ يجيل بصره في ذلك القصر الواقع في الضواحي الجنوبية لمدينة النجمة الأبدية: تحيط به أنهار صغيرة، وتكتنفه حقول مقفرة؛ أسواره منخفضة يغلب عليها الطابع الريفي، وبناؤه يشي بعراقة ضاربة في القدم.
بل كان هناك بيت ريفي ومستودع، وأراضٍ حرجية بدا جلياً أنها تُركت لتنمو على سجيتها لسنوات طوال.
كان المكان عادياً، بل ومطمئناً.
ولولا قلة القاطنين في تلك البقعة الفسيحة، لظنه المرء قصراً نبيلاً عادياً في ضواحي المدينة.
“لعلهم انتزعوا هذا المكان من يد إحدى العائلات النبيلة،” هكذا تكهن تاليس في خلدِه.
“لقد كان كذلك طوال العقد المنصرم، نعم.”
أومأ رافائيل لسائق العربة، فانطلق الأخير دون نبسة ببنت شفة، وتوارى عن أنظار تاليس وسط قرقعة حوافر الخيل.
بدا وكأنه قروي عادٍ يمضي في سبيله.
ثم حث الرجل المنتمي لـ “العظام القاحلة” الأميرَ نحو البوابات الحديدية للقصر القريب.
لم ينبعث من القصر أي صوت؛ بل ساد صمت مطبق يكاد يشبه صمت القبور.
“لا أرى حراساً كثر.”
كتم تاليس قلقه، ووطأ بقدميه أرضاً افترشتها أوراق الخريف، مقتفياً أثر رافائيل نحو البوابات الحديدية.
لكنه سرعان ما استبان أمراً مريباً: انبعث غرابان أسودان من الغابة الكثيفة، وحلقا فوق رؤوسهما قبل أن يلجا القصر الريفي.
“لا حاجة لنا بهم.”
مضى رافائيل في خطاه بأسلوب ينم عن رباطة جأش، وأردف: “المتسللون العاديون لا يشكلون أي تهديد لنا.”
رفع تاليس حاجبيه متسائلاً: “وماذا عن غير العاديين؟”
في تلك اللحظة، قف شعر رأس تاليس حين تناهى إلى مسامعه صفير الريح.
*( جاوب عليه)*
وتحت زئير “خطيئة نهر الجحيم” المحذر، التفت بسرعة البرق!
لكن الوقت كان قد فات.
إذ هوى ظل داكن من كبد السماء كالقضاء المستعجل.
وانقض مباشرة نحو تاليس!
“لا!” صرخ رافائيل بصوت مزيج من الذعر والغضب.
استغل تاليس سرعة رد الفعل التي وهبتها له “خطيئة نهر الجحيم” واتخذ وضعية “جسد الفولاذ”.
ثد.
اقترب ذلك الظل الأسود العظيم في طرفة عين وارتطم بصدر تاليس!
فطوح به بعيداً لعدة أقدام.
شعر تاليس بوطأة الاصطدام في ذراعه، تلاها ألم في ظهره جراء ارتطامه بالأرض واحتكاكه بها.
كما سمع استغاثة عظام جسده وعضلاته كافة، وكأن بنيانه أوشك على التداعي.
“كلا، كلا…”
وبينما كانت “خطيئة نهر الجحيم” تمور في عروقه، كز تاليس على أسنانُه وفتح عينيه وسط الآلام.
لكن الأمر لم ينتهِ عند هذا الحد.
فقد أطبق ذلك الظل الداكن على تاليس، وكبّل ساقيه، وثبت كتفيه، وألقى بكل ثقله العظيم على صدره، مما جعل الشاب عاجزاً عن الحراك ومخنوق الأنفاس.
اندفع المهاجم بصلابة واقترب من وجنة تاليس، حتى غدا بوسع الأخير أن يشعر بأنفاسه العنيفة والحادة والدافئة.
“كلا.”
صارع تاليس بكل ما أوتي من قوة.
وأقسم في قرارة نفسه أنه في المستقبل، ومهما بلغت المشقة أو الريبة، فإنه سيحمل “جي سي” أو “الحارس” معه أينما حل، ولن يترك نفسه أعزلاً أمام أي هجوم.
انحنى المهاجم نحو عنق تاليس واستنشق أنفاساً عميقة، كل نفس كان أطول مما سبقه، وكأنه ينتشي بتلك اللحظة.
تلعثم رافائيل من شدة السخط: “لا! إدوارد—”
فجأة، شعر تاليس بدفء على وجنته.
*( قبله؟؟؟)*
شيء ناعم، رطب، ولزج غطى جزءاً من بشرته تحت عنقه.
*( لا احاااا دي مو قبلة دي لعقة)*
وانزلق ببطء على جانب وجهه، من ذقنه إلى وجنتيه، وصولاً إلى عظام الوجنة.
كان ملمساً لاهباً ودافئاً وناعماً.
وكانت تفوح منه رائحة… غير مستساغة نوعاً ما؟
بُهت تاليس مما حدث.
انسحب المهاجم عن وجنته، تاركاً وراءه سائلاً لزجاً.
وجعلته الرياح العابرة يشعر ببرودة غريبة.
“هاه؟”
وقبل أن يبدي أي ردة فعل، أطبق عليه ذلك الظل الداكن مرة أخرى وسط أنفاس حادة ومتوقدة.
ومرة أخرى، غطى إحساس دافئ ورطب فم تاليس، وأنفه، وجبينه، وأذنه…
*( لو اللي في بالي حصل راح افشر على حد النهاردة)*
تكرر الأمر مراراً وتكراراً.
ولم يقو تاليس على فتح عينيه.
واستمر المهاجم في لهاثه، وكانت أنوفهم وشفاههم تلامس بشرة تاليس مراراً وهم يلتصقون به، وبدا عليهم حماس شديد.
سيطر الذهول على تاليس، حتى إن “خطيئة نهر الجحيم” قد تلاشت دون أثر.
“ما هذا… يا تُرى؟”
“إدوارد… هذا هو الأمير تاليس. إنه لا يشكل أي خطر!”
أخيراً، ظهرت ذراع الرجل المنتمي لـ “العظام القاحلة” حول عنق المهاجم وهو يحاول جره بعيداً عن تاليس.
ووسط احتجاجات المهاجم الساخطة، شعر تاليس بانزياح الثقل عن صدره. وبعد أن نال أخيراً متسعاً من المساحة، رفع بصره.
فصُدم الأمير مما رأى.
فإن الشيء الذي أطبق عليه لم يكن سوى كلب أسود عظيم الحجم.
*( الحمد لله ما خسرت حسنات لسة)*
“ووف ووف!”
كان رافائيل يكبح جماح ذلك الكلب الشرس من عنقه ويجره إلى الخلف، وبدا عليه الإعياء من جراء ذلك.
تعرف تاليس على فصيلته.
لقد كان من فصيلة “كلاب الذئب الغاضبة”.
وهي فصيلة اشتُهرت بشراستها، وكانت دوماً المعين الموثوق لنبلاء الكوكبة في رحلات الصيد. وقديماً، كان للزعيم موريس من الأخوية —رئيس كويد وريك— كلب ذئب غاضب مهيب أيضاً. وفي لقائه العابر مع تاليس في الزقاق الخلفي لحانة الغروب، كان لعوباً بالمثل. لكنه كان نوعاً من “اللعب” غير الودي، إن جاز التعبير.
وكان لهذا الكلب الضخم الماثل أمامه سمات مماثلة: من أنيابه الحادة إلى هيئته الشرسة.
إلا في أمر واحد.
لقد كان…
ضخماً زيادة عن الحد.
شخص تاليس ببصره نحو العراك الذي يدور أمامه:
رغم أن رافائيل كان نحيلاً، إلا أنه لم يكن قصيراً بحال.
لكن حتى بحجمه هذا، كان يصارع لكبح جماح الكلب العظيم. بدا وكأنه طفل يحاول احتضان جذع شجرة عتيقة تفوق حجمه بضعفين.
وكان الكلب ذو المظهر الشرس ينظر بحماس إلى تاليس، الذي لا يزال ملقى على الأرض، وهو يلهث بشدة ويلعق لعابه بين الحين والآخر.
“سابور!”
صرخ رافائيل بغضب، وقد عجز عن الإمساك به لفترة أطول: “اسحبه!”
ومع اقترابه، سُمع صوت عميق وكسول يقول: “قادم، قادم. على رسلك.”
ظهرت يد يمنى لا تملك سوى ثلاثة أصابع أمام تاليس، وأمسكت بعنق الكلب الضخم وأحكمت قبضتها عليه بمهارة فائقة.
أخيراً، شعر تاليس بالراحة، وكأن شخصاً قد أزاح عنه ثلاث طبقات من الأغطية الثقيلة في وهج الصيف.
نبح الكلب العظيم نباحاً يصم الآذان، معبراً عن استيائه من جره بعيداً.
“المعذرة يا سيد رافائيل. كان إدوارد يتنزه، وقد غفلتُ عنه برهة…” اعتذر الصوت الكسول بغير إخلاص وهو يتعامل مع احتجاجات الكلب.
وقف تاليس، الذي سرى الخدر والألم في جسده من قرنه إلى قدمه، مستنداً إلى يد رافائيل.
“تباً… ما هذا الشيء؟”
نفض تاليس الغبار عن ثيابه وهو لا يزال تحت تأثير الصدمة، ومسح اللعاب عن وجهه بكم قميصه.
تنحنح رافائيل بحرج.
“سموك، أعتقد أنك قد تعرفت الآن على إدوارد. إنه أحد… حراسنا.”
لوح الرجل المنتمي لـ “العظام القاحلة” بيده نحو الكلب الضخم؛ فأدت حركته المبالغ فيها إلى نباح الكلب بجنون: “ووف! ووف!”
صر الكلب على أسنانه وبدا شرساً.
ولكن عندما أوشك الكلب الشرس على الاقتراب، امتدت تلك اليد اليمنى ذات الأصابع الثلاثة لتوقف إدوارد.
“كما تعلم، فإن الحارس… إدوارد لا يحب أن يُقدم بهذه الطريقة. إنه يظن أن هذه هي أرضه، وأنه هو السيد هنا.”
شخر رافائيل ساخراً: “أحقاً هذا ما يظنه.”
أما الشخص الذي كان يكبح جماح إدوارد —وهو رجل في منتصف العمر ذو وجه هزيل وهالات سوداء حول عينيه وكأنه لم يذق طعم النوم منذ أمد— فقد تجاهل زمجرة إدوارد وانحنى نحو تاليس قائلاً: “دوق بحيرة النجوم، إنه لمن دواعي سروري أن أحظى بمعرفتك.”
راقب رافائيل الكلب بحذر وشرع في التعريف: “هذا سابور، وهو أفضل مقتفٍ للأثر في ديوان الاستخبارات السري بالمملكة.”
هز سابور كتفيه وقال: “وبواب، وماسح لفضلات الكلاب أيضاً.”
بدا الكلب منزعجاً من أمر ما مرة أخرى: “ووف! ووف!”
“حسناً حسناً، خطئي،” هدأ سابور روع إدوارد، “أقصد أنني البواب، والشخص الذي يجمع قذارتك…”
“مقتفٍ للأثر، وبواب، وماسح فضلات…”
أومأ تاليس برأسه وهو يمسح ما تبقى من السائل المجهول عن وجهه، ورد على تحية سابور بارتباك، لكن عينيه لم تنفكا تزيغان نحو إدوارد.
كلب الحراسة في ديوان الاستخبارات السري.
وعندما رأى قوائمه الأمامية التي كانت أغلظ من فخذيه، وطوله الذي يصل إلى كتف الشخص العادي رغم وقوفه على قوائمه الأربع، واستحضر صدمة ارتطامه التي تضاهي هجمة الفرسان الثقيلة، ابتلع تاليس ريقه وجلاً.
“إنه ضخم جداً! هذا ضرب من الخداع!”
وعندما لاحظ الكلب الأسود العظيم أن تاليس يتفرس فيه، خفض وتيرة نباحه.
“ياوول~”
كف الكلب إدوارد عن إظهار أنيابه الحادة وأخرج لسانه، وانفرج فكه الواسع وهو يهز ذيله بحرية.
“من الواضح أنه يحبك يا صاحب السمو،” قال سابور وهو يقطب جبينه برزانة.
فتح إدوارد فمه المخيف وأخذ يلهث، ولم يستطع إخفاء لعابه المنهمر. ونظر إلى تاليس بعينين صافيتين كالسحاب.
كانت السعادة ترتسم على وجهه، وجسده يفيض بالحيوية.
سارع تاليس بخفض رأسه لتجنب التقاء الأعين، وبدأ في تسوية ثيابه المبعثرة.
“نعم، هذا جلي.”
أمسك سابور بطوق إدوارد بيد وحك ظهره بالأخرى، مهدئاً من روع الكلب الذي كان يتوق للاندفاع نحو الأمام. “لم ينقض على أحد منذ أمد بعيد. المرة الأخيرة كانت منذ زمن…”
تنحنح رافائيل ورمق سابور بنظرة تحذيرية. “سأفتح البوابة. وعليك أن تكبح جماح كلبك.”
أشاح سابور بوجهه غير مبالٍ. فصر إدوارد على أسنانه مجدداً.
“ووف! ووف!”
“لقد أسأت الفهم. لم يكن رافائيل يتحدث عنك، بل كان يتحدث عني. أن يكبح جماحي أنا…”
خطا الرجل المنتمي لـ “العظام القاحلة” نحو البوابات الحديدية.
حدق سابور في ظهر رافائيل، ثم في الكلب الضخم بجانبه الذي استمر في التقدم ببطء، وكان الحماس بادياً عليه تجاه تاليس. “تؤ تؤ، اللورد هانسن لن يكون مسروراً…”
كتم تاليس خوفه من إدوارد وسأل: “ولماذا؟”
“ألا تعلم؟”
سحب سابور طولاً من السلسلة ( “من ذا الذي يقيد كلباً بسلاسل فولاذية!” — هكذا سيكون تذمر الأمير لاحقاً) وثبتها في طوق إدوارد.
خطا خطوة نحو تاليس (فتراجع الأمير لا شعورياً خطوة للخلف) وقال بصوت خفيض: “تشيع الأقاويل في ديوان الاستخبارات السري بأن ساق اللورد هانسن قد قُضمت من قِبل كلب شرس ومرعب.”
“أوه؟ ساق العراف الأسود؟” بدأ تاليس يعير الأمر اهتمامه.
“لكن الجدل لا يزال قائماً حول هوية ذلك الكلب. بل إن هناك مراهنة مفتوحة حول الأمر. ولكن، تؤ تؤ، لو سألتني،” لمح سابور إلى الكلب الضخم بجانبه ثم سأل بسخرية: “أتفهم ما أعنيه؟”
نبح الكلب العظيم نبحة واحدة بحماس، ولم يفتُر شوقه نحو تاليس.
تراجع تاليس خطوة وأومأ برأسه في تيبس.
وعلى مقربة منهما، اقترب رافائيل من البوابات الحديدية، وشمر عن ساعديه ولوح بإصبعه في الهواء.
والأمر الأكثر غرابة هو أنه مع رقصات إصبعه، تشكلت تموجات في الهواء أمام البوابات الحديدية، تشبه سطح الماء المنعكس عليه الضوء.
قطب تاليس جبينه: “ماذا يفعل؟”
“نقوش عروق سحرية،” أجاب سابور وهو ينظر تارة إلى الأمير وتارة إلى إدوارد، مكملاً بغير اكتراث: “خدعة من برج الأرواح. لا تُرفع التعويذة إلا برسم النقش المقابل لتعويذة الختم. وبالمقارنة، فأنا أفضل برج الخيمياء؛ فهم من دعاة الكلاسيكية — أقفال ومفاتيح.”
تذكر تاليس أمراً ما: “ولكن إن لم تخني ذاكرتي، فإن السحر محظور؟”
هز سابور رأسه قائلاً: “بل منسي.”
رفع تاليس بصره في ارتباك: “ماذا؟”
جذب سابور سلسلة إدوارد وحك ظهره مجدداً ليمنعه من الانفلات والاقتراب من تاليس. “السحر قد نُسي، ولم يُحظر.”
تغيرت تعابير تاليس: “منسي ومحظور، هل هناك فرق؟”
هز سابور كتفيه: “من حيث النتائج الفعلية، لا. ولكن من حيث الدوافع والغايات…”
في تلك اللحظة، نادى رافائيل: “سابور، هذا يكفي.”
وفي لحظة ما، كان الرجل المنتمي لـ “العظام القاحلة” قد التفت، وانفتحت فجوة بين البوابات الحديدية خلفه.
لوح سابور بيده بغير مبالاة وتمتم: “حسناً…”
ولكن قبل أن ينهي كلامه، تغير المشهد فجأة!
وثب الكلب العظيم، إدوارد، واندفع نحو البوابات الحديدية!
ذعر تاليس.
ولعله لعدم استعداده، أو لعله لعجزه عن الإفلات في الوقت المناسب، سُحب سابور المذعور هو الآخر إلى الأرض بفعل السلسلة، وجره إدوارد نحو البوابات الحديدية.
وفي الثانية التالية، ارتطم جسد إدوارد الضخم برافائيل أمام البوابات!
واهام!
طوح بالرجل المنتمي لـ “العظام القاحلة” بعيداً فسقط على الأرض على بعد عدة أقدام وهو يئن.
أما سابور فقد قذفت به السلسلة جانباً، وبعد أن تدحرج عدة مرات، تُرك هو الآخر يئن على الأرض.
تأمل تاليس المشهد أمامه بذهول: رجلان ناضجان قد طرحهما كلب أرضاً.
“هل… هل أنتما بخير؟”
“لقد قلتها، أليس كذلك؟ هذا الكلب ضخم جداً!”
ولكن ما حدث بعد ذلك كان أكثر غرابة.
وأمام تاليس المبهوت، قام الكلب الأسود العظيم —والسلسلة تتبع خلفه بحرية— بصدم أحد جانبي البوابة ليفتحها، ثم التفت بحماس وصدم الجانب الآخر من البوابة ليفتحه.
وبعد قيامه بذلك، التفت ببهجة لينظر نحو — تاليس.
صُعق الأمير: “انتظر لحظة، ههه. ماذا كان اسمك؟ كلب طيب. إدوارد، أليس كذلك؟ أنا، أنا لا أعرف هذين الرجلين… إذا كان لك ثأر عندهما…”
ولكن في اللحظة التالية، زمجر إدوارد وانقض مباشرة نحو الشاب!
“لا. لا لا لا! لا تأتِ إلى هناااا—”
تراجع الأمير المذعور ست خطوات. وفي النهاية، ضرب بالآداب الملكية عرض الحائط والتفت ليهرب!
لقد كان ضخامة إدوارد أمراً، وسرعته أمراً آخر لا يقل ترويعاً.
لم يخطُ تاليس خطوات معدودة حتى تجاوزه الكلب الضخم وانقض أمامه!
“يا للسامين!”
رفع تاليس ذراعيه لا شعورياً كدرع يحمي به نفسه.
ولكن لحسن الحظ، لم ينقض إدوارد بتهور كما فعل من قبل.
بل توقف ببراعة على مسافة قريبة من تاليس وأخذ يئن بوداعة، وكأنه يذكره بشيء ما.
“هاه؟” خفض تاليس ذراعيه في ارتباك.
اقترب الكلب الضخم بحذر.
وهذه المرة، وعندما نظر في عينيه الوديعتين، لم تبدِ “خطيئة نهر الجحيم” في تاليس أي رد فعل.
أخرج إدوارد لسانه، وهز ذيله، ودار بجسده —الذي كان بحجم تلة صغيرة— حول نفسه مرتين.
“ووف! ووف!”
نبح مرتين نحو البوابات المفتوحة؛ كانت نظرته وديعة ونباحه ودوداً.
وبعد أن استشعر تاليس مودة الكلب، حدق في الباب البعيد، ثم خفض ذراعيه في حيرة وأشار إلى نفسه: “أنا؟”
ازداد حماس الكلب العظيم عندما تلقى رداً.
وهذه المرة، هز ذيله ونبح مرة واحدة تجاه تاليس قبل أن ينبح مرتين تجاه البوابات الحديدية: “ووف! ووف ووف!”
وتحت ضغط نظرات التوقع من الكلب، قدر تاليس طريقه المسدود والرجلين الملقيين على الأرض في البعيد، فابتسم قسراً: “تقصد… البوابات؟”
“ووف!”
وثب الكلب عند عقبي الأمير (الذي امتقع لونه) وجرى حوله مرتين قبل أن يدفعه للأمام من الخلف.
“حسناً، حسناً. سأذهب…” سار تاليس القلق للأمام وهو لا يزال تحت تأثير الحيرة.
ومشى إدوارد بجانبه، يلعق ظهر يده بين الحين والآخر ويمسح جسده بذراع الشاب.
إلى أن وصلا إلى البوابات الحديدية.
“أوه.” وقف تاليس أمام البوابات الحديدية، ففهم الأمر وبدأ يهدأ.
“تقصد… أنك قد فتحت البوابات لي؟”
“ووف!” نبح إدوارد ببهجة لم يسبق لها مثيل.
“كلب طيب، طيب جداً.” كتم تاليس قلقه ومد يده بتردد ليحك رأسه الفروي بارتباك: “شكراً… شكراً لك؟”
أمال إدوارد رأسه جانباً ولسانه يتدلى، وبدا عليه السرور.
كان مستمتعاً بالأمر حقاً.
ومن ناحية أخرى، كان رافائيل يتمتم وهو يحاول النهوض بصعوبة. نفض الغبار عن نفسه ورمق سابور، الذي كان هو الآخر يعدل هندامه، بنظرة غاضبة.
“حسناً، كلنا نعلم أن إدوارد ذكي،” قال سابور بصرامة. اقترب ليمسك بسلسلة إدوارد وتولى مهمة حك رأسه بدلاً من تاليس. “ولكن هذه هي المرة الأولى التي يفعل فيها هذا.”
زمجر إدوارد في وجهه بتذمر ووعيد.
“من الأفضل أن ندخل بسرعة.” راقب رافائيل الكلب الضخم بحذر وبدا عليه الضيق. “يبدو أنه لم ينتهِ بعد ويريد المزيد.”
وهكذا، التفت تاليس للمرة الأخيرة ليلوح بيده مودعاً إدوارد بارتباك.
فعوى كلب الذئب الغاضب بحماس رداً على ذلك. وبينما كان يهم بالتحرك للأمام، كبحه سابور.
وبصوت “كليك”، أُغلقت البوابات.
لتحجز خلفها كلاً من سابور المنزعج، والكلب العظيم إدوارد الذي كان يأبى فراق تاليس.
“سابور.” نادى رافائيل من خلف البوابات الحديدية، وهو ينظر إلى الكلب الضخم بريبة: “دوق بحيرة النجوم يسافر في مهمة خاصة، أتفهم ذلك؟”
“أفهم. سأخبرهم فحسب.” هز سابور رأسه غير مبالٍ: “سأقول إن غزالاً بريئاً ولطيفاً قد اقتحم عرين إدوارد بالخطأ.”
زمجر الكلب العظيم.
“حسناً، حسناً! لقد فهمت!”
حك سابور عنق إدوارد في يأس: “سأقول إنه كان ذئباً كبيراً. ذئباً، أهذا يرضيك؟ لن يلحق بسمعتك أي ضرر… أقسم لك، الكلاب الأخرى ستنبهر بك حقاً…”
وبينما كان تاليس يستمع إلى ذلك الجدال بين الرجل والكلب الذي أخذ يتلاشى خلفه، شعر بخوف باقٍ في قلبه.
“هل يستطيع سابور التحدث مع الكلاب حقاً؟”
ضحك الرجل المنتمي لـ “العظام القاحلة” قائلاً: “إنه يظن أنه يستطيع.”
“ماذا يعني ذلك؟”
“على الأقل حسب قول اللورد هانسن، فإن سابور نفسه يؤمن بذلك منذ عقود.” هز رافائيل رأسه بغير اكتراث: “أما إذا كان ذلك حقيقة… فلا يعلم ذلك إلا الكلب.”
ضحك تاليس.
أمسك بياقة قميصه واستنشق الرائحة في الموضع الذي عضه إدوارد.
فقطب الأمير جبينه على الفور.
إذ لم تخنه حاسة الشم.
لقد كانت رائحة…
دم طازج.
“إذاً يا صاحبي القديم، بعيداً عن الطعام، متى كانت آخر مرة انقضضت فيها على شخص بهذا الشكل؟”
خارج البوابات الحديدية، أخرج سابور دفتراً قديماً وفتح غلافه الذي كُتب عليه: “إياك أن تُؤكل!”.
وبينما كان يستمع لنباح إدوارد، شرع يدوّن شيئاً ببهجة: “ماذا؟ الرائحة، تقول؟ نفس الرائحة؟ كلب؟ كلب آخر؟”
اتسعت عينا سابور.
“ماذا؟ كلب ضخم؟ كلب ضخم في منزله؟ كلب قوي؟ كلب نشأ في منطقة نفوذ؟ كلب يربي الكلاب؟ كلب تهابه كل الكلاب الأخرى؟”
*( هل يقصد مالوس يا ترى؟)*
استوعب سابور الأمر.
“كلب ضخم، كلبه الضخم، كلب يربي الكلاب… أوه، لقد فهمت الآن…”
وضع قلمه وبدأ يربت على رأس إدوارد وهو يحدق في جسد تاليس الراحل.
“ما تريد قوله هو—”
حدق كلب الذئب الغاضب في كف سابور، ولعق اللعاب عن أسنانه وأطلق زمجرة تحذيرية منخفضة.
“أمه؟”
استحالت نظرة الكلب إلى برود قاتل.
وفي الثانية التالية، شد الكلب الشرس عضلاته ورفع رأسه للأعلى!
كلاك!
رن صوت اصطكاك الأسنان في الأرجاء.
سحب سابور يده بسرعة ومهارة في اللحظة الحاسمة.
“أرى ذلك. حسناً، بما أنك متنمر هكذا…”
*( عرفنا سبب الاصبعين الناقصين)*
لم يبدِ سابور أي علامة على الخوف، بل رفع يده اليمنى التي لا تملك سوى ثلاثة أصابع ونظر إلى الكلب الغاضب بابتسامة: “أقول، ربما لا تكون أمه من البشر… ولكنك أنت الكلب حقاً!”
أطلق إدوارد عواءً مكتوماً.
ثم التفت بازدراء، ومط مخالبه وهز ذيله، وعاد إلى نزهته بخطى متبخترة ومهيبة.
إن أعجبتكم الترجمة، أتمنى منكم دعمي بالدعاء لأهلنا وإخواننا في فلسطين والسودان، جزاكم الله خيرًا.
تمت ترجمته بواسطة لورد الزبادي RK
✨ عضوية مميزة في فضاء الروايات ✨
🚫📢 تخلّص من الإعلانات المزعجة
💖 استمتع بتجربة قراءة سلسة ومميزات حصرية مقابل مبلغ رمزي
📌 ملاحظة: أرسل اسمك في الموقع عند الدفع ليتم تفعيل العضوية ✅
جميع ما يتم ترجمته في الفصول منسوب إلى المؤلفين، ونحن بريئون من أي معانٍ تخالف العقيدة أو معانٍ كفرية وشركية.
هذا مجرد محتوى ترفيهي فلا تدعه يؤثر عليك أو يلهيك عن دينك.
استغفر اللـه وأتوب إليه.