الفصل 67 - سيد الرماد
كانت اللحظة التي سبقت فتح البوابة هي الأثقل في حياتي كلها — لا استثناء ولا مبالغة. كنتُ أعرف الثقل بأشكاله المختلفة؛ ثقل السيف قبل أولى معاركي، وثقل الخبر السيء حين يصل في الوقت الخطأ، وثقل الجسد المنهك الذي يريد الاستسلام لكن الإرادة تأبى. لكن هذا كان شيئاً آخر. كان ثقل ما قبل النهاية — ذلك الثقل الذي لا تعرف إن كانت النهاية نهايتك أنت أم نهاية ما يقف خلف تلك البوابة.
خلفنا، كانت مدينة سبارك تئنّ تحت وطأة “التطهير”. صرخات المقاتلين وصليل السيوف المتشابكة كانت تترددان كصدى بعيد لعالم لم نعد ننتمي إليه تماماً — صوت يصلنا كذكريات لا كحاضر. أما هنا، أمام هذه البوابة المصنوعة من معدن الرماد الأسود الذي لا يعكس ضوءاً ولا يحمل صدأ، فقد كان الصمت هو السيد الوحيد. لكنه لم يكن صمت السكون. كان صمتاً من نوع مختلف — صمت الجوع الذي يمتص كل صوت وكل أمل وكل ذرة إرادة تحاول الاقتراب منه.
كنا ثلاثة. يوليوس الذي ارتدى درعه الذهبية الكاملة لكن خلف عينيه شيء لم يكن فيهما في صباح ذلك اليوم، كأنه أدرك شيئاً في الطريق ولم يُخبرنا به. وستارك الذي يلهث بصدر منتفخ وينزّ الإرهاق من كل مسام جسده الضخم مع ذلك يقف مستقيماً بإرادة لا بقوة. وأنا — دارون — بكتف مسموم ينزف دماً داكناً وعقل يحاول رسم احتمالات لا يجد فيها إجابة مريحة.
وضع يوليوس يديه الضخمتين على سطح البوابة. لم يكن هناك صرير، ولا مقاومة. انزاح المعدن الثقيل وكأنه لا يعترض بل يُعلن — كأن البوابة لم تكن قفلاً بل مقدمة لخطاب لم يبدأ بعد.
انبعث من الداخل ضوء شاحب. لكنه لم يكن ذلك النوع من الضوء الذي يُنير؛ كان من النوع الذي يكشف عن العتمة، كأنه يُضيء الظلام ليُظهر مدى عمقه لا ليُشتّته. استنشقتُ الهواء الذي تسرّب إلينا. كان له طعم الرماد البارد الجاف الذي لم يُحرَق أمس ولا قبل أمس — رماد قديم استقر منذ زمن طويل. جفّ حنجرتي حين مررتُ.
دخلنا.
كانت القاعة واسعة بشكل يُرعب. ليس لأن الأبعاد كانت مستحيلة، بل لأن الفراغ فيها كان مقصوداً — فراغ صُمّم ليجعل من يدخله يشعر بصغره قبل أن يرى أي شيء آخر. السقف يختفي في ظلام دامس لا تبلغه أي شعلة، كأنه لا يوجد سقف بل هناك سماء معكوسة سوداء. والأعمدة منحوتة من عظام صخرية سوداء تنتصب على الجانبين بانتظام يُشبه انتظام الجنود أكثر مما يُشبه الهندسة — كأنها أُوقفت هنا وأُمرت بالبقاء.
وفي نهاية هذا الممر الجنائزي الطويل، في المسافة التي تقف فيها عادة الأشياء التي تريد أن تُرى ولا تُقترب منها، رأيناهم.
كان سيد الرماد جالساً على عرشه.
وحوله أربعة.
أربعة من حراسه الشخصيين — أربعة كوابيس من المستوى الثالث. لم يكن وصف “حراس” دقيقاً حقاً، لأن الحراس يُدافعون. هؤلاء كانوا شيئاً آخر. أجساد صقلتها يد ماهرة ومريعة ليصبحوا آلات صماء للقتل، خُلعت منها كل الزوائد وبقي فقط ما يُنجز المهمة.
لم نكد نخطو ثلاث خطوات حين انطلق اثنان منهم.
ليس “اندفعا”. انطلقا. بسرعة تُشكّل فيها الصورة في عقلك بعد أن تكون الحركة قد انتهت. لم يكونا بشراً في تلك اللحظة، بل كتلتان من الإرادة السوداء والسموم تتحرّكان بتلاحم مثالي كأنهما رأس واحد وجسدان. أحدهما يوجّه نصاله المشحونة نحو عنق يوليوس، والآخر ينزلق منخفضاً كالأفعى التي تعرف أن المسافة القصيرة هي الأسرع.
أحسستُ بـ”العقل الفعال” ينطلق تلقائياً، الخيوط ترتسم، الزوايا تُحسَب، يدي تتحرك نحو مقبض السيف.
ثم توقفتُ.
لأن يوليوس لم يرمش.
لم يستل سيفه. لم يتخذ وضعية دفاعية، لم تشدّ عضلاته، لم تتغيّر زاوية كتفيه بمقدار درجة واحدة. رفع يده اليمنى فحسب. حركة واحدة — بطيئة في مظهرها لكنها سبقت الزمن ذاته في جوهرها.
— “تلاشوا.”
همسها. همس لا صراخ.
في تلك اللحظة التي تلت الهمسة بما لا يُقاس بساعة ولا بثانية، انفجر الضغط الجوي داخل القاعة بكاملها. لم تكن رياحاً. كانت شيئاً لا تملك اللغة كلمة دقيقة له — رغبةٌ كونية في المحو تتجسّد لجزء من ثانية. الموجة التي انطلقت من كف يوليوس لم تضرب الحارسين ولم تُصدمهما. قامت بشيء أعمق وأكثر إرعاباً: فكّت ارتباط ذرات جسديهما بالواقع ذاته.
في جزء من المليون من الثانية — في تلك الفجوة الزمنية التي لا يملك الإدراك البشري العادي أدوات لرصدها — تحوّل المقاتلان اللذان يُمثّلان قمة المستوى الثالث، اللذان كافحنا نحن طوال أسابيع لمواجهة أشباههم وخرجنا من تلك المواجهات بندوب لا تُحصى، إلى غبار ناعم. ليس انفجاراً، ليس تفككاً درامياً. مجرد… اختفاء. كأنهما لم يكونا.
سقط الرماد الذي كان يُشكّل جسديهما على الأرض الحجرية بصوت خافت يشبه صوت تراب يتساقط من حذاء مسافر.
نظرتُ إلى يوليوس. وكان نظري نظر من يُعيد حساب معادلة كان يظن أنه يفهمها فاكتشف أنه كان يُحرّك الأرقام الصغيرة في حين الأرقام الحقيقية لم تُمسّ.
الفارق بين المستوى الثالث وقمة المستوى الرابع لم يكن فارق قوة. القوة يمكن قياسها ومقارنتها. كان فارقاً في طبيعة الوجود ذاته — الفرق بين كائن يُقاتل وبين كائن يُقرّر من له الحق في الوجود ومن لا يستحق الاستمرار في المعادلة. يوليوس كان يُمثّل السيادة المطلقة، وكان الحارسان بالنسبة له أخطاءً طفيفة في حساب قام بتصحيحها دون أن يرفع قلبه.
لم يمنحنا الحارسان المتبقيان وقتاً نُكمل فيه هذا الإدراك.
انقضّ الثالث نحو ستارك بتسارع جعل الهواء يتشقق على جانبيه. كان ضخماً بصورة تتجاوز البنية الطبيعية، يرتدي درعاً سوداء ثقيلة تقطر زيتاً أسود لزجاً كأنها تُغذّى على شيء لا يُرى. في يده مطرقة ضخمة — لا مطرقة المعارك العادية بل شيء صُنع ليُحطّم لا ليضرب، تهتز من تلقاء نفسها بإرادة تدميرية مستقلة عن يد صاحبها.
وانزلق الرابع نحوي.
نحيف بشكل مرعب، نحافة الجسد الذي أُفرغ من كل ما لا يُفيد في القتل وبقي فيه فقط ما يُفيد. يحمل خنجرين طويلين ضيقين يلمعان ببريق أرجواني خافت — لون لا تعرفه المعادن العادية، لون السموم التي تُنضَج بعناية. وحين تحرّك، لم تكن له حركة عادية. كانت ومضات — تظهر في مكان ثم تظهر في مكان آخر وليس بينهما خط واضح للمسار.
كان “العقل الفعال” يُطلق تحذيرات حمراء متتالية لم أعتد رؤيتها بهذا الكثافة: [احتمالية الإصابة: 98%].
ستارك الذي كان يستنزف روحه منذ بداية المسيرة — ذلك الاستنزاف الصامت الذي يراه من يعرف كيف ينظر في الطريقة التي تتحرك بها العيون لا الجسد — لم يتردد ثانية واحدة. أدرك ما يعني الوقت في هذه القاعة، وأدرك أن كل ثانية يُطيلها في هذه المواجهة هي ثانية مسروقة من المواجهة الكبرى التي تنتظر في نهاية القاعة.
خطا خطوةً واحدة للأمام. وتنفّس.
ثم أطلق العنان.
انبعثت من جسده هالة ذهبية لم تُنبّه من حوله لحضورها بتدرج، بل انفجرت فجأة كشمس صغيرة ولدت بين جدران القاعة الحجرية. الضوء لم يكن حرارياً — كان شيئاً يضرب بصيرة الإدراك قبل أن يضرب العيون.
— “اللقب الأول: السكون المطلق!”
صوت ستارك ملأ القاعة بطريقة لا تُفسَّر بالصوت العادي — كأن الكلمات نفسها كانت تحمل وزناً فيزيائياً ثقّلت به الهواء.
تجمّدت المطرقة في الهواء. لم تتباطأ ولم تُعرقَل — توقفت. القائد من المستوى الثالث وجد نفسه في سجن من الزمان المتوقف، جسده يصرخ للتحرك لكن الثانية التي يعيش فيها قرّرت أن تمتد حتى إذن آخر.
— “اللقب الثاني: نصل المحاكمة!”
تحوّل سيف ستارك. لم يتغيّر شكله بل تغيّرت طبيعته — أصبح شعاعاً من النور الصرف الذي لا يقطع اللحم والعظم بل يصل إلى ما وراءهما، إلى ذلك الشيء الذي يجعل الجسد يقف ويتحرك ويُقرّر.
— “اللقب الثالث والنهائي: العدم!”
الكلمة الأخيرة لم تُقال بالصوت بل بالإرادة. انطلق النور ليخترق الدرع السوداء كأن الدرع لم تكن موجودة أصلاً — لا كسر ولا اختراق، بل مرور. وحيث مرّ النور، لم يُخلّف جرحاً. أخلّف غياباً.
لم يحدث انفجار. حدث مسح.
اختفى الحارس ومطرقته في فجوة من العدم الذهبي التي أحكمت إغلاقها خلفه بصمت تام، كأن المسرح قرّر أن يُلغي شخصية بالكامل من النص.
وسقط ستارك على ركبته. ركبة واحدة، الأيسر. يداه على الأرض الحجرية الباردة تمنعانه من الانهيار الكامل. دمٌ يسيل من أنفه بخيطين رفيعين داكنين. ودمٌ آخر من الزاوية الداخلية لعينيه. وصدره يلهث بعنف لجسد يحاول أن يُعيد إلى نفسه ما أعطاه للتو.
دفع أغلى الأثمان من جوهر حياته. لكنه أنهى النزال.
أما أنا، فقد كان أمامي ذلك النحيف الذي لا تُحسَب سرعته بالأرقام المعتادة.
— “استيقظ.” همستُها في أعماق روحي، في ذلك المكان الداخلي الذي لا صوت فيه إلا ما تختار أنت إيصاله إليه. “استيقظ أيها المفترس.”
تحرّر الفهد الأسود.
لم يظهر هذه المرة كالدخان الذي يتجمع. خرج كالقرار النهائي — مباشر، كثيف، لا تردد في خطواته. شعرتُ بمخالبه تنمو داخل أعصابي لا على يديّ، وبصري تحوّل إلى رؤية تقرأ الحرارة والنبض والحركة في آنٍ واحد. اندمجتُ معه حتى صار الخط بين إرادتي وبين غرائزه الوحشية خطاً وهمياً لا حقيقياً.
قفز الحارس نحوي. لم تكن له نقطة انطلاق مرئية — ظهر أمامي وكأن المسافة بيننا قرّرت أن تختفي. وكانت تحركاته سلسلة من الومضات، كل ومضة تُلغي توقّعي للسابقة وتُبطل تحضيري للتالية.
حسب “العقل الفعال” في صمته السريع: قتال الاستنزاف ضد هذا الخصم يعني موتي. هو أسرع، وخبرته أعمق من أن تُعوَّض بالتكنيك، ونصاله مسمومة بشيء أرجواني يُعرف أثره بالنتيجة لا بالمكونات.
مسار واحد. مسار انتحاري بكل معنى الكلمة.
تقدمتُ للأمام. بدلاً من التراجع، تقدّمتُ — نحوه، بخطوة واحدة واضحة مقصودة. وفي الوقت ذاته، تركتُ ثغرة. ثغرة في الجهة اليسرى، جهة الكتف، بحجم يكفي ليراها أي قاتل محترف ولا يكفي لأن تُفسَّر إلا كخطأ.
الحارس رآها. وذكاء القاتل المنضبط وغرور المستوى الثالث لا يتركان مثل هذه الفرص تمر. لم يتردد.
غرس خنجره الأرجواني في كتفي الأيسر.
شعرتُ بالنار السائلة — لا تشبيه بل وصف. دخلت من نقطة الاختراق وانتشرت في الأوردة كالماء المغلي الذي يجد شعاباً، مزّقت الأربطة بصمت من الداخل، وبلغت العظم فجعلته يصرخ دون صوت.
لكنني لم أتراجع. ولم أرفع يدي عن مقبض سيفي.
بينما كان الحارس يقرأ في انتكاسة جسدي انتهاءً للمعركة وغرس خنجره بعمق أكبر ليُتمم المهمة، قبضتُ بيدي اليسرى على معصمه الذي يُمسك الخنجر. قبضةٌ لا تُفرج — قبضة من يعرف أنه لن يحتاج هذه اليد كثيراً بعد هذا.
ثبّتتُه. منعتُ انسحابه. منعتُ الومضة التالية.
وفي تلك اللحظة الواحدة التي خلقها ثبوت المعصم، وبكل ما تبقى من اندماج الفهد وكل ما تبقى من طاقة جسد يعرف أنه يدفع ثمن هذه اللحظة الآن لا لاحقاً — طعنتُه بسيفي مباشرة في القلب.
لا زاوية مُعقّدة. لا حركة تقنية مُحكمة. الطعنة المباشرة، في خطها الأقصر، بكل الثقل الممكن.
جحظت عيناه.
ليس من الألم وحده — بل من الدهشة. دهشة قاتل من المستوى الثالث يكتشف أن أحداً قرّر طوعاً أن يقبل سمومه مقابل ثانية واحدة ثابتة. هذا لم يحدث له من قبل. لم يُحسَب في معادلاته. ولم يتبقَّ له وقت ليُعيد الحسابات.
سحبتُ سيفي ببطء وهو يتهاوى بأجزاء منفصلة من جسد يحاول أن يُقرّر بأي ترتيب يتوقف.
وسقطتُ على ركبتيّ إلى جانب ستارك.
يدي على الكتف الذي ينزّ دماً أسود داكناً مشبعاً بما غُرس فيه. والأرض الحجرية الباردة تحت ركبتيّ باردة بدرجة أحسستُ بها رغم كل شيء آخر. وصدري يلهث. لكن الرئتين تعملان. والقلب يدق. والعقل لا يزال يُحصي ما أمامه.
كنتُ حياً.
وكان النزال قد انتهى.
ساد الصمت مرة أخرى.
لكنه كان صمتاً مختلفاً عن الذي دخلنا فيه. كان أثقل، وأكثر وعياً بذاته، وكأنه يعرف أنه مقدمة لشيء لا رجعة بعده.
نظرتُ نحو نهاية القاعة.
كان لا يزال هناك. لم يتحرك. لم يتغير.
سيد الرماد.
لم يقم من عرشه حين سقط حراسه. لم تشدّ عضلة في وجهه حين تحوّل اثنان منهم إلى غبار بهمسة يوليوس. ولم يُبدِ أي إشارة تُخبر أن ما جرى في تلك القاعة في الدقائق الأخيرة يعنيه بأي معنى تُعنيه الأشياء للأحياء.
وقف. ببساطة مُرعبة. بوقار بارد كبياض الكفن.
رداؤه كان طويلاً يمتد إلى الأرض بلون الغبار القديم — ليس الرمادي الذي يأتي من الاتساخ، بل الرمادي الذي يأتي من الاحتراق وما بعد الاحتراق. ووشاح من الرماد ذاته يلفّ عنقه بحلقات فضفاضة، لكن الرماد لم يكن ثابتاً — كان يتحرك بحركة خفية، بطيئة، مستقلة عن أي هواء في القاعة. كأنه كيان حي ينتظر أمراً.
أما شعره الأسود الطويل الذي كان كالحرير في ملمسه وانسيابه، فقد استقر على كتفيه وظهره كأنه وُضع بيد لا بطبيعة. وبشرة شاحبة بدرجة تجعل الرماد الذي حوله يبدو دافئاً بالمقارنة. وعيون رمادية.
لكن رمادية هذه العيون لم تكن لوناً. كانت فراغاً — فراغ حقيقي يعكس ما أمامه كما تعكسه مرآة ليس فيها من ينظر من الخلف. نظرتُ فيهما، وشعرتُ بشيء يُشبه السقوط في بئر لا تسمع القعر ولا تتوقف عن السقوط.
لم يكن فيهما غضب. ولا حقد. ولا رغبة في الانتقام لحراسه الأربعة الذين اختفوا أمامه كأنهم لم يكونوا. لم يكن فيهما أي من المشاعر التي تُعطي للعيون حرارتها. كان هناك شيء أسوأ من كل ذلك.
اللامبالاة التامة.
بالنسبة له، كان موت حراسه ومسيرتنا عبر السهول والغابات وكل تلك الدماء التي سُفكت على طول الطريق إليه، مجرد أرقام في معادلة لا تزال غير مكتملة. أرقام لا تحزن لها ولا تفرح، بل تُسجَّل وتُحسَب وتُتجاوز.
ملامحه هادئة بهدوء مُقلق. متناسقة بتناسق يكاد يُوحي بالأمان في ظروف أخرى، في أي ظروف أخرى. لولا الابتسامة.
ابتسامة ضيقة. ثابتة على الشفتين كأنها رُسمت مرة واحدة ونُسي تحريكها. لا تتغيّر، لا تتسع، لا تضيق. ليست ابتسامة سعادة ولا سخرية ولا حتى الجنون الذي يُبرّر ما لا يُبرَّر. كانت مزيجاً غامضاً يصل الناظر إليه قبل أن يُدرك ما يصل — ذلك الشعور بأن حياته كاملة، بكل آلامها وأحلامها وما سعى إليه، أصبحت فجأة بلا وزن. كأن وجودنا في تلك القاعة ليس أكثر من ذبابة دخلت غرفة واسعة وما زالت تتوهم أن الغرفة لاحظتها.
خطا خطوة واحدة للأمام.
لم تكن خطوة ثقيلة ولا مسرعة. كانت خطوة طبيعية بالتماماً — لكن الأرض تحت أقدامنا نحن الثلاثة اهتزت كأنها استجابت. لم يكن ذلك من الوزن الجسدي. كان من شيء آخر تحمله تلك الخطوة لا يملك الجسد أدوات لقياسه.
نظر إلينا.
ثلاثتنا. يوليوس بعيني تحملان ما لا تُخبره الكلمات. وستارك على ركبة واحدة يتنفس بعنف ودمه يرسم خطوطاً داكنة على وجهه. وأنا بكتف مسموم أحاول أن أُقنع الجسد أن هذا ليس الوقت المناسب للانهيار.
نظر إلينا بعينين لا تنظران بل تُسجّلان.
واتسعت الابتسامة الضيقة. بمقدار ملمتر واحد لا أكثر. لكن ذلك الملمتر الواحد قال ما لم تقله عشرون جملة.
ثم فتح فمه. وخرج صوته منخفضاً ومتزناً، خالياً من أي انفعال يمكن الإمساك به:
— “مرحباً بكم في قصري.”
قالها بهدوء قتل ما تبقى من شجاعتنا — ليس لأنها كانت تهديداً، بل لأنها لم تكن كذلك.
إشترك في عضوية VIP - بدون إعلانات
إشتراكك و دعمك للموقع يساعدنا في إستمرار و بناء تطبيق للهاتف
تخلص من الإعلانات المزعجة واحصل على وصول أسرع للفصول وميزات VIP للتعليقات ووضع التركيز والكثير من المزايا.
إشترك في VIP - بدون إعلانات -ندعم بيبال عملات رقمية و فيزا وكل الوسائل
اشتراك في العضوية VIP في Patreonبالفيزا أو الماستر كارت
اشترك في العضوية و إدعمنا VIP عبر Ko-fiعند اشتراكك أو دعمك للموقع لا تنس أن ترسل لنا اسم حسابك لتفعيل VIP.
التعليقات
Comments for chapter "الفصل 67"
MANGA DISCUSSION