الفصل 76 - جحيم كاريثيون
كانت رمال الساحة الأبدية قد ابتلعت من الدماء ما يكفي لتتحوّل من رمال ذهبية إلى عجينة حمراء لزجة تلتصق بالأقدام وتُثقّلها مع كل خطوة، كأن الأرض نفسها تريد أن تحتجز من يقف عليها وتمنعه من الرحيل. رائحة الحديد والعرق والشيء الثالث الذي لا يُسمَّى إلا في ما بعد — رائحة الموت القريب — كانت تُشبع الهواء حتى باتت كل نفَس يُدخل شيئاً منها إلى الرئتين.
لم يكد جسدي يُعيد توزيع ثقله بعد قتل صاحب الرمح — ذلك الرجل الضخم بالرمح المعقوف ذي الطرف المنحني الذي كان يُديره كذراع إضافية — حتى اندفع نحوي أربعة محاربين من المستوى الأول في خط غير منتظم يتشكّل بالصراخ أكثر مما يتشكّل بالتكتيك. كانوا يصرخون بهستيريا يحاولون من خلالها استجماع شجاعة لا تأتي من الداخل، شجاعة مستعارة من الضجيج وليس من اليقين.
بعيني “العقل الفعال” رأيتُ خيوط إرادتهم: قصيرة، واضحة المسار، تفتقر إلى ذلك العمق الذي يعطي الإرادة خطورتها الحقيقية. كانوا يُحرّكون أجسادهم بردود الأفعال لا بالقرار، يرسمون ضرباتهم بالعواطف لا بالحساب. ضربات دائرية ثلاث بسيفي في قوسَيْن متقاطعَيْن، متبوعة بطعنات تستهدف مراكز الثقل حيث تتقاطع الأوزان ولا يمكن للجسد الاستجابة بالسرعة الكافية — أربعة سقطوا قبل أن تستكمل أصواتهم صراخها.
لم أتوقف لأتنفس.
أحاط بي ثمانية آخرون.
هؤلاء كانوا مختلفين بشكل يُدرَك فوراً — ذلك الاختلاف الذي تشعر به قبل أن تُتاح لك ثانية لتُفكّر فيه. شكّلوا حلقة متماسكة محكمة الإغلاق، لا تُترك فيها فجوة تتجاوز ما يكفي لذراع واحدة. يتحركون بانسجام يخبرك أنهم تدرّبوا معاً وقاتلوا معاً — ذلك الانسجام الذي لا يأتي من التوجيهات بل من الذاكرة المشتركة للمعارك السابقة. يتبادلون الأدوار في الهجوم والدفاع بأسلوب جماعي منسق، حيث يُغطي كل واحد منهم الثغرة التي يخلقها تحرّك الذي بجانبه.
خيوط إرادتهم كانت مُتشابكة — تتداخل وتتغذى على بعضها وتُغطي الواحدة منها ما تكشفه الأخرى. رؤيتها كاملة في وقت واحد كانت كمحاولة قراءة ثمانية كتب في آنٍ واحد، كل منها بلغة مختلفة. اضطررتُ لتلقّي الكدمات والاحتكاكات التي كنتُ أتجنبها في الاشتباكات الأبسط — ضربة على الساعد الأيمن أحمرت الجلد تحت الدرع، وضربة أخرى على الجانب الأيسر من الرقبة ما زالت تُحدث طنيناً. لكن “ذاكرة العضلات” كانت تعمل حتى حين لا يعمل التفكير الواعي — جسدي كان يُجيب على التهديدات التي لم يُدركها عقلي بعد.
القائد الميداني. كان في المركز، يُصدر إشاراته بتحريكات الكوع لا بالكلام. حين قرأتُ تلك الخيوط الأكثر سمكاً وسط الحلقة — الخيوط التي كانت الأخرى تنتظم حولها — فهمتُ. وحين انتهيتُ منه بضربة طعن واحدة اخترقت الفتحة بين الدرعين اللذين التقيا عنده من الجانبين، تفككت الحلقة كسلسلة كُسر حلقتها الوسطى. تشتّت الباقون، وما تشتّت لا تجتمع له إرادة حقيقية في مواجهة من يعرف أين يضرب.
مذبحة صامتة. سبعة آخرون.
التفتُّ.
رأيتُ ميراثيل في تلك اللحظة بالذات تُسقط خصمها التاسع. كانت تتنفس بصعوبة مرئية — صدرها يرتفع وينخفض بإيقاع أسرع مما ينبغي لمقاتلة في منتصف معركة — لكن عمودها الفقري لم يتزعزع. تقف بنفس الطريقة التي تقف بها حين تكون في تمام قوتها، تلك الطريقة التي تقول إن الجسد ربما يتعب لكن الكبرياء لا يعرف التعب. كانت ترتدي درعها الخفيف المصنوع من صفائح الجلد المُقوَّى بحلقات معدنية على الصدر والأكتاف، وسيفها الخفيف ذو النصل المستقيم يلمع ببقايا الدم عليه.
ثم انسلّت امرأة من بين الركام.
جاءت كأنها كانت هناك دائماً — لم تُقدّم ولم تُعلن. بخفة قطة برية تعرف الغابة بكل شبر فيها وتتحرك عليها بلا تفكير. ترتدي جلداً داكناً ضيقاً يُغطي كل شيء حتى الرسغين، وخنجران طويلان في يديها يلمعان ببريق يختلف عن بريق الفولاذ النقي — بريق يُخبرك قبل أي شيء آخر أن ما على النصلين ليس مجرد صقل.
بدأ القتال.
ميراثيل كانت تستخدم سيفها الخفيف للصدّ، تُحرّكه في قوسين منفصلين لمواجهة الخنجرين اللذين كانا يأتيان دائماً من اتجاهين لا يتطابقان. المرأة ذات الخناجر تهدف للأوتار — خلف الركبتين، وتحت الإبط، وجانبي الرقبة — وللعينين حين تجد الفرصة. ميراثيل تبحث عن الثغرة الواحدة، تلك الثانية الوحيدة حين يكون أحد الخنجرين بعيداً كفاية لتنفذ منها.
الشرارات حين يلتقي الفولاذ بالفولاذ كانت تُضيء وجهيهما بومضات متقطعة. رقصة بين الموت والجمال — لا يُبالغ في هذا الوصف من رأى ذلك القتال. جسدان يُحسنان ما يفعلانه كما يُحسن الموسيقي إتقان آلته، والحشد يرقب ويحبس أنفاسه.
ثم وجدت ميراثيل ما كانت تبحث عنه.
انحنت تحت طعنة غادرة جاءت من الأيسر، وانسابت تحتها بحركة جعلت الخنجر يمرّ فوق رأسها بمسافة إصبع. وفي تلك الحركة السفلية ذاتها، دفعت نصلها للأمام في خط مستقيم — طعنة اخترقت الحنجرة. الصوت الوحيد كان صوت الاختراق والصمت الذي تلاه.
لكن الخنجر الآخر وجد ما كان يبحث عنه أيضاً.
شقّ طريقه في عمق فخذ ميراثيل بزاوية تدخل وتُمزق وهي تخرج. تراجعت، تعرج، والدم القاني يصبغ ثيابها ويسيل على ساقها حتى الرمال. لم تسقط — تراجعت وهي واقفة، عيناها تُقيّمان الضرر بالطريقة التي يُقيّم بها المحارب المصاب ما يملكه لا ما خسره.
لم أملك الوقت لمساعدتها.
اعترضني خصمان.
من المستوى الثاني. تنسيقهما كان من النوع الذي يحتاج أسابيع من التدريب المشترك ليبلغ هذا المستوى — أحدهما يُطبّق الضغط بضربات ثقيلة متتالية تجبر جسدي على الانكفاء، والثاني يتخذ من ذلك الانكفاء نقطة انطلاق للبحث عن الثغرة التي يخلقها الضغط. متبادلان ومتزامنان ومتكاملان.
جسدي بدأ يُخبرني بالحقيقة بصدق لا يرحم: التعب ليس شعوراً بعد الآن، بل صوت فيزيائي تُصدره العضلات. وخيوط إرادتهما كانت متشابكة بذكاء يصعب على حتى “العقل الفعال” فصل أيهما يُخطط والآخر يُنفّذ.
أحتاج إلى شيء لا يأتي من القوة.
رفعتُ قدمي اليمنى بحركة واحدة حادة وضربتُ بها الرمال المبللة بالدماء. سحابة من الغبار الأحمر انطلقت نحو وجهيهما. لم تُعمِهما، لكنها كسرت ثانية من تركيزهما — ثانية واحدة فقط.
في تلك الثانية، أطلقتُ خنجري المخفي في غمد الساق. لم أُسدّد بعناية. أطلقتُه بالحس والمسافة وما أخبرني به العقل الفعال عن موضع الكتف الأيسر للأول. اخترقه. ليس اختراقاً قاتلاً، لكن اختراقاً يجعل الذراع ذات الحامل للسيف تصبح في معادلة مختلفة.
أما الثاني، فقد استخدمتُ جثة ملقاة بجانبي بالمسافة الصحيحة. خطوة واحدة للجانب جعلت قدمه تجد الجثة حيث توقّع أن تجد أرضاً. تعثّر. وفي تعثّره، مالت زاوية سيفه عن الاتجاه الذي كان يُمسكها إليه.
انقضضتُ.
الأول: ضربة من الخلف على المعصم المُصاب جعلت السيف يسقط. والثاني: طعنة في الجانب حين كانت يداه تُحاولان التوازن. سقطا تحت وابل من العرق والدم الذي لم أعد أُميّز أيّه لي وأيّه لهم.
ثم شعرتُ به.
برودة. ليست برودة الهواء ولا برودة الدم — بل برودة تسري في العمود الفقري من القاعدة نحو الأعلى كأن يداً باردة تُعدّد الفقرات من الداخل. أزيز الهواء جاء بعدها.
المرأة ذات السوط.
عيناها الزرقاوان اللتان رأيتُهما قبل أن أتذكّر كيف رأيتُهما — زرقاء داكنة كلون البحر حين يغضب لا حين يهدأ. حركتها الانسيابية المرعبة لم تُنبّه الأرض تحتها ولا الهواء حولها. وسوطها الحديدي في يدها كان كياناً مستقلاً — لم يتدلَّ بل كان يرتجف بطاقة محبوسة.
لم تُعلن. لم تُهدّد. أطلقته.
طرااااخ!
الصوت جاء قبل أن يصل الألم، وهذا أحياناً أسوأ. ثم وصل الألم. ذراعي اليسرى تحوّلت من شيء أعرفه كجزء مني إلى شيء آخر — شيء يصرخ صراخاً لا صوت له، يُخبر عقلي بتفاصيل لم أطلبها: العظام تتهشم تحت الجلد بطريقة مقطّعة تُشبه صوت الخشب الجاف يتكسّر في أكثر من مكان في وقت واحد. جلد يشقّ. أربطة تنزلق عن مواضعها.
حاولتُ تفعيل “العقل الفعال”. حاولتُ قراءة خيوط إرادتها.
لم تكن كالخيوط التي أعرفها. كانت مرنة ومتشعبة ومتحركة كالسوط ذاته — لا مسار واحد بل مسارات محتملة تتفرع من نقطة مشتركة وتعود للتفرع مرة أخرى. كل مرة حسب عقلي توقعاً، تحركت في الاتجاه الآخر. كأنها تتغذى على التوقع وتجعله سلاحاً بيدها.
ثم جاءت الضربة الثانية قبل أن أُنجز إعادة ترتيب وقفتي.
طرااخ!
فخذي الأيمن. بزاوية تعرف جيداً أين يوجع أكثر — لا في العظم الذي يُمكن الصمود عليه، بل في العضلة التي تحمل الوقوف. انتزعت مني القدرة على الانتصاب في لحظة. الرمال الحمراء استقبلتني على ركبتيّ قبل أن أُدرك أنني أسقط.
رفعتُ رأسي. رأيتُها ترفع السوط للمرة الثالثة. هذه المرة لم تكن زاوية التهيئة زاوية إيذاء — كانت زاوية إنهاء.
شعرتُ بالموت كما يُشعر به المرء حين يصبح حقيقياً لا مجازياً. ليس كفكرة بل كوزن يجلس على الصدر ويُثبّت الأطراف. سكن كل شيء. الأصوات خرجت من إطارها وباتت بعيدة. تحوّل العالم إلى صمت مطلق كأن أذنيّ قرّرتا التوقف عن العمل قبل بقية الجسد.
ثم طار رأسها في الهواء.
لم أرَ الضربة.
لم تكن هناك مرحلة رأيتُها تبدأ فيها وتنتهي. لم أرَ حتى خيط الإرادة الذي يسبق الفعل — وهذا في حد ذاته كان أمراً لا أعرف له تفسيراً. خيوط إرادتها كانت لا تزال في منتصف قوسها نحوي، تُكمل حركتها كأنها لم تُبلَّغ بعد بأن صاحبتها لم تعد موجودة، حتى تفتّتت بالتدريج واختفت مع سقوط الجسد.
الرجل العجوز.
كان يقف إلى يساري بمسافة لم أُقدّرها صحيحة — أقرب مما ظننتُ. يرتدي ثياباً بسيطة كثياب من لا يريد أن يُلفت النظر، ويُمسك بفأسه الصغيرة التي تبدو في يده كأداة يومية، لا كسلاح في ساحة قتال. لم تلحق بها قطرة دم واحدة. لم يكن فيها شيء يُخبر بما فعلته قبل ثوانٍ. وتعبيره — لم يتغيّر. برودة من يُتمّ إجراءً روتينياً، لا من ينقذ حياة.
مقاتل من المستوى الثالث. بحركة واحدة.
كنتُ أعرف الفارق بين المستويات — أعيش مع ذلك الفارق كل يوم، أُقيسه بالخيوط وبما تخبرني به الجروح ومساراتها. لكن هذا كان خارج أي تدرّج أعرفه. كأن المستويات التي نقيس بها الأشياء كانت مناسبة لقياس أشياء معيّنة، لكن هذا الرجل لم يكن من تلك الأشياء.
لم يتركوه وشأنه بالطبع.
انقضّ عليه اثنان من المستوى الثالث: الرجل القصير بخناجره الثلاثة المرتّبة على حزامه بدقة رياضية، والضخم بمطرقته العملاقة ذات العمود المزدوج التي يُسمَع أزيزها قبل أن تصل. اندفعا نحوه من الجانبين بسرعة تجعل الغبار الذي يُثيرانه يتصاعد ويُعمي المدرّجات.
وسط ذلك الغبار، لم يُسمع سوى صوتان. صوتا اصطدام المعدن باللحم. مختصران. نهائيان.
حين انقشع الغبار، كانا تحت قدميه.
لم يتغيّر وضع وقفته. لم تتقدم قدمه اليمنى ولم تتأخر اليسرى. كأنه كان واقفاً ينتظر أن يُكمل شخصان مهمتهما ثم يمضيا.
نظرتُ إليه من الأرض، من تلك الزاوية المنخفضة التي تجعل كل شيء يبدو أطول وأكثر هيمنة. وشعرتُ بشيء لم أشعر به في تلك الساحة كلها مع كل ما واجهتُ فيها. لم يكن الشعور بالامتنان لأنه أنقذ حياتي، رغم أنه فعل. لم يكن الإعجاب، رغم أن ما رأيته تجاوز كل إعجاب.
كان رهبة حقيقية.
الرهبة التي تشعر بها لا أمام القوة المجردة، بل أمام شيء أبعد — أمام شيء لا يُفهَم ولا يُقاس ولا يُردَع. شعرتُ وكأنني لا أقف أمام إنسان استثنائي، بل أمام ظاهرة طبيعية أُعطيت شكلاً وعصا وثياباً بسيطة واسماً قد لا يستحق ما وراءه.
دوى قرع الطبول.
صوت حاسم عميق يملأ الفضاء فوق الساحة وتحته. مرة، ثم مرتان، ثم ثلاثاً بفواصل منتظمة — الإعلان الرسمي لنهاية القتال المفتوح. ساد الصمت. صمت غير متوقع بعد ذلك الضجيج الطويل، كأن الساحة نفسها أخذت نفَساً.
لم يتبقَّ واقفاً سوى القليل من المحطّمين. والمحطّمون هنا لا يعني المنكسرين — يعني من دفع الثمن ولا يزال واقفاً. وهذا نوع مختلف من الصمود.
بقيتُ جالساً على ركبتيّ في الرمال الحمراء التي كانت بضع ساعات فقط رمالاً ذهبية. كتفي الأيسر المهشَّم كان لا يزال يُصدر إشارات يرفض العقل تصنيفها. وفخذي الأيمن كان يشعر كأن النار مازالت حيث كانت قبل أن تُخمد.
نظرتُ إلى ظهر الرجل العجوز.
ظهر عادي. ثياب عادية. قامة متوسطة. لا شيء فيه يُعلن ما هو عليه.
وهذا وحده كان كافياً لأن يجعل الرهبة التي تسكن في نخاعي الآن أثقل وأعمق — أن يحمل كل هذا في مظهر يستطيع أن يمشي بين الناس دون أن يُنبّه أحداً.
أدركتُ وأنا أُحاول توزيع ثقل جسدي بين ركبتيّ على رمال الساحة الباردة، أنني أرافق شيئاً قد يكون — إذا أراد — قادراً على ابتلاع هذا العالم كله دون أن يُغيّر في وقفته شيئاً.
وهذا الإدراك كان أثقل من كل جرح تلقّيتُه في تلك الساحة.
إشترك في عضوية VIP - بدون إعلانات
إشتراكك و دعمك للموقع يساعدنا في إستمرار و بناء تطبيق للهاتف
تخلص من الإعلانات المزعجة واحصل على وصول أسرع للفصول وميزات VIP للتعليقات ووضع التركيز والكثير من المزايا.
إشترك في VIP - بدون إعلانات -ندعم بيبال عملات رقمية و فيزا وكل الوسائل
اشتراك في العضوية VIP في Patreonبالفيزا أو الماستر كارت
اشترك في العضوية و إدعمنا VIP عبر Ko-fiعند اشتراكك أو دعمك للموقع لا تنس أن ترسل لنا اسم حسابك لتفعيل VIP.
التعليقات
Comments for chapter "الفصل 76"
MANGA DISCUSSION