الفصل 195 - رائة الشفق الذهبي
لم تكن الطريق العائدة من كارنوث إلى أوسترين تشبه الطريق التي قطعتها القافلة ذهابًا، رغم أنها الطريق نفسها، الحجارة نفسها، الأشجار نفسها التي تنحني على جانبيها كأنها تحني رأسها إجلالًا لتعب المسافرين لكن شيئًا ما تغيّر في داخل إيفان منذ تلك الليلة التي جلس فيها مع فولك وبوريس في حانة “الراية الذهبية”، يستمع إلى حساب الأرقام القاتل: خمس سنوات، ست على الأكثر، قبل أن تصبح مدينته الوحيدة مجرد اسم على خريطة قديمة لا يذكره أحد كان يركب الآن بصمت أثقل من صمته المعتاد، عيناه على الطريق أمامه، لكن عقله بعيدًا، يحسب حسابات أخرى لا علاقة لها بالمسافة المتبقية حتى أوسترين.
عند منتصف اليوم الثاني من الرحلة، وقبل أن تصل القافلة إلى مشارف غابة الظل الرمادي مجددًا، ظهرت أمامهم علامة حجرية ضخمة منصوبة عند تقاطع الطرق، أعلى من رجل واقف بمقدار الضعف، منحوت عليها بدقة رمز شمس غاربة نصف مختفية خلف خط أفقي، محاطة بإكليل من سنابل القمح المتشابكة.
“نقطة حدود المقاطعة،” قال فولك وهو يشير إلى العلامة بلا اهتمام يُذكر، كأنه اعتاد رؤيتها مئات المرات. “دخلنا للتو أراضي مقاطعة “فيلمونت”، آخر مقاطعات إمبراطورية الشفق الذهبي في هذا الطرف من القارة.”
هذا تنبيه من موقع فضاء الروايات , اذا ظهر لك هذا التنبيه يعني انت تقرأ من تطبيق سارق وخطير على جهازك ننصحك تقرا على موقعنا او تنزل تطبيق فضاء روايات riwyat متوفر في غوغل بلاي cenele.com اقرا على موقعنا لأجل قراءة الفصل كامل https://cenele.com/ #24d5d3785f
توقف إيفان للحظة ينظر إلى الرمز المنحوت كان قد رآه من قبل بالطبع، على عملات الضرائب، على أختام الوثائق الرسمية، على درع كل جندي إمبراطوري يمر عبر أوسترين نادرًا، لكنه لم يتوقف أمامه ملياً منذ زمن طويل. شمس تغرب، لا تشرق رمز غريب لإمبراطورية تحكم نصف القارة المعروفة، لكن بوريس فسّره له مرة، منذ سنوات، بأن الإمبراطورية اختارت هذا الشعار عن قصد: “الشفق ليس نهاية النهار ولا بداية الليل، بل اللحظة التي يقرر فيها المرء أي الاثنين سيصبح.” كلام شاعري بالنسبة لإمبراطورية لا يهمها في الحقيقة سوى الضرائب والحدود.
“سمعت أن الإمبراطور نفسه لم يزر هذه المقاطعة منذ عشرين عامًا،” قال بوريس وهو يمتطي حصانه بجانب إيفان.
هذا تنبيه من موقع فضاء الروايات , اذا ظهر لك هذا التنبيه يعني انت تقرأ من تطبيق سارق وخطير على جهازك ننصحك تقرا على موقعنا او تنزل تطبيق فضاء روايات riwyat متوفر في غوغل بلاي cenele.com اقرا على موقعنا لأجل قراءة الفصل كامل https://cenele.com/ #dfdf9a734a
“ولن يزورها في العشرين القادمة أيضًا،” أجاب فولك بابتسامة لا تخلو من مرارة خفيفة “العاصمة “أوريلياس” بعيدة عنا مسيرة شهرين على الأقل بأسرع الخيول، والإمبراطور “أوسكار الثالث” مشغول، كما يقال، بحرب حدودية في الشمال الشرقي، حيث تزحف قبائل الثلج كل عام أكثر جنوبًا مقاطعتنا هنا، على أطراف الإمبراطورية الجنوبية، ليست أولوية لأحد في البلاط.”
“ومن يحكمنا إذن، إن كان الإمبراطور بعيدًا هكذا؟” سأل إيفان، وإن كان يعرف الجواب جزئيًا.
هذا تنبيه من موقع فضاء الروايات , اذا ظهر لك هذا التنبيه يعني انت تقرأ من تطبيق سارق وخطير على جهازك ننصحك تقرا على موقعنا او تنزل تطبيق فضاء روايات riwyat متوفر في غوغل بلاي cenele.com اقرا على موقعنا لأجل قراءة الفصل كامل https://cenele.com/ #d988d5b9b3
“الدوق “فيلمونت” هو حاكم المقاطعة بالنيابة عن التاج، يقيم في مدينة “فالنبورغ” على بعد عشرة أيام من هنا، وهو من يجمع الضرائب من كل اللوردات الأصغر تحته، بمن فيهم اللورد دورين حاكم أوسترين، ويرسل حصة الإمبراطورية إلى العاصمة كل موسم.” شرب فولك رشفة من قربة الماء المعلقة على سرجه. “لكن الدوق فيلمونت رجل يهتم بالمدن الكبيرة المنتجة، ككارنوث، لأنها تدر عليه ذهبًا يليق بقصره. أما المدن الصغيرة المتهالكة كأوسترين، فهي بالنسبة له مجرد سطر في دفتر حسابات، تُذكر فقط حين يتأخر دفع الضرائب.”
مرّت الدورية الإمبراطورية بعد قليل، ستة فرسان يرتدون دروعًا فولاذية موحدة نُقش على صدورها الرمز نفسه، شمس الشفق الغاربة، يقودهم ضابط بشارة برونزية على كتفه جميعها كانو متحكمين اوليين ماعدا الضابط الذي كان متحكما متقدم أوقفوا القافلة لدقائق قليلة، تفقّدوا الوثائق التجارية بسرعة رسمية باردة، ختموا ورقة صغيرة، ثم انصرفوا دون أن يبادلوا أحدًا كلمة زائدة عن الحاجة.
هذا تنبيه من موقع فضاء الروايات , اذا ظهر لك هذا التنبيه يعني انت تقرأ من تطبيق سارق وخطير على جهازك ننصحك تقرا على موقعنا او تنزل تطبيق فضاء روايات riwyat متوفر في غوغل بلاي cenele.com اقرا على موقعنا لأجل قراءة الفصل كامل https://cenele.com/ #6f85f9ddaa
“هؤلاء هم كل ما تراه من الإمبراطورية في هذه الأنحاء،” قال بوريس بصوت خفيض بعد أن ابتعدت الدورية. “ست دوريات في العام كلّه على طول هذا الطريق، بينما غابة الظل الرمادي على بعد نصف يوم من هنا مليئة بالذئاب السود.”
لم يعلّق إيفان، لكن شيئًا في صدره ضاق قليلاً وهو يراقب ظهور الفرسان الستة يبتعدون شمالًا، نحو مدن أكبر، أكثر ذهبًا، أكثر استحقاقًا للحماية في نظر إمبراطورية لا ترى في أوسترين سوى سطر منسي في دفتر بعيد.
هذا تنبيه من موقع فضاء الروايات , اذا ظهر لك هذا التنبيه يعني انت تقرأ من تطبيق سارق وخطير على جهازك ننصحك تقرا على موقعنا او تنزل تطبيق فضاء روايات riwyat متوفر في غوغل بلاي cenele.com اقرا على موقعنا لأجل قراءة الفصل كامل https://cenele.com/ #220d36f607
اقترب أحد جباة الضرائب المرافقين للدورية من فولك قبل أن يرحل، يحمل دفترًا جلديًا مهترئ الأطراف، وسأله بصوت رتيب لا يخلو من ملل رجل كرر السؤال نفسه آلاف المرات: “وجهتك النهائية؟”
“أوسترين،” أجاب فولك.
توقف الجابي عن الكتابة للحظة، ونظر إلى فولك نظرة سريعة تقييمية. “أوسترين سنة أخرى إذن قبل أن تمر دورية أخرى من هذا الطريق بالتحديد، ما لم تتغير مسارات الدوريات هذا الموسم.” قالها بلا مبالاة، وكأنه يذكر حقيقة عن الطقس لا عن حياة آلاف الناس المعرضين للخطر على طول ذلك الطريق نفسه، ثم ختم دفتره وامتطى حصانه لاحقًا بأصحابه.
هذا تنبيه من موقع فضاء الروايات , اذا ظهر لك هذا التنبيه يعني انت تقرأ من تطبيق سارق وخطير على جهازك ننصحك تقرا على موقعنا او تنزل تطبيق فضاء روايات riwyat متوفر في غوغل بلاي cenele.com اقرا على موقعنا لأجل قراءة الفصل كامل https://cenele.com/ #973dec3245
شعر إيفان برغبة مفاجئة في أن يسأله: وماذا عن الرجال والنساء الذين يسافرون على هذا الطريق بين الدوريتين؟ من يحميهم حين تكون الإمبراطورية بعيدة بمسيرة عام كامل؟ لكنه ابتلع السؤال، لأنه كان يعرف الجواب مسبقًا، الجواب نفسه الذي عاش عليه طوال حياته المهنية: لا أحد يحميهم سوى من يدفع أجرًا لرجل يحمل سيفًا، أو من يقرر، لسبب خاص به، أن يحملها بلا أجر على الإطلاق.
“هذا هو حال الإمبراطورية في كل مكان تقريبًا، بعيدًا عن العاصمة وبعيدًا عن المدن الكبرى التي تدر عليها الذهب،” قال بوريس وكأنه يقرأ أفكار صديقه. “راية شمس ذهبية تُرفع في كل ساحة، لكنها لا تدفئ إلا من يقف تحتها مباشرة.”
هذا تنبيه من موقع فضاء الروايات , اذا ظهر لك هذا التنبيه يعني انت تقرأ من تطبيق سارق وخطير على جهازك ننصحك تقرا على موقعنا او تنزل تطبيق فضاء روايات riwyat متوفر في غوغل بلاي cenele.com اقرا على موقعنا لأجل قراءة الفصل كامل https://cenele.com/ #f83db59a80
“وأوسترين ليست تحتها،” قال إيفان بصوت جاف. “أوسترين في الظل، حيث لا تصل الشمس، ذهبية كانت أم غاربة.”
خيّم الليل على القافلة عند حافة الغابة، حيث أشعل الرجال نيرانًا صغيرة متفرقة، أكبرها عند خيمة فولك، وأخرى أصغر بعيدًا قليلًا حيث جلس إيفان وبوريس كعادتهما.
هذا تنبيه من موقع فضاء الروايات , اذا ظهر لك هذا التنبيه يعني انت تقرأ من تطبيق سارق وخطير على جهازك ننصحك تقرا على موقعنا او تنزل تطبيق فضاء روايات riwyat متوفر في غوغل بلاي cenele.com اقرا على موقعنا لأجل قراءة الفصل كامل https://cenele.com/ #42da9dec11
“ستأخذ الحراسة الأولى؟” سأل بوريس وهو يمدد جسده الضخم على الأرض قرب النار.
“خذ أنت الراحة الأولى،” قال إيفان. “لن أنام قريبًا على أي حال.”
هذا تنبيه من موقع فضاء الروايات , اذا ظهر لك هذا التنبيه يعني انت تقرأ من تطبيق سارق وخطير على جهازك ننصحك تقرا على موقعنا او تنزل تطبيق فضاء روايات riwyat متوفر في غوغل بلاي cenele.com اقرا على موقعنا لأجل قراءة الفصل كامل https://cenele.com/ #c1356fd87d
لم يكن يكذب تمامًا؛ فمنذ سنوات طويلة، أصبح النوم بالنسبة له معركة أصعب أحيانًا من أي معركة بالسيف. لكنه في تلك الليلة، وبعد يومين من الركوب المتواصل وثقل الأخبار التي حملها من كارنوث، شعر بجسده يستسلم أخيرًا رغمًا عن إرادته. اتكأ على جذع شجرة، وأغمض عينيه للحظة فقط، أو هكذا ظن، قبل أن يبتلعه النوم كموجة لم يستطع مقاومتها.
كان البيت صغيرًا، بجدران خشبية متشققة تسمح لضوء الصباح بالتسلل عبر شقوق دقيقة، ورائحة خبز يخبز على موقد حجري بسيط تملأ المكان كلّه. لم يكن إيفان في الحلم رجلاً في أواخر ثلاثينياته بندوب تروي حروبًا منسية، بل صبيًا صغيرًا، بالكاد يبلغ السابعة، يجلس على أرضية خشبية باردة يراقب امرأة تتحرك بين الموقد والطاولة بخفة لم يرها في أي امرأة أخرى منذ ذلك الحين.
هذا تنبيه من موقع فضاء الروايات , اذا ظهر لك هذا التنبيه يعني انت تقرأ من تطبيق سارق وخطير على جهازك ننصحك تقرا على موقعنا او تنزل تطبيق فضاء روايات riwyat متوفر في غوغل بلاي cenele.com اقرا على موقعنا لأجل قراءة الفصل كامل https://cenele.com/ #cef1dfa333
كان وجهها غير واضح تمامًا، كما تكون الوجوه دائمًا في الأحلام القديمة التي أكل الزمن تفاصيلها، لكنه كان يعرف، بيقين لا يحتاج إلى رؤية، أنها أمه. شعرها بني داكن مربوط بإهمال جميل خلف رأسها، ويداها مغطاتان بدقيق أبيض من عملها في الخبز، وصوتها… صوتها كان الشيء الوحيد الواضح تمامًا في الحلم كله، دافئًا كأنه يخرج من نار لا تحرق.
كانت تغني له، أغنية قديمة عن بحّار يعود دائمًا إلى شاطئه مهما بعدت رحلته، نفس اللحن تقريبًا الذي سمعه العازف الأعمى في حانة الذئب الأعرج قبل أسابيع دون أن ينتبه لِمَ شدّ ذلك اللحن بالذات على قلبه أكثر من غيره.
هذا تنبيه من موقع فضاء الروايات , اذا ظهر لك هذا التنبيه يعني انت تقرأ من تطبيق سارق وخطير على جهازك ننصحك تقرا على موقعنا او تنزل تطبيق فضاء روايات riwyat متوفر في غوغل بلاي cenele.com اقرا على موقعنا لأجل قراءة الفصل كامل https://cenele.com/ #5a76f3bc76
“سأصبح فارسًا عظيمًا يا أمي،” قال الصبي إيفان في الحلم، بصوت رفيع لم يعد يملكه منذ عقود. “سأحميك من كل شيء.”
توقفت المرأة عن الغناء، واقتربت منه، وانحنت لتضع يدها المغطاة بالدقيق على خده، وضحكت ضحكة خفيفة جعلت الغرفة كلها تدفأ أكثر.
“لا أريدك فارسًا يا صغيري،” قالت بصوت لا يزال إيفان، حتى في نومه، يشعر بارتعاشة غريبة كلما تذكّره لاحقًا. “أريدك حيًّا. أريدك أن تكبر، وتأكل جيدًا، وتضحك كثيرًا. هذا كل ما أطلبه من الحياة.”
هذا تنبيه من موقع فضاء الروايات , اذا ظهر لك هذا التنبيه يعني انت تقرأ من تطبيق سارق وخطير على جهازك ننصحك تقرا على موقعنا او تنزل تطبيق فضاء روايات riwyat متوفر في غوغل بلاي cenele.com اقرا على موقعنا لأجل قراءة الفصل كامل https://cenele.com/ #f63ba4ef43
مدّ الصبي ذراعيه واحتضنها، ودفن وجهه في ثوبها الذي تفوح منه رائحة الدقيق والخبز الطازج، وشعر بيدها تربّت على شعره بحنان لم يشعر به منذ ذلك الحين، لا من مارتا رغم كل طيبتها، ولا من أي امرأة أخرى عرفها في حياة طويلة من الحرب.
في ذلك الحلم، كان كل شيء أكثر حدة وأكثر دفئًا مما تسمح به الذاكرة اليقظة عادة: صوت النار الخفيف تحت قدر الحساء، صرير الباب الخشبي كلما فتحه الريح قليلاً، ظل عصفور يعبر من النافذة الصغيرة فيتحرك مربعُ الضوء على الأرض كان هناك أيضًا كلب صغير، لم يتذكره إيفان يقظًا منذ عقود، ينام قرب الموقد ويرفع رأسه بين الحين والآخر كلما تحرك الصبي، وكانت هناك دمية خشبية بسيطة منحوتة بيد غير محترفة، ربما يد أب لم يظهر وجهه في الحلم على الإطلاق، وكأن الحلم نفسه اختار أن يُبقي ذلك الجزء من الماضي مغلقًا، تمامًا كما يُبقيه إيفان مغلقًا وهو مستيقظ. كل هذه التفاصيل الصغيرة، التافهة في ظاهرها، بدت للصبي في الحلم وكأنها العالم كله، عالم كامل آمن لا يتجاوز حدود تلك الغرفة الصغيرة.
هذا تنبيه من موقع فضاء الروايات , اذا ظهر لك هذا التنبيه يعني انت تقرأ من تطبيق سارق وخطير على جهازك ننصحك تقرا على موقعنا او تنزل تطبيق فضاء روايات riwyat متوفر في غوغل بلاي cenele.com اقرا على موقعنا لأجل قراءة الفصل كامل https://cenele.com/ #af5d0ecbbe
لكن الحلم، كما تفعل الأحلام القديمة دائمًا، بدأ يتغير من دون سابق إنذار. أظلمت الغرفة فجأة، وامتلأت برائحة دخان بدل رائحة الخبز، ودوّى صوت من الخارج، صوت رجال يصرخون، وصوت معدني حاد يشبه صوت سيوف تُجرَّد من أغمادها.
حاول الصبي إيفان أن يمسك بيد أمه، لكن يدها بدأت تتلاشى بين أصابعه كالدخان نفسه، وصوتها الدافئ تحول إلى صراخ لم يستطع تمييز كلماته، وكل ما استطاع رؤيته قبل أن يستيقظ فجأة هو ظلها وهي تدفعه بعيدًا، بعيدًا عنها، نحو الظلام، وهي تصرخ كلمة واحدة كررتها مرارًا لم يفهمها بوضوح إلا حين فتح عينيه في الظلام الحقيقي لغابة الظل الرمادي: “اهرب!”
هذا تنبيه من موقع فضاء الروايات , اذا ظهر لك هذا التنبيه يعني انت تقرأ من تطبيق سارق وخطير على جهازك ننصحك تقرا على موقعنا او تنزل تطبيق فضاء روايات riwyat متوفر في غوغل بلاي cenele.com اقرا على موقعنا لأجل قراءة الفصل كامل https://cenele.com/ #a7238b422f
استيقظ إيفان فجأة، جالسًا مستقيمًا بحركة واحدة سريعة كأنه يستعد لمعركة، قلبه يدق بعنف في صدره، وتنفسه سريعًا متقطعًا. استغرق ثانيتين كاملتين قبل أن يدرك أنه ليس في ذلك البيت الصغير، بل عند حافة غابة، محاطًا بأشجار داكنة ونار خافتة تكاد تنطفئ، وأن الصوت الذي سمعه لم يكن صراخًا حقيقيًا بل صدى حلم بدأ يتلاشى بالفعل من ذاكرته كالماء بين الأصابع ثم شعر بالدموع تنهمر على وجهه بغزارة.
لم يبكِ إيفان منذ سنوات طويلة جدًا، منذ زمن بعيد لدرجة أنه نسي تمامًا كيف يبدو الشعور، لكنه الآن، وسط ظلام الغابة، وجد وجهه مبللًا بدموع لم يشعر بها تنزل، ونفسًا يرتجف بصمت حرص أن يبقى صامتًا، خوفًا من أن يوقظ أحدًا، خوفًا من أن يراه أحد على هذه الحال، الحال التي لا تليق برجل ينظر إليه نصف قطّاع الطرق في المقاطعة بخوف حقيقي.
هذا تنبيه من موقع فضاء الروايات , اذا ظهر لك هذا التنبيه يعني انت تقرأ من تطبيق سارق وخطير على جهازك ننصحك تقرا على موقعنا او تنزل تطبيق فضاء روايات riwyat متوفر في غوغل بلاي cenele.com اقرا على موقعنا لأجل قراءة الفصل كامل https://cenele.com/ #f6271108be
مسح وجهه بكم معطفه بحركة غاضبة، غاضبة من نفسه أكثر من أي شيء آخر، كأنه يعاقب يديه على ضعف لم يأذن له به.
“إيفان؟”
كان صوت بوريس هادئًا، قادمًا من الظلام القريب، وأدرك إيفان أن صديقه لم يكن نائمًا بالكامل، أو أن صوت استيقاظه المفاجئ أيقظه.
“عد إلى نومك،” قال إيفان بصوت حاول أن يجعله ثابتًا، لكن بحّة خفيفة فيه خانته.
جلس بوريس بجانبه على أي حال، غير مبالٍ بالتعليمات، ونظر إليه في ضوء النار الخافت. لم يقل شيئًا للحظات طويلة، فقط نظر، حتى شعر إيفان أن صمت صديقه أثقل من أي سؤال مباشر كان يمكن أن يطرحه.
“حلم فقط،” قال إيفان أخيرًا، بصوت أكثر جفافًا هذه المرة، محاولًا إغلاق الباب الذي فتحه ضعفه اللحظي بالخطأ. “لا شيء يستحق النقاش.”
“تبكي من أجل ‘لا شيء’ إذن،” قال بوريس بهدوء، دون سخرية في صوته، فقط ملاحظة صادقة.
شعر إيفان برغبة مفاجئة في الانفجار غاضبًا، رغبة قديمة متأصلة في دفع كل من يقترب من هذا الجزء منه بعيدًا، بالكلمات إن لزم الأمر، بالبرود إن كانت الكلمات لا تكفي لكنه، ولسبب لم يفهمه تمامًا حتى وهو يفعله، لم يفعل ذلك هذه المرة ربما كان التعب ربما كان ثقل السنوات ربما كان وجه أمه، حتى غير الواضح، لا يزال حيًّا بما يكفي خلف عينيه ليمنعه من إغلاق كل الأبواب كالمعتاد.
“حلمت بأمي،” قال أخيرًا، بصوت منخفض جدًا كاد يضيع بين أصوات الغابة الليلية. “لم أرَ وجهها بوضوح منذ سنوات، حتى في الأحلام. الليلة رأيته… تقريبًا.”
لم يضغط بوريس، فقط أومأ برأسه ببطء، منتظرًا.
“كانت تغني لي،” تابع إيفان، وشيء في صوته بدا وكأنه يتفكك ببطء تحت وطأة كلمات لم ينطقها منذ عقد كامل على الأقل. “أغنية سخيفة عن بحّار. كنت صبيًا. كانت تخبز خبزًا. ثم…” توقف، وابتلع بصعوبة. “ثم تحول كل شيء إلى دخان وصراخ، كما يحدث دائمًا في النهاية.”
“ماتت وأنت صغير؟” سأل بوريس بحذر شديد، كأنه يمشي على جليد رقيق يخشى أن يتصدع تحت قدميه.
طال صمت إيفان، ونظر إلى النار المحتضرة أمامه بعينين لم تعودا باردتين كعادتهما، بل حاملتين شيئًا أثقل بكثير، شيئًا شبيهًا بالحداد القديم الذي لا يزول بمرور الزمن، بل يتغير شكله فقط.
“ماتت بسببي،” قال أخيرًا، بصوت لم يسمعه بوريس منه من قبل، صوت صبي صغير محاصر داخل جسد رجل حارب حروبًا لم يعد أحد يذكر سببها. “هذا كل ما أستطيع قوله الليلة يا بوريس. أرجوك.”
لم يسأل بوريس المزيد، رغم أن كل غريزة فيه كانت تريد أن تفهم، أن تعرف، أن تحمل شيئًا من هذا الثقل عن صديقه الذي حمل عن الآخرين أثقالًا كثيرة عبر السنوات دون أن يسمح لأحد بحمل شيء عنه بدلاً من ذلك، مدّ يده ووضعها على كتف إيفان، بثقل هادئ، بلا كلمات، تمامًا كما فعل إيفان مرات كثيرة مع آخرين خائفين أو منكسرين.
للحظة، بدا وكأن إيفان سيسمح لنفسه بذلك، بأن يستريح تحت تلك اليد، أن يسمح لجزء منه، صغيرًا كان أم كبيرًا، أن ينكسر أمام صديقه الوحيد الحقيقي. لكن بعد ثوانٍ قليلة، شدّ كتفه بخفة كافية لتنبيه بوريس دون إهانته، ونهض واقفًا، وأدار ظهره للنار وكأنه يريد أن يخفي وجهه عن الضوء.
“سآخذ الحراسة الآن،” قال بصوت استعاد برودته المعتادة بسرعة تكاد تكون مخيفة، وكأن الرجل الذي بكى قبل دقائق لم يكن سوى شبح عابر. “نم أنت. سنكمل الطريق باكرًا.”
جلس بوريس ينظر إلى ظهر صديقه المبتعد نحو حافة المخيم، وشعر بشيء يشبه الحزن الهادئ يتسلل إلى صدره كان يعرف إيفان منذ خمس سنوات، رأى الوحش الذي يسكنه، رأى الندوب على جسده وسمع بعض حكايات ماضيه المتناثرة، لكنه أدرك في تلك اللحظة، وهو يراقب الرجل الذي يقف وحيدًا عند حافة الظلام يمسح آخر أثر لدموعه بيد ترتجف بخفة لا يراها أحد سواه، أن هناك جرحًا أعمق من كل ما رآه حتى الآن، جرحًا لم يُشفَ منذ الطفولة، وأن إيفان، رغم كل قوته وكل الأرواح التي أنقذها، كان لا يزال، في مكان ما بعيد داخله، ذلك الصبي الذي دُفع بعيدًا عن أمه نحو ظلام لم يفهمه يومًا.
وصلت القافلة إلى أطراف أوسترين بعد ثلاثة أيام أخرى من السفر الهادئ نسبيًا، مرت خلالها دون أي حادثة تُذكر، وكأن الطريق نفسه قرر أن يمنح إيفان استراحة قصيرة بعد ليلة الكابوس. عند بوابة المدينة الشرقية، حيث كان حرّاس أوسترين المتعبون يقفون بدروع صدئة لا تشبه شيئًا من نظام دوريات الإمبراطورية التي رآها في الطريق، توقف فولك ليودّع رفيقيه قبل أن يتوجه نحو مستودعاته.
“سأحتاج إلى يومين لتفريغ البضاعة وتوزيعها،” قال فولك وهو ينزل عن حصانه، عيناه تتحركان بسرعة بين العربات المحمّلة بأقمشة كارنوث الفاخرة وأدواتها المعدنية الدقيقة، كأنه يحسب بالفعل، في رأسه، من في أوسترين سيدفع أكثر مقابل ماذا “لكنني أريد أن أخبرك بشيء قبل أن نفترق يا سيد إيفان.”
توقف إيفان منتظرًا.
“لاحظت في كارنوث أن أسعار الحرير ارتفعت بسبب موسم زفاف كبير عند النبلاء هناك، بينما أسعار أدوات الحدادة انخفضت لأن ورشة كبيرة افتتحت حديثًا وأغرقت السوق.” تحدث فولك بسرعة، بذلك الحماس الذي يظهر فقط حين يتحدث التجار الحقيقيون عن التجارة نفسها، لا عن نتائجها. “هذا يعني أنني اشتريت أدوات حدادة بأقل من نصف ثمنها المعتاد، وسأبيعها هنا في أوسترين، حيث آخر حداد ماهر أغلق ورشته منذ عامين، بسعر أقل بكثير مما كان يدفعه الناس سابقًا لأدوات أسوأ جودة، لكنه سعر أعلى بكثير مما دفعته أنا. الجميع يربح: أنا أربح فرقًا كبيرًا، وأهل أوسترين يحصلون أخيرًا على أدوات جيدة بسعر يستطيعون تحمّله.”
ابتسم إيفان ابتسامة خفيفة رغم كل شيء. “تفكر دائمًا بثلاث خطوات إلى الأمام يا سيد فولك.”
“التجارة الحقيقية ليست عن بيع ما تملك بأعلى سعر ممكن،” قال فولك بجدية غير متوقعة، وكأنه يشارك سرًّا مهنيًا لا يشاركه إلا مع قلة. “أي تاجر غبي يستطيع فعل ذلك مرة واحدة. التجارة الحقيقية عن معرفة أين يوجد الفائض وأين يوجد النقص، ثم بناء جسر بينهما يستفيد منه الطرفان، جسر يجعلهم يثقون بك بما يكفي ليعودوا إليك في المرة القادمة الذهب السريع يأتي من الخداع. الذهب الدائم يأتي من الثقة.”
توقف قليلاً، ثم أضاف بنبرة أخف: “وأنا أفضّل الذهب الدائم. يمنحني وقتًا أطول لأشرب نبيذًا جيدًا في شيخوختي.”
ضحك بوريس بصوته العميق المعتاد. “تاجر وفيلسوف في آن واحد. لا عجب أنك نجحت.”
“ليس نجاحًا كافيًا بعد،” قال فولك وعيناه تلمعان بشيء أشبه بالتصميم الهادئ. “لدي خطة أكبر لأوسترين، سيد إيفان، لكنها تحتاج وقتًا وشركاء أثق بهم ربما نتحدث عنها حين أستقر من رحلتي هذه.” ثم انحنى برأسه احترامًا، وامتطى حصانه متجهًا نحو مستودعاته، تاركًا خلفه سؤالاً معلقًا لم يشرحه بالكامل، تمامًا كطريقته في كل شيء.
عاد إيفان إلى نُزل “الغراب الأسود” وحيدًا بعد أن افترق عن بوريس عند تقاطع الشوارع، ليجد مارتا تقف عند الباب كأنها كانت تنتظره منذ ساعات، وربما كانت كذلك بالفعل.
“عدت،” قالت بابتسامة لم تحاول إخفاء ارتياحها. “وكاملاً هذه المرة، على ما يبدو.”
“وعدتك، أليس كذلك؟” قال إيفان وهو يدخل، يترك حقيبته الثقيلة بجانب الباب بصوت ثقيل.
“وعدتني أن تعود، لم تعدني أنك ستعود من دون خدوش،” قالت مارتا وهي تفحص كتفه الذي أصابه السهم في غابة الظل الرمادي، وقد التأم الجرح الآن بفضل قدرته على الشفاء السريع، لكن أثره الوردي لا يزال ظاهرًا تحت قميصه الممزق. “ما هذا؟”
“لا شيء يستحق الذكر.”
“دائمًا لا شيء يستحق الذكر معك يا إيفان،” قالت مارتا وهي تهزّ رأسها، لكن نبرتها كانت أقرب إلى الحنان منها إلى العتاب “اجلس، سأحضر لك حساءً حقيقيًا هذه المرة، اشتريت قطعة لحم صغيرة من السوق أمس، ادّخرتها لعودتك.”
جلس إيفان على المقعد الخشبي المهتز المعتاد، وشعر بشيء يرتخي في صدره لأول مرة منذ أيام، شيء أشبه بالأمان، رغم كل ما حمله من كارنوث ومن الطريق ومن الحلم الذي لا يزال يطارده كظل خفيف عند أطراف وعيه. نظر حوله إلى الغرفة الصغيرة المتواضعة، إلى النار المتراقصة، إلى مارتا وهي تتحرك بين القدور بنفس الخفة تقريبًا التي رآها في وجه أمه غير الواضح في الحلم، وشعر بشيء يشبه الشكر الصامت لهذه المرأة التي لم تسأله يومًا عن ماضيه، ولم تطلب منه شيئًا سوى أن يعود حيًا.
“مارتا،” قال فجأة، بصوت أخف مما اعتاد استخدامه معها
“نعم؟”
“شكرًا لك. على كل شيء.”
توقفت مارتا عن الحركة للحظة، ونظرت إليه بدهشة خفيفة، فإيفان لم يكن رجلاً يقول كلمات كهذه بسهولة. لم تسأله عن السبب، فقط ابتسمت ابتسامة دافئة وقالت: “أنت غريب الأطوار الليلة يا إيفان. لكن على الرحب والسعة.”
في الليل، بعد أن أكل وارتاح قليلاً، جلس إيفان وحيدًا في غرفته الصغيرة، ينظر من النافذة الضيقة نحو شوارع أوسترين المظلمة، حيث كانت أضواء قليلة متناثرة تشير إلى بيوت لا تزال مستيقظة. فكّر في كل ما سمعه في كارنوث: خمس سنوات، ست على الأكثر. فكّر في الدورية الإمبراطورية التي مرّت بجانبهم دون أن تلقي بالاً لخطر غابة الظل الرمادي. فكّر في الدوق فيلمونت البعيد الذي يرى أوسترين مجرد سطر في دفتر حسابات. فكّر في إيلينا وابنها المريض، وفي أم ياروس وعملتها الفضية التي ترفض إنفاقها على نفسها، وفي مارتا التي ادّخرت قطعة لحم صغيرة لعودته.
لن يأتي أحد لإنقاذ أوسترين لا الإمبراطورية، ولا الدوق، ولا حتى اللورد دورين نفسه، رجل صالح النية لكنه ضعيف بما يكفي ليترك طرق مدينته فريسة لقُطّاع الطرق إن كان هناك من سينقذ هذه المدينة، فسيكون على من يعيش فيها، من يعرف كل زقاق فيها وكل وجه جائع فيها، أن يبدأ.
لم يكن حلمًا كبيرًا في تلك الليلة، لا حلم إنقاذ مدينة كاملة دفعة واحدة، ولا حلم بلوغ درجة الأبطال التي وعد بها ألريك منذ سنوات بعيدة كان أصغر من ذلك بكثير، وأكثر واقعية: طرق آمنة طرق يستطيع التجار السير عليها من دون خوف من الذئاب السود أو أي عصابة أخرى تشبهها، طرق تعيد التجار الكبار إلى أوسترين، وتعيد معهم بعضًا من الحياة التي فقدتها المدينة منذ سقوط سعر الحبوب.
“تطهير الطرق،” همس لنفسه في الظلام، كأنه يجرّب الفكرة على لسانه قبل أن يقبلها بالكامل. “أبدأ بهذا. أبدأ بما أعرفه.”
لكن رجلاً واحدًا، مهما بلغت قوته، ومهما بلغ وحشه من ضراوة، لا يستطيع تطهير طرق كاملة وحده كان يحتاج رجالًا، رجالًا يثق بهم، رجالًا يعرفون الطرق والغابات والقتال، رجالًا مثل بوريس وفجأة، تذكّر إيفان وجوهًا لم يفكر فيها منذ سنوات، وجوهًا عرفها في حياة سابقة من القتال، قبل أن يستقر في أوسترين، رجالًا تفرقت بهم السبل كما تفرقت به هو، وانتهى بعضهم في هذه المدينة نفسها، يعملون في مهن لا تليق بمهاراتهم القديمة.
في صباح اليوم التالي، توجّه إيفان نحو ميناء أوسترين الصغير، حيث كان النهر الثقيل يحمل عربات نقل بسيطة وقوارب صيد متهالكة أكثر مما يحمل بضائع حقيقية هذه الأيام. هناك، بين الحمّالين المتعبين الذين يفرغون أكياس الفحم من قارب وصل للتو، وجد من كان يبحث عنه: رجل في الخمسينيات، عريض المنكبين رغم انحناءة طفيفة في ظهره أصابته سنوات الحمل الثقيل، بيدين خشنتين مليئتين بندوب حروق قديمة أكثر من ندوب سيوف.
“غورين،” نادى إيفان وهو يقترب.
رفع الرجل رأسه، وتجمّد للحظة حين تعرّف على الوجه القادم نحوه، ثم اتسعت عيناه بشيء أقرب إلى الدهشة السعيدة.
“إيفان؟ بحق القديسة أوغا، ظننتك في كارنوث حتى الآن.”
“عدت منذ يومين.” نظر إيفان إلى الأكياس الثقيلة المكدسة حول غورين، إلى يديه اللتين كانتا يومًا ما تصنع أفضل السيوف في المدينة والآن تحملان أكياس الفحم فحسب شعر بضيق مألوف في صدره، الضيق نفسه الذي شعر به كل مرة رأى فيها شيئًا جميلًا يتحول إلى شيء أقل مما كان.
“أفتقد سيوفك يا غورين. آخر سيف صنعته لي لا يزال أفضل ما امتلكته يومًا.”
ابتسم غورين ابتسامة حزينة قليلاً، ومسح جبهته بذراعه. “والفحم أصبح أغلى من الذهب تقريبًا يا إيفان لا يمكنني تشغيل الكير من دونه، ولا يمكنني شراءه من دون زبائن يدفعون أسعارًا أستطيع بها شراء الفحم أصلاً حلقة مفرغة، كما يقولون.”
“لهذا أتيت لأتحدث معك،” قال إيفان بجدية بدأت تتضح في صوته. “لدي فكرة، وأحتاج رجالاً يعرفون الطرق حول أوسترين وغابة الظل الرمادي كما يعرفون أيديهم تطهير الطريق التجاري من قُطّاع الطرق، بشكل دائم، لا بمرافقة قافلة واحدة ثم العودة إن عادت الطرق آمنة، عاد التجار، وإن عاد التجار، ربما عاد الطلب على سيوف حقيقية بدل أدوات كارنوث الرخيصة.”
توقف غورين عن العمل تمامًا هذه المرة، ونظر إلى إيفان نظرة طويلة، مزيجًا من الأمل القديم والحذر الذي تعلّمه من سنوات الفقر.
“لم أحمل سيفًا منذ ثلاث سنوات يا إيفان، ليس للقتال على أي حال. أنا حداد، لست مقاتلاً مثلك.”
“لم آتِ لأطلب منك أن تقاتل،” قال إيفان بصوت أهدأ. “أتيت لأطلب منك أن تصنع لنا ما نحتاجه: سيوفًا، رؤوس رماح، دروعًا بسيطة. لن أستطيع تجهيز رجال لتطهير طريق كامل بسيوف صدئة استُخدمت في حروب قديمة إن نجحت الخطة، وعاد الطريق آمنًا، ستكون أنت أول من يستفيد، لأن كل تاجر عائد سيحتاج من يصلح عرباته وأدواته، وكل حارس طريق جديد سيحتاج سيفًا يثق به.”
فكّر غورين طويلاً، ينظر إلى يديه المتشققة، ثم إلى النهر البطيء أمامه، ثم أخيرًا إلى إيفان.
“لا أملك ذهبًا للفحم يا إيفان.”
“سأدفع الفحم،” قال إيفان دون تردد. “من أجرة القافلة الأخيرة. اعتبرها استثمارًا، لا صدقة. أعرف أنك لن تقبل الصدقة على أي حال.”
ابتسم غورين ابتسامة أوسع هذه المرة، ابتسامة رجل بدأ يشعر بشيء نسيه منذ زمن: الأمل بأن يعود إلى ما كان يحبه فعلاً. “حسنًا يا إيفان سأصنع لك سيوفك. لكن إن مات أحد الرجال بسيف صنعته، لن أسامح نفسي أبدًا.”
“لن يموت أحد بسبب سيف رديء ما دمت أنت من صنعه،” قال إيفان بثقة هادئة. “ثق بيدك يا غورين، مثلما وثقت بها أنا كل هذه السنوات.”
من الميناء، توجّه إيفان نحو بوابة المدينة الشمالية، حيث كان يعرف أنه سيجد الرجل الثاني الذي يبحث عنه وقف عند مدخل البوابة رجل نحيل يرتدي درعًا بسيطًا صدئًا في أطرافه، يده اليسرى تحمل رمحًا يتكئ عليه أكثر مما يستخدمه، ويده اليمنى، حيث كان يجب أن تكون خمسة أصابع، لم يبق منها سوى إصبعين واثنين نصفيين، أثر معركة قديمة خاضها من أجل قافلة لم يعد أحد يذكر اسم صاحبها.
“ياكوب،” قال إيفان وهو يقترب.
رفع الحارس رأسه، وتغيّر تعبيره فورًا حين رأى من يقف أمامه، مزيجًا من المفاجأة والحذر القديم الذي يحمله كل مرتزق سابق تجاه من عرف قوته الحقيقية يومًا.
“سيد إيفان. مرّ وقت طويل.”
“منذ متى تحرس هذه البوابة؟”
“منذ سنتين ونصف،” قال ياكوب بمرارة لم يحاول إخفاءها تمامًا. “منذ أن فقدت هذه.” رفع يده المشوهة قليلاً، بحركة اعتاد عليها حتى فقدت وقعها المؤلم. “لا يستطيع رجل بيد كهذه أن يحمل سيفًا بثقة كافية ليُوظَّف كمرافق قوافل بعد الآن أفضل ما استطعت الحصول عليه هو حراسة بوابة مقابل قوت يكفي بالكاد.”
شعر إيفان بثقل مألوف في صدره، الثقل نفسه الذي شعر به مع غورين قبل ساعات، ذلك الشعور الذي يرافقه دائمًا حين يرى نتيجة عالم لا يرحم الضعفاء، حتى حين يكونون ضعفاء بسبب دفاعهم عن الآخرين.
“لا أحتاج يدك اليمنى يا ياكوب،” قال إيفان مباشرة. “أحتاج عينيك وخبرتك. أنت أفضل من يعرف طرق التهريب والممرات الجانبية حول غابة الظل الرمادي، من أيام كنت تعمل مرافقًا. أخطط لتجميع مجموعة رجال لتطهير ذلك الطريق من قُطّاع الطرق، بشكل دائم لا مؤقت لن أطلب منك أن تقاتل في الصفوف الأمامية، بل أن تقود، أن تخطط، أن تستخدم كل ما تعرفه عن تلك الغابة لتضعنا في المكان الصحيح في الوقت الصحيح.”
نظر ياكوب إليه نظرة طويلة صامتة، وشيء في عينيه بدأ يتغير ببطء، من مرارة الرجل الذي فقد كل شيء، إلى شيء أقرب إلى الأمل الحذر.
“لماذا تفعل هذا يا إيفان؟ أنت رجل يبيع سيفه لمن يدفع أكثر، هكذا عرفتك دائمًا تطهير طريق كامل بلا تاجر واحد يدفع لك أجرًا محددًا مقابل ذلك، هذا ليس من طبيعتك.”
توقف إيفان قليلاً قبل أن يجيب، يفكر في الكلمات، يفكر في كل الوجوه التي رآها منذ عودته: مارتا، وإيلينا، وأم ياروس، وغورين قبل قليل، وحتى ياكوب نفسه الواقف أمامه الآن بيد مشوهة ودرع صدئ.
“ربما لم تعرفني حقًا إذن يا ياكوب،” قال أخيرًا بصوت هادئ لكنه حازم. “أو ربما أنا نفسي بدأت أعرف نفسي بشكل مختلف قليلاً هذه الأيام.”
لم يجب ياكوب فورًا، لكنه أخيرًا أومأ برأسه ببطء. “سأفكر في الأمر، سيد إيفان. أعطني يومًا.”
“خذ يومك،” قال إيفان. “لكن اعرف أنني لا أطلب منك معروفًا. أطلب منك فرصة لتصبح ما كنت عليه قبل أن تفقد إصبعين وأملك في آن واحد.”
استدار إيفان مبتعدًا، تاركًا ياكوب يقف عند البوابة، ينظر إلى يده المشوهة بنظرة مختلفة قليلًا عن كل مرة سابقة، وكأن كلمات إيفان زرعت فيه شيئًا لم يشعر به منذ سنتين ونصف: احتمال أنه لا يزال يملك قيمة، رغم كل ما فقده.
لم يبتعد إيفان كثيرًا قبل أن يسمع صوتًا شابًا ينادي اسمه من خلف عربة خضار متوقفة قرب السور. استدار ليجد شابًا نحيلاً في أواخر عشرينياته، بقوس خشبي بسيط معلق على ظهره وجعبة سهام نصف فارغة، يركض نحوه بحماس لم يحاول إخفاءه.
“سيد إيفان! لم أصدق حين سمعت أنك عدت!”
تعرّف عليه إيفان بعد لحظة تفكير قصيرة: “دارون؟ آخر مرة رأيتك فيها كنت بالكاد تستطيع شد وتر قوس بثبات.”
ابتسم دارون ابتسامة فخورة إلى حد ما. “تدربت كثيرًا منذ ذلك الحين يا سيدي لا أزال في مستوى الإحساس فقط، لم أتجاوزه بعد، لكن رميتي أصبحت أدق بكثير مما كانت عليه حين قابلتك أول مرة في حانة الذئب الأعرج.”
كان إيفان قد علّم دارون بعض أساسيات الرماية منذ سنوات، حين كان الشاب لا يزال فتى يتيمًا يتسكع حول الحانات يبحث عن أي عمل يقيه الجوع، دون أن يطلب إيفان في المقابل شيئًا سوى أن يكف عن السرقة الصغيرة التي كادت تودي بيده تحت سيف أحد حراس السوق لم يكن إيفان قد فكّر في دارون أصلاً حين بدأ يجمّع أسماء لخطته، لكن رؤيته الآن، بعينين متلهفتين وقوس على ظهره، أعادت الفكرة إلى ذهنه فورًا.
“أسمع أنك تجمع رجالاً لتطهير الطريق التجاري،” قال دارون قبل أن يسأله إيفان أصلاً، والحماس واضح في صوته. “أخبرني بوريس بالأمر منذ ساعة حين مررت بجانبه أريد الانضمام.”
نظر إيفان إلى الشاب أمامه نظرة طويلة، يزن الأمر. لم يكن دارون مقاتلاً بمستوى غورين أو ياكوب من حيث الخبرة، ولا حتى بمستوى بوريس، لكن في عينيه كان هناك شيء لم يره إيفان كثيرًا هذه الأيام: رغبة حقيقية، غير مشروطة بأجر أو حاجة، في أن يكون جزءًا من شيء أكبر من نفسه.
“الطريق خطر يا دارون، وأنت ما زلت في مستوى الإحساس. قد لا تنجو من مواجهة حقيقية مع عصابة كالذئاب السود.”
“أعرف ذلك،” قال دارون بجدية غير معتادة على شاب في عمره. “لكنني أيضًا أعرف أنني لن أتقدم أبدًا إن بقيت أرمي السهام على أهداف خشبية ثابتة في زقاق خلفي طوال حياتي. أعطني فرصة، سيد إيفان. لن أخذلك.”
تذكّر إيفان، للحظة، صوت ألريك القديم في ليلة بعيدة حول نار صغيرة، الحماس نفسه، الثقة العمياء نفسها بأن العالم يمكن أن يتغير إن أراد المرء ذلك بما يكفي. شعر بشيء يشبه الدفء يتسلل إلى صدره رغمًا عنه.
“ستبدأ في المؤخرة، مع الرماة، لا في الصفوف الأمامية،” قال إيفان أخيرًا. “وستفعل بالضبط ما يُطلب منك، لا أكثر ولا أقل، حتى أثق أن مهاراتك جاهزة لأكثر من ذلك.”
اتسعت ابتسامة دارون حتى كادت تصل أذنيه. “شكرًا لك يا سيد إيفان! لن أخذلك، أعدك!”
راقبه إيفان وهو يركض مبتعدًا ليخبر أحدًا بالخبر، وشعر بذلك المزيج الغريب المعتاد من الرضا والقلق الذي يرافقه كلما ضمّ شخصًا جديدًا إلى دائرة مسؤوليته، القلق من أن يفشل في حمايته، والرضا من أن أوسترين، رغم كل شيء، لا تزال تُخرّج شبابًا يؤمنون بشيء أكبر من الجوع اليومي.
في طريق عودته من بوابة المدينة الشمالية، مرّ إيفان بساحة السوق الصغيرة قرب حي التجار، حيث لمح فولك واقفًا أمام بسطة قماش رجل يُدعى “هينريك”، أحد أكبر تجار الأقمشة المحليين في أوسترين، رجل بدين معروف ببخله وحدة لسانه مع من يحاول مساومته توقف إيفان على مسافة قريبة، مدفوعًا بفضول لم يقاومه، ليرى كيف يتعامل فولك مع تاجر يعرفه أهل المدينة جميعًا بصعوبة إرضائه.
“سمعت أنك أحضرت حريرًا من كارنوث،” قال هينريك بصوت فيه ازدراء مصطنع، يداه متشابكتان فوق كرشه. “لن أدفع أكثر من ثلاث قطع فضية للذراع الواحدة. هذا سعري النهائي، ولن أساوم أكثر.”
ابتسم فولك ابتسامة هادئة، تلك الابتسامة التي لاحظ إيفان أنها لا تظهر على وجهه إلا حين يكون واثقًا تمامًا من موقفه. “ثلاث قطع؟ يا سيد هينريك، هذا سعر عادل تمامًا… لو كنت أبيعك حريرًا عاديًا.”
“وما الفرق؟” سأل هينريك بريبة.
“الفرق أن هذا الحرير جاء من نفس الورشة التي تخيط لها الليدي فيرينا فينسيت، حاكمة كارنوث، ثيابها الرسمية،” قال فولك بهدوء، وكأنه يذكر حقيقة عابرة لا صفقة يحاول إبرامها. “لم أشترِ الكمية كلها، بالطبع، فالورشة لا تبيع إلا لعدد محدود من التجار الموثوقين كل موسم لكنني اشتريت ما استطعت، تحديدًا لأنني عرفت أن نبيلة أوسترين الصغيرة، زوجة اللورد دورين نفسها، تحتفل بعيد ميلادها بعد أسبوعين، وأن كل بائع أقمشة في هذه المدينة سيتسابق لبيعها ثوبًا يليق بالمناسبة.”
توقف هينريك عن الكلام للحظة، وبدأت عيناه تتحركان بسرعة، تحسب شيئًا في رأسه.
“إن بعتك هذا الحرير بثلاث قطع فقط،” تابع فولك بنفس الهدوء، “ستبيعه أنت لاحقًا لخياط اللوردة بعشر قطع على الأقل، وسيُحاك منه ثوب يراه نصف نبلاء أوسترين في حفل واحد، وسيسألون جميعًا من أين أتى هذا القماش الرائع، وسيأتون إليك أنت، لا إليّ، لأنني تاجر متجول وأنت التاجر المقيم الذي يثقون به أنا أمنحك فرصة لتصبح التاجر الوحيد في هذه المدينة الذي يملك حريرًا يستحق اسم كارنوث السؤال الحقيقي ليس كم ستدفع لي، بل كم ستخسر إن اشتراه منافسك ‘أوسفالد’ بدلًا منك.”
شحب وجه هينريك قليلاً عند ذكر اسم منافسه، ونظر إلى بالة الحرير أمامه بعينين مختلفتين تمامًا عما كانتا عليه قبل دقيقة
“خمس قطع للذراع،” قال هينريك أخيرًا، بصوت أقل ثقة بكثير من صوته الأول.
“سبع،” قال فولك ببساطة، دون أن يرمش. “وسأخبرك بسر إضافي مجانًا: اشترِ الكمية كلها التي معي الآن، لا نصفها فقط، لأنني لن أعود بهذا النوع من الحرير إلى أوسترين قبل موسم كامل على الأقل، والليدي فيرينا تحبس الفائض دائمًا لمواسم لاحقة.”
بعد مساومة قصيرة أخرى، اتفق الطرفان على ست قطع فضية للذراع، وسحب هينريك كيس نقوده بيد كانت لا تزال ترتجف قليلاً من حماس الصفقة، بينما ابتعد فولك وهو يكتم ابتسامة رضا لم يحاول إخفاءها تمامًا عن إيفان الذي كان يراقب من بعيد.
“رأيتك تراقب،” قال فولك حين اقترب منه إيفان أخيرًا، دون أن يبدو عليه أي إحراج.
“هل كان كل ما قلته صحيحًا؟” سأل إيفان بفضول حقيقي. “عن الليدي فيرينا وثوبها؟”
ضحك فولك ضحكة قصيرة مرحة. “الجزء الخاص بالورشة صحيح تمامًا، اشتريت الحرير منها فعلًا أما تفاصيل عيد ميلاد زوجة اللورد دورين، فهذه معلومة سمعتها بالصدفة من خادمة في القصر قبل أسبوعين، ووظفتها في الوقت المناسب التاجر الجيد لا يكذب أبدًا يا سيد إيفان، هذا يدمر السمعة في النهاية. لكنه يعرف كيف يرتب الحقائق الصحيحة بالترتيب الصحيح، ليجعل الخوف من الخسارة أقوى من رغبة البخل هينريك لم يشترِ الحرير مني، بل اشترى تأمينًا ضد ندمه المستقبلي.”
هزّ إيفان رأسه معجبًا رغمًا عنه. “أنت خطير بطريقتك الخاصة يا سيد فولك، لا تقل خطورة عن رجل يحمل سيفًا.”
“السيف يقتل رجلاً واحدًا في كل مرة يا صديقي،” قال فولك بابتسامة هادئة أخيرة. “الكلمة الصحيحة في الوقت الصحيح يمكن أن تُطعم مدينة كاملة، أو تجوّعها، حسب من يستخدمها ولماذا.”
في المساء، جلس إيفان مع بوريس في زاويتهما المعتادة في حانة الذئب الأعرج، حيث كان العازف الأعمى يعزف لحنه الحزين نفسه عن البحّار الذي لا يعود، اللحن الذي بدأ إيفان يفهم الآن، بعد حلم الليلة الماضية، لماذا كان يشدّ على قلبه دائمًا أكثر من أي أغنية أخرى.
“غورين وافق على العمل معنا،” قال إيفان وهو يشرب من كأسه. “وياكوب يفكر في الأمر.”
“إذن بدأت فعلاً،” قال بوريس، نظرة إعجاب هادئة في عينيه. “تجميع رجال لتطهير الطريق. ظننت أن الأمر مجرد كلام بعد ليلة ثقيلة في كارنوث.”
“لم يكن مجرد كلام،” قال إيفان بجدية. “سمعت الأرقام يا بوريس خمس سنوات، ست على الأكثر لا أستطيع أن أجلس في هذه الحانة أنتظر أن يأتي أحد من الإمبراطورية أو من قصر الدوق البعيد لينقذ أوسترين لن يأتي أحد رأيت ذلك بنفسي على الطريق، رأيت كيف تمر الدوريات الإمبراطورية بجانب أخطر غابة في المنطقة دون أن تكلف نفسها عناء التوقف.”
“ومن أخبرك أنك وحدك، برجلين أو ثلاثة معك، تستطيع أن تفعل ما عجزت عنه دوريات كاملة؟”
نظر إيفان إلى صديقه نظرة طويلة، وفي عينيه شيء لم يره بوريس منه من قبل، عزيمة هادئة لكنها عنيدة كصخرة لا تتحرك مهما ضربتها الأمواج.
“لست وحدي،” قال إيفان أخيرًا. “معي أنت، ومعي غورين الذي سيصنع لنا السلاح، وقريبًا ربما ياكوب الذي يعرف كل ممر في تلك الغابة. لست بحاجة إلى جيش يا بوريس، أحتاج فقط رجالًا يعرفون لماذا يقاتلون، لا رجالاً يقاتلون فقط من أجل قطعة ذهب. الجيوش الإمبراطورية الكبيرة قد تنقذ مدنًا كبيرة كارنوث، لكن المدن الصغيرة كأوسترين، تحتاج رجالاً صغارًا يعرفون كل زقاق فيها بالاسم، ويحبونها بما يكفي ليموتوا من أجلها إن اضطروا.”
صمت بوريس للحظة، يتأمل صديقه في ضوء النار الخافت، ثم رفع كأسه ببطء.
“إذن نخب طريق آمن،” قال بابتسامة عريضة بدأت تعود إلى وجهه. “وإن لم ننجح؟”
“عندها سنكون قد حاولنا على الأقل شيئًا يستحق المحاولة،” قال إيفان، ورفع كأسه بدوره ليطرقه بكأس بوريس، بصوت خفيف ضاع وسط ضجيج الحانة كما ضاع نخبهما الأول قبل أسابيع.
لكن حتى وهو يشرب، وحتى وهو يشعر بشيء يشبه الأمل الحقيقي يتشكل ببطء في صدره لأول مرة منذ زمن طويل، بقي جزء صغير منه، ذلك الجزء الذي استيقظ باكيًا في غابة الظل الرمادي قبل أيام قليلة، يتساءل بصمت إن كان يستحق حقًا هذا الأمل، إن كان الرجل الذي دُفع بعيدًا عن أمه في ذلك الحلم القديم يستحق أن يصبح الرجل الذي يحمي مدينة كاملة، أم أن كل ما يفعله، كل الذهب الذي يعطيه لإيلينا، وكل الخبز الذي يشتريه من أم باروس، وكل طريق سيحاول تطهيره، ليس سوى محاولة يائسة لسداد دين قديم لن يُسدَّد أبدًا، دين لامرأة لم يعد يتذكر وجهها بوضوح إلا في أحلام تنتهي دائمًا بالدخان والصراخ.
كان هذا هو التناقض الذي عاش بداخله إيفان منذ سنوات طويلة دون أن يسمّيه يومًا بصوت عالٍ: رجل يعطي كل ما يملك لغرباء لا يطلبون منه شيئًا، ويرفض أن يعطي لنفسه أبسط الأشياء، عطفًا واحدًا صادقًا، مسامحة واحدة كاملة رجل يشتري الدواء لابن امرأة أرملة دون أن يسمح لها بشكره كاملاً، ويرفض في الوقت نفسه أن يسمح لصديقه الوحيد بأن يربّت على كتفه أكثر من ثانيتين قبل أن ينسحب رجل يقود الآن حملة لإنقاذ مدينة بأكملها، بينما لا يزال، في أعماقه، غير مقتنع أنه يستحق أن يُنقَذ هو نفسه من الليالي التي تنتهي فيها الأحلام بالدخان والصراخ.
كانت هذه هي الحقيقة التي لم يقلها لبوريس، ولا لمارتا، ولا حتى لنفسه بوضوح تام: أنه كلما فعل شيئًا خيّرًا، شعر لثانية واحدة أنه يسدد جزءًا من دين لا يُسدَّد، ثم يعود الفراغ نفسه، أعمق قليلاً في كل مرة، يذكّره أن لا كمية من الذهب الذي يوزعه، ولا عدد الطرق التي سيطهّرها، ستعيد له الوجه الذي فقده في الدخان منذ عقود، ولا تمحو الكلمة الأخيرة التي صرختها أمه وهي تدفعه بعيدًا: اهرب. سنوات من حمل هذا الثقل وحده، من دون أن يسمح لأحد بمشاركته إياه كاملاً، تركت في داخله شيئًا يشبه الشرخ الهادئ في جدار قديم، لا يُرى من الخارج، لكنه يتسع، حجرًا حجرًا، في كل ليلة يستيقظ فيها وحيدًا في الظلام.
في الخارج، بدأ المطر يتساقط مجددًا على أوسترين، يغسل أزقتها الموحلة كعادته، بينما كان إيفان يجلس في الداخل، بين صديق يثق به وحانة تعرف اسمه، يحمل بين ضلوعه وعدًا قديمًا لألريك لم يتحقق بعد، وحلمًا جديدًا بدأ يتشكل لأوسترين، وجرحًا أقدم من كليهما لم يخبر أحدًا به كاملًا، ولن يخبر، ربما، لوقت طويل قادم.
________
Sou:للمعلومية أنا أكتب الفصول على شكل مسودات و غيرها فصل كامل مع نفس سيرة الاحداث اللي أنا عليه و أرسلهم الذكاء الاصطناعي للتدقيق و التدقيقي ليس بااشيء الكبير مجرد تصحيح الاخطاء و استعمال علامات الوقوف و غيرها و أحيانا يصحح جمل لان سياقها خطأ لذلك ان وجدت جملة ملخبطة اتمنى تنبيهي
بالنسبة الفصول الطويلة انا اكتب من خمس حتى عشر فقرات و اجمعها معا و سأستخدم أسماء من أنميات نظرا لكثرة المدن و الشخصيات
إشترك في عضوية VIP - بدون إعلانات
إشتراكك و دعمك للموقع يساعدنا في إستمرار و بناء تطبيق للهاتف
تخلص من الإعلانات المزعجة واحصل على وصول أسرع للفصول وميزات VIP للتعليقات ووضع التركيز والكثير من المزايا.
إشترك في VIP - بدون إعلانات -ندعم بيبال عملات رقمية و فيزا وكل الوسائل
اشتراك في العضوية VIP في Patreonبالفيزا أو الماستر كارت
اشترك في العضوية و إدعمنا VIP عبر Ko-fiعند اشتراكك أو دعمك للموقع لا تنس أن ترسل لنا اسم حسابك لتفعيل VIP.
التعليقات
Comments for chapter "الفصل 195"
MANGA DISCUSSION